06.09.2024 Views

هندسة الموروث الثقافي في روايات جلاوجي مقاربة أنثروبولوجية

This study scrutinizes the cultural heritage encapsulated in Jalawji's narratives: "Huba and the Journey in Search of the Awaited Mahdi," "The Embrace of Snakes," and "Ha and the Journeys of Ishtar," through an anthropological lens applied to literary analysis. Organized into an introduction and three substantive chapters, the work begins with an exploration of the evolution of anthropology from its initial conjectures to its contemporary scientific and methodological framework, succinctly outlining the discipline's analytical methodologies. The first chapter elucidates the anthropological approach to literature, setting the stage for its practical application in the analysis chapters that follow. The second chapter conducts a detailed exploration of key themes in cultural anthropology, focusing on the interplay between roots and identity. It analyzes the identity markers within local settings and the civilizational attributes of the Algerian urban context, interpreting these through an anthropo-cultural lens. The third chapter investigates the anthropology of cultural constructs that shape collective imaginations, focusing on rituals, mythic narratives that revere "the saint," and the analysis of magical elements within these narratives. This exploration concludes with a discussion on the significance of mythological motifs. Cultural heritage, literary anthropology, identity, collective imagination, novel, Azzedin Jalawji.

This study scrutinizes the cultural heritage encapsulated in Jalawji's narratives: "Huba and the Journey in Search of the Awaited Mahdi," "The Embrace of Snakes," and "Ha and the Journeys of Ishtar," through an anthropological lens applied to literary analysis. Organized into an introduction and three substantive chapters, the work begins with an exploration of the evolution of anthropology from its initial conjectures to its contemporary scientific and methodological framework, succinctly outlining the discipline's analytical methodologies. The first chapter elucidates the anthropological approach to literature, setting the stage for its practical application in the analysis chapters that follow. The second chapter conducts a detailed exploration of key themes in cultural anthropology, focusing on the interplay between roots and identity. It analyzes the identity markers within local settings and the civilizational attributes of the Algerian urban context, interpreting these through an anthropo-cultural lens. The third chapter investigates the anthropology of cultural constructs that shape collective imaginations, focusing on rituals, mythic narratives that revere "the saint," and the analysis of magical elements within these narratives. This exploration concludes with a discussion on the significance of mythological motifs. Cultural heritage, literary anthropology, identity, collective imagination, novel, Azzedin Jalawji.

SHOW MORE
SHOW LESS
  • No tags were found...

Transform your PDFs into Flipbooks and boost your revenue!

Leverage SEO-optimized Flipbooks, powerful backlinks, and multimedia content to professionally showcase your products and significantly increase your reach.

الجمهورية الجزائرية الدّيمقراطية الشّعبية

وزارة التّعليم العالي والبحث العلمي

جامعة أحمد بن بلّة وهران -1-

كلية األدب العربي والفنون

قسم اللّغة العربية وآدابها

أطروحة مقدّمة لنيل

شهادة الدّكتوراه ل م د في تخصّص:‏ األدب الجزائري الحديث والمعاصر

الموضوع:‏

هندسة الموروث الثقافي في روايات عز الدين جالوجي ‏–مقاربة أنثروبولوجية-‏

إعداد الطالبة:‏

األستاذة المشرفة:‏

بلقرون فاطمة

زهرة

العزوني فتيحة أ.د

اللّقب واالسم

بلقاسم هواري

العزوني فتيحة

زاوي أحمد

مكاوي خيرة

خليفي سعيد

لجنة المناقشة

الجامعة

الرّتبة جامعة وهران 1

أستاذ التعليم العالي جامعة وهران 1

أستاذ التعليم العالي جامعة وهران 1

أستاذ التعليم العالي جامعة مستغانم

أستاذ التعليم العالي جامعة غليزان

أستاذ التعليم العالي الصّفة

رئيسا

مشرفا مقرّرا

مناقشا

مناقشا

مناقشا

السنة الدّراسية:‏‎0202-0202‎


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿

‏ٗا

‏ُّبِين

‏َّك ف ۡ ‏َّت ٗ حا م

‏َّا ل

‏َّت ۡ ‏َّحن

إِن ‏َّا ف

١

َّ ُّ مَّا َّ تَّقَّد مَّ‏ مِن ذَّۢنبِكَّ‏ وَّمَّا تَّأَّخ ‏َّرَّ‏ َّ وَّيُّتِم ۡ نِع مَّتَّهُّۥ ۡ عَّلَّي كَّ‏

لِي ۡ ‏َّغفِرَّ‏ لَّكَّ‏ ٱّلل

‏َّقِيم ٗ ا ٢﴾

‏ُّس ۡ ت

َّ ‏َٰط ٗ ا م

‏َّك َّ صِ‏ ر

‏َّه ۡ دِي

وَّي


إهداء

لأن عائلتي دائما تحاول من أجلي

أعود إليهم اليوم محملة

بنجاحات عظيمة

والدي الكريمين

أخواتي

جدتي في حياة البرزخ

فاطمة زهرة


شكر وعرفان

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه أن وفقني لإتمام هذه الأطروحة

أم ‏َّا وقد اكتملت هذه الأطروحة على ساقها لترى النور،‏ فمن الواجب إزجاء الش ‏ُّكر

إلى من كان لهم الفضل بعد الله في اكتمالها وخلوصها في هذه الصورة

أسجل الش ‏ُّكر الجزيل إلى الأستاذ الدكتور بن سعيد محمد رئيس مشروع الأدب

الجزائري الحديث والمعاصر الذي لم يبخل على البحث بعلم أو جهد.‏

أسجل شكري إلى الأستاذة المشرفة العزوني فتيحة التي رافقت هذه الدراسة منذ أن

كانت فكرة باذلة من وقتها وجهدها فلها خالص الش ‏ُّكر ما حييت.‏

وإلى الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة،‏ أزجي عظيم شكري وامتناني لتفضلهم بقراءة هذه

الأطروحة ونقدها وتوجيه صاحبتها إلى مواطن الوهن والزلل،‏ مؤكدة لهم أن

ملاحظاتهم ستلقى عناية الامتثال.‏

أقدم شكري إلى كل من ساعدني ومد لي يد العون

إليكم جميعا شكري ومحبتي.‏

الباحثة


قبل البدء

‏"وهران أشبه عندي بحور الجنة فتنة وبهاء،‏ أشبه عندي

بحواريي الأنبياء طهرا ونقاء،‏ تقف دوما في الطليعة بصدق

وإخلاص لتقدم التضحية تلو التضحية كي ينجو غيرها،‏ كي

يتطهروا من معاصيهم وذنوبهم،‏ زرت كثيرا من حواضر الدنيا

ونعمت فيها بأكليل المحبة،‏ غير أن وهران تظل في أعماقي عشقي

الأول وحلمي الأخير،‏ ولمرتع الطفولة والفتوة في نفس المرء فعل

السحر يا صديقي"‏

.

جلاوجي عز الد ين ‏"عناق الأفاعي"‏



مقد مة


مقد مة

شكلت موضوعا للنظريات النقدية منذ ظهورها ضمن مشهدية األدب،‏ فقد تسابقت المناهج النقدية

على تطويع أدواتها اإلجرائية للوصول إلى الدالالت الكامنة في تضاعيف هذا الجنس األدبي،‏ وقد أبانت الرواية

علن قدرتها على التجدد وهو ما ضمن لها الصمود واالستمرارية واحتاللها المرتبة األولى في منظومة المقروئية

العالمية.‏

تنافي الكتابة الروائية الممَاثَلة وتشرّع أبوابها على المستثنى عبر مسالك التجريب،‏ نظرا لقابليتها على

تطويع مجمل األشكال الخطابية ضمن نسيجها الذي يتبدّد فيه التاريخ والذاكرة واألسطورة والسير والشعر وغير

ذلك..‏ إنها خطاب يلغي الحدود وينفي التخوم بين حقول الخطابات،‏ لذلك فإن مآخذ التأويل التي تروم

مساءلة أنسقة النص المعرفية،‏ عليها االستجابة لبنيوية التكوين النصي المتجددة،‏ ذلك النص الغائب الذي تنهار

أمامه وثوقية المنهج ومعياريته.‏

لقد أدى تشعب المرجعيات التي خامرت بنيات النّص الروائي إلى تمثّل مطارحات نظرية بنيوية ارتادت

مسالك تخريج النص الروائي.‏ وربما سقطت في االشتغال المكرور.‏ وألننا نتوخى تكريس معالم االختالف

سينعطف بنا الطرح النظري تجاه مأخذ معرفي يمتح من مباحث األنثربولوجيا أبنيته.‏ واألنثروبولوجيا هي فرع من

العلوم اإلنسانية جوهرها اإلنسان،‏ تكرس اهتمامها به،‏ من حيث قيمه الجمالية،‏ والدينية واالجتماعية و

الثقافية..‏ وتنظر إليه باعتباره صانعا للتاريخ.‏ منبتها الجنيني تشابك مع أدب الرحالت،‏ ثم أصبحت رهانات

البحث األنثروبولوجي منصبة حول دراسة العالقة بين البشر والطبيعة على مستويات كثيرة.‏

وانزياحنا صوب هذا الحقل التنظيري يأتي من بابين أولهما:‏ تفعيل البحث األنثربولوجي النقاش حول

األنساق الثقافية التي تتكتم عليها الخطابات ذات الطبيعة المختلفة.‏ ثانيهما ألن مادة هذا الحقل المعرفية

تشكل طفرة هامة في بلورة وتحريك إشكالية الخطابات من وجهة نظر إبيستيمولوجية مغايرة.‏ وعليه سنتقفى ما

توصل إليه مسلك ‏"أنثروبولوجيا األدَّب"‏ ومحدداته المركزية من تمثالت رمزية تدعو إلى موضعة النصوص

األدبية بوصفها أكونا رمزية ضمن مجموع النتاجات المعرفية التي يحاول اإلنسان بواسطتها معرفة ذاته وأنماط

تفاعله مع الطبيعة.‏ و"أنثربولوجيا األدب"‏ هي إجراء يعنى بالشبكة العالئقية التي تنعقد في ضوئها الصلة بين

األدب واألنثربولوجيا.‏ وهي باب معرفي حيوي يؤسس لظهور دراسات نقدية هامة،‏ تنتظر من الدارسين مغامرة

الجمع بين حقلي األنثربولوجيا واألدب.‏

أ


من جهتنا خلصنا إلى المنجز الروائي للكاتب الجزائري عزّ‏ الدين جالوجي كونه يستجيب

مقد مة

من -

منظورنا-‏ للطرح النظري الذي يتأسس عليه البحث ‏،بقدر استجابته للمؤدى اإلجرائي،‏ من قبيل اتصاف كتابات

جالوجي الروائية بمتانة التشابك مع سيرورتها الثقافية وكثافة مرجعياتها المشدودة إلى التاريخ والمنْبَت.‏ لذلك

نتوسم في حضور هذا الكائن النصي النموذج،‏ بناء الدالالت الظاهرة والمضمرة والوقوف على صور تشكلها ،

عبر التساؤل عن هندسة الموروثات الثقافية

-

بمختلف أنماطها-‏ التي يشتغل النص على تذويبها في أنسجته،‏

لتغدو بنية تكوينية فاعلة في تّشكيل بنائه وإنتاج دالالته.‏

ومنعا النفالت البحث،‏ نخصص االشتغال النقدي في ثالثة متون روائية نعرض عناوينها متسلسلة

بحسب تواريخ نشرها : ‏"حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏

)0200(،. ‏"هاء وأسفار عشتار

.)0202 (

"

‏"عناق األفاعي"‏

0200. وهي جميعها صادرة عن دار المنتهى / الجزائر . مع التذكير أن

الروايتين األولى والثانية تنتميان معا إلى ثالثية ‏"األرض والريح".‏ وقد استثنينا رواية ‏"الحب ليال في حضرة

األعور الدّجال"‏ لعدم استجابتها لما نعول عليه في بحثنا.‏

وخلوصنا لهذه األعمال أماله شغف القراءة المنزاح نحو كتابات جالوجي المستفزة لقارئها،‏ والذي يعيد

تشكيل وعيه في حضورها . فهي تعمل على قراءة التاريخ والذاكرة الجمعية المعبأة بالخصوصية الثقافية ذات

المنبت المحلي.‏ والتي هي من المسالك العصية على التحديد.‏ أما الدواعي الموضوعية لهذا االختيار

فيتحدّد في ذلك التوافق بين مبادئ ‏"أنثروبولوجيا األدّب"‏ وهندسة النصوص المنتخبة للمعالجة ، حيث يفيض

عنها المعطى األنثربولوجي من قبيل الخرافات واألساطير والمعتقدات الشعبية ونظم القرابة إلى غيرها من

المرجعيات المنتجة للنص األدبي،‏ و المتضافرة مع أبنيته اللغوية والجمالية والفكرية..‏ وهي المسائل المطروحة

بقوة في حقل دراسة األنثروبولوجيين.‏

صياغتنا إلشكاالت الدراسة لن تحيد عن تصورنا النظري واإلجرائي المتصل بالتوازي بمفاهيم وإجراءات

أنثربولوجيا األدب من جهة و معالم هندسة الموروث الثقافي في سرديات جالوجي من جهة أخرى،‏ بما يهي

لنا اختراق مكنونات الثقافة المتأصلة من عمق التاريخ،‏ من حيث كونُها باعثة على الخصوصية والتميز.‏

واستنطاقها من داخل النصوص المنتخبة للمعالجة.‏ ووفق هذا التحديد ترتسم صيغ المساءالت المركزية والفرعية

على النحو التالي:‏ ماهي التوصيفات الهندسية للموروث الثقافي داخل النصوص الروائية محل الدراسة ؟ وما

ب


مقد مة

هي اآلليات الجمالية المتحكمة في توزع أشكالها التعبيرية؟ ؟ ماهي مرجعيات هذا الموروث؟ وما هي

مقاصده المعرفية والجمالية؟

في ضوء هذا التفريع اإلشكالي يتحدد عنوان البحث على نحو الصيغة الموالية:‏

حين أردنا

هندسة الموروث الثقافي في روايات عز الدّين جالوجي ‏-مقاربة أنثروبولوجية-‏

معالجة

الموضوع حملنا البحث فيه إلى تقسيم األطروحة إلى مدخل وثالثة فصول أولها

نظري.‏ وأما الثاني والثالث فإجرائيان.‏ ونعرض تشجيره في:‏

المدخل الذي عنوناه:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا وقفنا من خالله على حجج مستندين

في ذلك إلى سيرة األنثروبولوجيا

إجرائيا مفعال في حقل العلوم االجتماعية.‏

الجنينية مرورا عبر مراحل التأسيس إلى حين تشكلها علما قائما بذاته ومنهجا

الفصل األول الذي وسمناه:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية:‏ من أهم محاوره:‏

حدود مصطلح األنثروبولوجيا وفروعها:‏

وفيه حددنا

والفروع التي انبثقت عنها ومجال اختصاص كل فرع.‏

المفهوم االصطالحي واالجرائي لألنثروبولوجيا

عالقة األنثروبولوجيا بالسرد الروائي:‏ وهنا وقفنا على الروابط المعرفية بين األنثروبولوجيا والسرد الروائي.‏

الجمالية األدبية للمعطى األنثروبولوجي في السرد الروائي:‏ تطرقنا إلى الخصائص الجمالية للمعطى

األنثروبولوجي عند اختراقه النسيج الروائي.‏

آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية:‏

التي سيتم االستناد إلى مخرجاتها في الفصليين اإلجرائيين.‏

وعرضنا ضمنه المفاهيم واآلليات اإلجرائية ألنثروبولوجيا األدب

.0

.0

.3

.4

الفصل الثاني حدد في:‏ أنثروبولوجيا التّأصيل والهوية في رواية ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏ وفيه صرفنا

البحث صوب النصوص الروائية،‏ للكشف عن مظاهر الهوية والتأصيل الثقافين المشكالن لبنية هذه الرواية.‏

وقد جاء مقسما إلى ثالثة مباحث.‏

األبعاد األنثروبولوجية لنظم القرابة في رواية ‏"حوبه":‏ وفيه رصدنا األبعاد الثقافية المؤطرة لنظم الثقافة

في المجتمع الروائي وتأويل تلك األبعاد في ضوء اآلليات األنثروبولوجية.‏

.0

ت


مقد مة

الدَّالالت األنثروبولوجية للبيئة المحلية في رواية ‏"حوبه":‏ تجلى مسعانا النقدي في الكشف عن

الدالالت األنثروبولوجية للمكان القروي ومختلف المظاهر المتعلقة به.‏

الدَّالالت الحضارية للمدينة في رواية ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏ قمنا بتقصي الدالالت الحضارية

للمدينة الجزائرية.‏

.0

.3

الفصل الثالث الموسوم:‏ هندسة المخيال الشّعبي في رواية ‏"حوبه"‏

وخصصناه لمقاربة مختلف أنماط المخيال الشعبي من خالل:‏

و"عناق األفاعي"‏

و"هاء وأسفار عشتار"‏

أنثروبولوجيا الولي في المخيال الشّعبي في رواية ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏ وفيه وقفنا على

استنطاق الدالالت األنثروثقافية للطقوس التي مارستها الشخصيات اتجاه ‏"الولي".‏

أنثروبولوجيا السّحر في روايتي ‏"حوبه"‏ و"‏ هاء وأسفار عشتار":‏ وطقوسه وأدواته،‏ والدالالت

األنثروثقافية والسيكولوجية لهذه الطقوس.‏

أنثروبولوجيا األسطورة في ‏"هاء وأسفار عشتار":‏ ثم أخذنا في مقاربة الد الالت الفكرية المتمركزة في

رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏ من خالل توظيفها لبنية األسطورة.‏

.0

.0

.3

وقد ختمنا البحث بخاتمة تضمنت النتائج المتوصل إليها،‏ وقد ذيلناه بملحق خصصناه للتعريف بأهم رواد

األنثروبولوجيا الذين وردوا في البحث.‏

ينبثق طموح هذا البحث من محاولة االنفتاح على األسئلة المعرفية والمرجعيات الثقافية للن ص الروائي

وإعادة تكييف البنيات السردية في أفق ثقافي،‏ وذلك بالبحث في المرجعيات الثقافية المحددة لدينامية السرد،‏

وقوتها الترميزية في تشفير العالم الواقعي واستنطاق التمثيل السردي.‏ فقد انطلقنا من التصور الثقافي لمفهوم

السرد الذي يرى في المعرفة شرطا ضروريا في الصياغة التخيلية للذات والعالم،‏ تحاك ضمنها استراتيجيات

التمثيل السردي.‏

ومن أهداف هذا البحث تقديم نموذج قرائي نظري وإجرائي ‏"ألنثروبولوجيا األدب"‏ لتوصيف الموروثات

الثقافية في سرديات جالوجي في ضوء ما انتخبناه من نصوص لمسنا طواعيتها لألرضية النظرية المشيّدة

ث


مقد مة

للبحث.‏ وضبط التقاطعات للكشف عن المعطيات المحلية التي اشتغل عليها السرد في الروايات المختارة،‏ مع

مراعاة الخصوصية الثقافية واللغوية والحضارية للنصوص.‏

في هذا المقام من المستحسن التذكير بقلة الدراسات المنشغلة بالتأليف بين مدخل ‏"أنثربولوجيا األدب"‏

و"حقل األدب".‏ وما وقعنا عليه ال يطاول أفقنا.‏ مما هيأنا لالجتهاد والمثابرة لتحقيق الغايات والمقاصد.‏ ومما

أمكننا االطالع عليه نذكر:‏

مزاري عبد القادر،‏ رواية الجازية والدراويش في ضوء المقاربة األنثروبولوجية،‏ أطروحة دكتوراه

علوم،‏ بحث مخطوط،‏ إشراف:‏ حبيب مونسي،‏ نوقشت بجامعة سيدي بلعباس،‏ سنة

.0200

تتلخص أهم أطروحاتها النظرية في عرض مفهوم األنثروبولوجيا وفروعها،‏ و المفهوم النظري للنقد

األسطوري،‏ مع عرض جهود كلود ليفي ستراوس ونوثرب فراي وبروب في دراسة األساطير.‏ أما

الجانب التطبيقي فقد استغرق فصال واحدا فقط صرفه الباحث لمقاربة رواية " الجازية والدراويش".‏

بوخناف لبنى،‏ تجليات األنثروبولوجيا في روايات إبراهيم الكوني،‏ أطروحة دكتوراه ل م د،‏ بحث

مخطوط،‏ إشراف:‏ وردة معلم،‏ نوقشت بجامعة قالمة،‏ سنة 0202. في هذه األطروحة عرضت

الباحثة لمفهوم األنثروبولوجيا وفروعها،‏ وآليات أنثروبولوجيا األدب معتمدة في ذلك على دراسة عياد

أبالل.‏ قدمت الباحثة أطروحة إجرائية حيث خصصت خمسة فصول للجانب التطبيقي.‏

-

-

يحرص

مما الحظناه على البحثين قصور األول في الجانب التطبيقي وضعف الثاني في الجانب النظري،‏ لذلك

بحثنا حرصا شديدا على خلق التوازي وتشييده بين الجانبين التنظيري واإلجرائي،‏ من خالل ردم

الفراغات البانية لمثل هذه

البحوث.‏

األنثروبولوجي الروائي،‏ ثم اسناد المقاربة التطبيقية بمداخل البحث

والتركيز ابتداء على الوشائج االبستمولوجية القائمة بين الخطابين

تشكل األنساق الثقافية وإجالء مقاصدها الفنية في للنّصوص الروائية المختبرة.‏

وقد اتكأت في إنجاز أطروحتي على مراجع أساسية شكلت بوصلة البحث:‏ أهمها

األنثروبولوجي بهدف الكشف عن كيفية

عياد أبالل،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ دراسة في السرد العربي،‏ دار روافد،‏ القاهرة،‏ 0200.

Jean Pierre Gerfaud ; Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au Pluriel (Enjeux

Et Méthode D’une Lecture Anthropologique ; De Boeck& Larcier 2004 ;

Bruxelles.

ج


مقد مة

منهجنا النقدي يستمد مفاهيمه وأدواته اإلجرائية من مبحث ‏"أنثربولوجيا األدب ‏"ويتأسس هذا المبحث

في تطوير أدواته على حقول سابقة على سبيل المثاقفة المنهجية ، من ذلك استناده إلى المقاربة االجتماعية

والمقاربة النفسية والنقد األسطوري والنقد الحواري.‏

والمفاهيم تبعا لإلشكال المصاغ وتبعا آللية المعالجة.‏

مما ساقنا أثناء االشتغال النقدي إلى تمثل بعض األدوات

كما

استندنا بقدر إلى

المنهج التاريخي وذلك لدى

عرض السيرورة التاريخية للمنهج األنثروبولوجي.‏ واستعنا أيضا بالمنهج المقارن في المقارنة بين مخرجات

‏"الكتابة األنثروبولوجية"‏ و"الكتابة الروائية"‏ للكشف عن التقطعات بين نمط الكتابتين.‏ ويحضر علم السرديات

في بحثنا بشكل تستوجبه الدراسة السيما ماتعلق منها بالمنظورات السردية والسياقات المشهدية للحدث

الروائي.‏ وعليه لم يقتصر عملنا على منهج واحد بل عددنا المسالك المنهجية بحسب مقتضى الحال،‏

استحواذ مبحث"‏ أنثربولوجيا األدب"‏ على المركزية المنهجية

ونقر بالصعوبات التي واجهتنا

في

مع

مسارنا البحثي،‏ أهمها صعوبة اإلحاطة بتاريخ األنثروبولوجيا ومبادئها،‏

فاألنثربولوجيا تخصص ينماز بتعدد مرجعياته وتفرع محاضنه الجغرافية ( مدارس أمريكية / مدارس أوربية(‏ . كما

ينماز بالتداخل النظري والمعرفي،‏ إلى جانب فوضى المصطلحات والمفاهيم ، نتيجة تعدد التخصصات المعرفية

المكونة لألنثربولوجيا مثل ‏:علم األحياء والفلسفة والكيمياء وغيرها.‏ ضف إلى ذلك

النظرية واإلجرائية

ألنثروبولوجيا األدب

إذ ماتزال في سياق التكوين والتبلور

عدم االكتمال المسالك

مما قد يؤثر على مساعي القراءة.‏

ونسوق في هذا السياق مشكلة ندرة الدراسات األكاديمية العربية الناضجة التي كان يمكنها تدعيم مناحي

المقاربة.‏

أقدمت على هذا البحث وأنا على وعي تام بتشعبه ووعورة مساراته،‏ لكن ذلك قوّى إصراري على إخراجه

المخرج الالئق.‏ فجميع تلك المثبطات التي سردناها تحولت إلى حوافز قوية وطدت عالقتي بالبحث و قادتني

نحو العمل الحثيث،‏ الذي سعينا

جديد يزاوج بينها وبين أنثربولوجيا األدب

يتدرج

من ورائه فتح أفق مغاير في حقل الدراسات و قراءة الرواية الجزائرية من منظور

تلك إذن مراحل عملنا نسوقها منتظمة منسجمة مع الغاية التي يصبو إليها البحث حيث توخينا مسارا

من المفهوم والوظيفة والمجال إلى النص الروائي،‏ ومن التنظير إلى التطبيق.‏

يدين هذا البحث بالشيء الكثير لألستاذة المشرفة ‏"العزوني فتيحة"‏ التي تعلمت منها أبجديات وأصول

الكتابة العلمية الرصينة،‏ فقد تتبعت وشاركت في خطوات إنجازه مبدية اهتماما بالموضوع مما دفعني إلى

ح


مقد مة

البحث والتقصي مسترشدة بتوجيهاتها السديدة،‏ جعلتني روحها السمحة أشعر بأني برفقة األستاذة والصديقة

فلها مني كامل الشكر والتقدير.‏

والحمد لله حمدا كثيرا طيبا ملء السماوات واألرض.‏

الطالبة:‏ بلقرون فاطمة زهرة

سيدي بلعباس ‎0202/11/20‎م

خ


مدخل

قراءة في المسار التاريخي

لألنثروبولوجيا


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

تمهيد

تأتي المناهج كحصيلة لتراكمات وتفاعالت ثقافية وأنساق معرفية وفلسفات نظرية،‏ تتجاوب مع بعضها

ضمن شروط تاريخية معينة تطبع

خلفياته واستيعاب أطره.‏

غير أن

تأسيس

هذه

النظرية.‏ وال يمكن التعاطي مع أي منهج

يسيرة دائما ليست الحفرية

الذي يسبغ الفلسفات المتعاقبة ضمن مسيرة تاريخية متداخلة ومعقدة.‏

تلك هي الصعوبات التي يواجهها الباحث عند

إجرائيا،‏

دون الوقوف على

نظرا لتشعب المرجعيات وغموضها والتعقيد

أجرأته للمنهج األنثروبولوجي،‏

الستناد الفكر

اإلبستمولوجي لألنثروبولوجيا إلى مرجعيات متشابكة،‏ فلسفية وأيديولوجية واجتماعية وتاريخية،‏ أي تراكمات

فكرية أسهمت في تأطير الفكرة األمّ:‏ ‏)أصل االنسان(،‏ والتي عليها يتأسس المنهج األنثروبولوجي.‏

ينبغي التّنويه بأنه من الصّعب على أي دارس أن يحظى بالمرجعيات الفلسفية للفكر األنثروبولوجي،‏ نظرا

لصعوبة وتعقيد الفكر الفلسفي األنثروبولوجي،‏ وتدَاخل وتَشعب المرجعيات وارتباطها بعدة عُلوم إنسانية

وتجريبية في التّأسيس الن ظري لعلم األنثروبولوجيا،‏ فضال عن طبيعة المرجعية العلمية لمؤسسيي هذا الفرع العلمي

التي تَنحو من علوم الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا وغيرها.‏

وتأسيسا على هذه الرؤية يحاول هذا المدخل الوقوف على الفكر األنثروبولوجي،‏ ثم سياقات التأسيس

للنظرية األنثروبولوجية،‏

المنهج

األنثروبولوجي

الفكرية والمنهجية لعلم األنثروبولوجيا.‏

وجهود العلماء والمنظرين في

وضع قوانين العلم األنثروبولوجي.‏ ثم

نخلص إلى أَد وات

من خالل عرض أهم المقوالت الفكرية التي كان لها األثر الكبير على مجريات األُطر

2


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

المعارف ذات الصبغة األنثروبولوجية:‏

1.1

المعارف ذات الصبغة األنثروبولوجية في الرحلة الغربية:‏

.1

ظهرت مفاهيم قديمة ذات صبغة أنثروبولوجية في كتابات الرّحالة.‏ فالرحلة هي وسيلة اتصال الشعوب

قديما،‏ وأحد أكثر الطرق نجاعة في المساهمة في نجاح االحتكاكات الثقافية.‏ ولعل الرّحلة التي قام بها

المصريون القدماء ( 1202 ق.م(،‏ إلى بالد ‏"بون"‏ الصومال حاليا بهدف التجارة تعد أقدم الرحالت التاريخية 1

في التعارف بين الشعوب . 2

وقد عَرف التاريخ رحالة إغريقي وهو هيرودوتس

204( Herodotus

‏-‏‎282‎ق.م(‏ وهو"‏ أوّل من

جمع معلومات وصفية دقيقة عن عدد كبير من الشعوب غير األوروبية،‏ حيث تناول بالتفصيل تقاليدهم

فعن المصريين القدماء يقول"‏ إنه في غير المصريين

وعاداتهم،‏ ومالمحهم الجسمية وأصولهم الجسمانيّة."‏ 3

يطلق كهنة االَلهة شعورهم،‏ أما في مصر فيحلقونها،‏ ويقضي العرف عند سائر الشعوب أن يحلق أقارب

المصاب شعورهم أثناء الحداد،‏ لكن المصريين إذا نزلت بساحتهم محنة الموت،‏ فإنهم يطلقون شعر الرأس

واللّحية.‏ " 4

السمات الثقافية لديها.‏

مثلُ‏ هذه المالحظات الخالفية هي التي ارتكز عليها هيرودوتس للمقارنة بين الشعوب في نقل

2

يُنظر:‏ الشماس ‏)عيسى(،‏ تاريخ االنثروبولوجيا،‏ دراسة،‏

ص

الشماس ‏)عيسى(،‏ تاريخ االنثروبولوجيا،‏ ص‎02‎‏.‏

م س،‏ ص‎02‎‏.‏

‏)د.ط(،‏ إتحاد كتاب العرب،‏ ‏)دت(،‏

‏)د.ب(،‏

.02

3

4

3


فسُق

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

وفي الحضارة اليونانية نجد أن أرسطو

Aristot

‏)‏‎282-200‎ق.م(‏ ‏"يُنسب إليه أيضا توجيه الفكر

نحو وصف وتحليل نشأة الحكومات وأشكالها وأفضلها"‏ . 1 وهي مساهمة مبكرة وهامة في حقل دراسة النظم

االجتماعية.‏ أمّا في الحضارة الرومانية والتي عُرف أهلها بولعهم بالعلم والبحث في مختلف ميادينه،‏ فوجدنا

تاسيتوس

publius cornelius tacitus

‏)‏‎120-55‎ق.م(‏ في كتابه جرمانيا قد ‏"وصف أخالق

وعادات القبائل الجرمانية وبيئتهم الجغرافية.‏ وقد الحظ بإعجاب أنه ال أحد في ألمانيا يجد الرذيلة أمرا ممتعا

وهنا قد وصف العادات اإليجابية ألحد القبائل

أو يسميها شيئا عصريا في أن يفسق أحدا أو يُفسق به."‏ 2

الغريبة عنه.‏ وهي كتابات مبكرة أفادت البحث األنثروبولوجي الحقا.‏

أمّا خالل مرحلة العصور الوسطى ظهر للنور األ

ايزيدور اإلشبيلي ‎462(Isidoreم ‏-‏‎626‎م(‏

الذي كان قد أعدّ‏ موسوعة عن المعرفة في القرن السابع ميالدي،‏ وأشار فيها إلى بعض تقاليد الشعوب المجاورة

للمجتمع األوروبي ونظرة استهجان واحتقار لتلك

وعاداتهم،‏ ولكن بطريقة عفوية تتصف بالسطحية والتحيز 3

الشعوب.‏

الهدف من هذه الكتابات معرفة اآلخر المختلف والتعريف به لدى شعوبهم.‏ ولم تكن الغاية االقتراب من

أنماط حياة الشعوب األخرى أو البحث في أصولها أو حتى إجراء دراسة مقارنة بينها وبين مجتمعات أخرى،‏

فهذه الكتابات كانت مجرد جزء من المذكرات اليومية للرحالة،‏ ولم يكونوا انتقائيين،‏ فقد دونوا كلما وقعت عليه

أعينهم لهذا جاءت مؤلفاتهم موسوعية وذات أحجام كبيرة.‏

1

فهيم ‏)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا فصول في تاريخ علم اإلنسان،‏ ‏)د.ط(،‏ الكويت،‏ عالم المعرفة،‏

‏)دت(،‏ ص‎73‎‏.‏

2

م س،‏ ص‎73‎‏.‏

: 3 يُنظر،‏ م س،‏ ص‎20‎‏.‏

4


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

0.1 المعارف ذات الصّبغة األنثروبولوجية المدونات الرحلية العربية:‏

أو

تعلق

تحتضن المدونة

الّرحلية

بتنوع محتوياتها وثراء مضامينها صورة شاملة عن الفضاءات الجغرافية

المزارة

. ومن ذلك نجد رحلة أحمد بن فضالن ‏)ت ‎220‎ه(‏ وما ذكره من مشاهدات ومالحظات،‏ منها ما

ببالد الصقالبة كقوله في موضع من رحلته:‏

‏"وما رأيت أكثر من الصّواعق في بلدهم.‏ وإذا وقعت

الصاعقة على بيت،‏ لم يقربوه ويتركونه على حالته وجميع من فيه من رجل ومال وغير ذلك حتى يتلفه الزمان

ويقولون هذا بيت مغضوب عليهم."‏ 1 وهذه إحدى عادات أهل هذه البالد.‏

الباشغرد

ذكر معتقداتهم الدينية في إيمانهم بالله.‏

يقول:‏

وفي معرض رحلته مرّ‏ بمدينة

" رأينا طائفة منهم تعبد الحيّات،‏ وطائفة تعبد

السّمك...‏ فعرفوني أنهم كانوا يحاربون قوما،‏ من أعدائهم فهزموهم وأنّ‏ الكراكي صاحت من ورائهم ففزعوا

وانهزموا،‏ بعدما هُزموا

عبدّو الكراكي لذلك،‏ وقالوا هذه ربنا،‏ هذه فاعالته هزم

أعداءنا."‏ 2

يزدحم بذكر المعتقدات لدى الشعوب ما يجعله أخصب الحقول للمقاربة األنثروبولوجية الثقافية.‏

فالنّص الّر حلي

وصف أبو الريحان البيروني ‏)ت‎222‎ه(‏ من خالل مصنفه ‏"تحرير ما للهند من مقولة مقبولة في العقل

مرذولة"‏ 3

المجتمع الهندي من ‏"ناحية نظمه الدينية واالجتماعيّة،‏ وأنماطه الثقافية.‏ كما اهتم أيضا بمقارنة

تلك النظم والسلوكيات الثقافية بمثيالتها عند اليونان والعرب والفرس."‏ 4

كلّ‏ مناحي الحياة في الهند من نظام ديني وثقافي ، كما اشتغل على

وقد شمل المصنف معطيات

مقارنتها بالبالد

قيّ‏ مة عن

واجتماعي

المجاورة

: 1 ابن فضالن ‏)أحمد(،‏ رسالة ابن فضالن في وصف الرحلة إلى بالد الترك والخزر والروس والصقالبة،‏

تح الدّهان ‏)سامي(،‏ ‏)د.ط(،‏ بدمشق،‏ المجمع العلمي،‏ ‏)د.ت(،‏ ص‎270‎‏.‏

: قوم من األتراك.‏

2

ابن فضالن ‏)أحمد(،‏ رسالة ابن فضالن في وصف الرحلة إلى بالد الترك والخزر والروس والصقالبة،‏

ص

يُعد"‏ هذا الكتاب من أهم ما كتب البيروني حول األديان المقارنة ‏...بل لعله يكون أدق وأفضل كتاب

متخصص في ديانات الهند في التراث اإلسالمي...وقد كتبه البيروني لتصحيح معلومات وتصورات

المسلمين الخاطئة حول ديانة البراهمة ومعتقداتهم وأساطيرهم"‏ وقد شمل المصنف معلومات قيمة عن

المجتمع الهندي قسمها على ثمانين فصال،‏ بن سكا)عمر(،‏ نقد األديان عند أبي الريحان البيروني،‏ ‏)د.ط(،‏

بيروت،‏ لبنان،‏ مركز نماء للبحوث والدراسات،‏

: 4 م س،‏ ص‎25‎‏.‏

0202، ص‎252‎‏.‏

.221

3

5


ت)‏

كاليونان والعرب والفرس.‏

وهي محاولة جادّة ومبكرة

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

في انتهاج المنهج المقارن في ميدان الدراسات الوصفية

للشعوب الذي سيتبلور الحقا على يد أنثروبولوجيين غربيين.‏ تتبع المسار التاريخي وترتيب الزمني

أبان البيروني في هذا المؤلف الرّحلي عن"‏ أسلوب موضوعي غير منحاز،‏ وللقيام بذلك راقب حياة الناس

وتعلم لغتهم ودرس نصوصهم"‏ 1 هذه االستراتيجيات التي تأسست عليها الدراسة األنثرولوجية الميدانية الحقا،‏

لدى اهتمام األنثروبولوجيون بتعلم لغة الشعوب محل الدراسة وأقام معهم،‏ وقد أدرك األنثروبولوجيون الحقا أهمية

الموضوعية في البحث األنثروبولوجي.‏

األنثروبولوجي الغربي فيما بعد.‏

‎1411‎م(‏

ولعل أهم سمات التأليف خالل

التآليف

من منظورنا هناك تقاطع بين ما توصل إليه البيروني ونتائج البحث

المماليك عصر

الموافق ‏)‏‎628‎ه

الموسوعية في جميع الميادين منها المعاجم الجغرافية:‏

ل الموافق ‎002‎ه إلى ‎1042‎م ل

معجم البلدان لياقوت الحموي

‏)ت‎606‎ه(‏ ومسالك األبصار البن فضل الله العمري ‏)ت‎120‎ه(‏ ونهاية اإلرب في فنون األدب للنويري

‎122‎ه(،‏ 2 وهي المصادر التي جمعت معلومات وصفية شملت جل مجاالت حياة الشعوب من معتقدات،‏

وعادات وتقاليد،‏ وسيّر ذاتية للعلماء والخلفاء،‏ وأوصاف جغرافية للبلدان

0. بوادر الفكر األنثروبولوجي في عصر النّهضة الغربية:‏

خرجت أوروبا من العصور المظلمة إلى عصر النهضة،‏ وهو العصر الذي سُمي بعصر ‏"الكشوفات

الجغرافية"،‏ لكثرة الرحالت الجغرافية التي أدت إلى اكتشاف عوالم جديدة وشعوب أخرى تختلف عن الشعوب

األوروبية.‏ فخالل القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميالديين قام الرحالة اإليطالي ماركو بولو

Marco

polo

‏)‏‎1042‎م ‏-‏‎1202‎م(‏ برحلة إلى الصين وأجزاء من اَسيا دامت أكثر من عشرين سنة.‏

1 كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ تر:‏ بدوي ‏)محمد(،‏ ‏)د.ط(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ المنظمة العربية للترجمة،‏

0222، ص‎00‎‏.‏

: 2 ينظر،‏ الشماس ‏)حسن(‏ تاريخ الفكر األنثروبولوجي،‏ ص‎05‎‏.‏

6


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

نقل إلينا مالحظاته عن عادات هذه الشعوب،‏ ومن ضمن المعارف التي نقلها ما شاهده عن بيوت

شعب التتار،‏ يقول:‏

‏"بيوتهم دائرية مصنوعة من الخشب وتغطى باللباد الذي ينقلونه

معهم على عربات ذات

أربع عجالت أينما ذهبوا والهيكل مشيد من قضبان بمهارة وأناقة فائقة حتى يسهل حمله لخفة وزنه..."‏ . 1

عموما قّدمت هذه الرحلة توصيفات مهمّة ومعطيات قيمة وجادة عن أحد أغرب شعوب العالم وأكثرهم انغالقا

على نفسه.‏

الرحالت أهّم أمّا

كريستوف كولومبوس

‏)‏‎1200‎م-‏‎1422‎م(‏

ونقل القارة.‏

االستكشافية التي أثرت في

Christophe Colombus

‏"علم

األنثروبولوجيا"‏ الحقا،‏

‏)‏‎1241‎م-‏‎1426‎م(‏

حيث زخرت مذكراته،‏ بالكثير من المعلومات والمعارف عن

إلينا صورا عن عاداتها وتقاليدها.‏ 2

هي تلك التي قام

بها

إلى القارة األمريكية ما بين

شعوب هذه حياة أساليب

نجد أيضا جون جاك روسو في كتابه العقد االجتماعي الذي

تميز بخاصية أنثروبولوجية وهي التخلص من التحيز الثقافي واستطاع أن ينقد القيم السائدة في

مجتمعه/الفرنسي . 3

إميل أظهر

émile

دوركايم Durkheim

‏)‏‎1848‎م-‏‎1011‎م(‏ اهتماما في المرحلة األخيرة من حياته

الفكرية بموضوعات ذات طبيعة أنثروبولوجية كالدين واألنساق الرمزية والتصورات الجمعية،‏ وأبدى رغبة في معرفة

تأثير البنى االجتماعية وأنظمتها على القيم والدين مظهرا أهمية الدين في المجتمعات البدائية التقليدية،‏ ومن

جهة أخرى شكل المفهومان:‏ المقدس

البدائية"‏

(Holey(

والدنيوي(‏Profen‏)‏

في كتابه

‏"األنماط األولية للحياة

محور الكتاب وقد استقى معطيات بناء هذه المفاهيم من اطالعه على نتاج األنثروبولجيين البريطانييين

وعلى رأسهم جيمس فريزر 4

: 1 بيرتي جي)‏ بيلتو(،‏ دراسة االنثروبولوجيا التاريخ والمفهوم،‏ ص‎77‎‏.‏

بيرتي جي ( بيلتو(،‏ دراسة االنثروبولوجيا التاريخ والمفهوم،‏ ص‎02‎‏.‏

3 ينظر فهيم ‏)حسين(،‏ قصة علم األنثروبولوجيا،‏ ص‎33‎‏.‏

ينظر:‏ عبد الله عبد الرحمن يتيم،‏ إميل دوركايم ملمح من حياته وفكره األنثروبولوجي،‏ مجلةَ‏ اضافات

العدد:‏ 05، شتاء 0222، كلية اآلداب،‏ قسم العلوم االجتماعية،‏ جامعة البحرين،‏ ص‎72‎‏.‏

: 2 ينظر،‏

4

7


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

2. نحو تأسيس دعائم النظرية األنثروبولوجية

تميزت فترة أواخر القرن الثامن عشر وإلى أواسط القرن التاسع عشر بكثرة الكتابات الوصفية التي كان

يرسلها الرحالة والمبشرون.‏ وقام غير األنثروبولوجيون بتمحيص هذه المعلومات من أمثال:‏ أدم فيرغسيون

‎1122(Adamم-‏‎1814‎م(،‏ Ferguson

روبرتسون

وديفيد هيوم

David Hume

سميثSmith William Roberston

‏)‏‎1111‎م-‏‎1116‎م(،‏ ووليم

‏)‏‎1826‎م-‏‎1802‎م(،إضافة إلى إسهامات الرواد في

التأسيس لألنثروبولوجيا المبكرة:‏ مثل إدوارد تايلور ‎1820(Edwardم-‏‎1011‎م(‏ Taylor في كتابه الثقافة

البدائية

،(The primitive culture)

جيمس فريزر

‎1842(Jamesم George Frazer -

‎1021‎م(‏ في كتابه الغصن الذهبي لكنهم لم يمارسوا االنثروبولوجيا بالمهنية العلمية الالزمة،‏ إذ لم تتعدى هذه

الممارسات األنثروبولوجية أسوار الجامعات البريطانية،‏ وطغت موضوعات السحر والقرابة و الدين والتقاليد على

اهتماماتهم.‏ 1

فنجد مثال كتاب الغصن الذهبي ‏"جزء كبير من مادته قد جاءه من خالل ما كتبه مالحظون

التي

بلغات أوروبية...إن ما يحتاجه فريز هو أال يعرف رتابة العمل الميداني...وهو يظل قارئا لقصص الرحالة"‏ 2

من خاللها استطاع تدوين جزء كبير من المادة المعرفية في مؤلفه المذكور سابقا،‏ فلم يتكبد فريزر عناء العمل

الميداني وإنما اتكأ على الكتابات الرحلة وكتابات المبشرين فقد كان فريزر في جميع أبحاثه محدوداً‏ بالكتب،‏

معتمداً‏ على معلومات مستقاة من أعمال اآلخرين ال على العمل الميداني أو المالحظة المباشرة 3

ومن هذا المنطلق تكرست الحاجة إلى استحداث األدوات المنهجية في جمع المعلومات،‏ مما حذى

بتايلور إلى إنشاء لجنة مراجعة سنة ‎1882‎م للتدقيق في نشر التقارير عن الوضع االجتماعي واالقتصادي لقبيلة

دومينون في شمال غرب كندا.‏ وقد بادرت اللجنة إلى جمع المعلومات من قبل الموظفين الحكوميين

والمبشرين والرحالة ممن تكون لهم معلومات مفيدة وموثوقة.‏

1

ينظر،‏ عبد الله عبد الرحمن يتيم،‏ إميل دوركايم ملمح من حياته وفكره األنثروبولوجي،‏ ص‎30‎‏.‏

2 روبرت فريزر،‏ سير جيمس فريزر والخيال األدبي مقاالت في التأثير والتأثر،‏ تر أحمد صديق الواحي،‏

مراجعة رمسيس عوض،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ المركز القومي للترجمة،‏

روبرت فريزر،‏ سير جيمس فريزر والخيال األدبي مقاالت في التأثير والتأثر،‏ ص‎277‎‏.‏

0221، ص‎222‎‏.‏

3 ينظر،‏

8


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

ومن نتائج أبحاث جيل تايلور من األنثروبولوجيين نتيجتين مهمتين:‏ ‏"أوال توثيق وألول مرة التنوع الرائع

للعادات والمؤسسات التي مارستها مجموعات من البشر في القرن التاسع عشر...تطوير مصطلحات وصفية

لبعض أجزاء هذا التنوع...مثل الزواج االغترابي

(exogamy)

والنسب األمومي

"(matriling) 1 تمخضت

عن أبحاث هؤالء األنثروبولوجيون نتائج مهمة منها العناية بتدوين الممارسات االجتماعية لمجموعات بشرية

وثانيا صك مصطلحات جديدة مازالت متداولة في البحث األنثروبولوجي إلى يومنا هذا.‏

دي مونتاني

من أهم الش خصيات التي قدمت إسهامات في التأسيس للبحث المنهجي األنثروبولوجي نجد ميشيل

‎1422(Michelم-‏‎1400‎م(‏ de Montaigne

لكنه لم يكن مدرك للمفاهيم،‏ إذ لم تكن قد

تبلورت بعدُ‏ في ذهنه.‏ وتمثل إسهامه في إجراء مقابالت مع السكان األصليين الذين أحضروا إلى أوروبا،‏ حيث

وهي

‏"استخدمهم كإخباريين،‏ أي أنه جمع منهم معلومات عن العادات والتقاليد السائدة في موطنهم األصلي."‏ 2

خطوة منهجية تنبه إليها من جاء من بعده.‏ أي الستعانة بالسكان األصلين لمعرفة عاداتهم.‏ كما طرح مونتاني

فكرة أخرى كان لها تأثيرها في التأسيس النظري لألنثروبولوجيا وهي النسبية األخالقية فلكل الشعوب منطلقات

أخالقية خاصة بها.‏

ومن المساهمات المميزة لهذه الفترة نجد كتاب ‏"روح القوانين"‏ لشارل لويس مونتسكيو

‎1680(Charlesم-‏‎1144‎م(‏ Louis Montesquieu

وفيه بيّن عالقة القوانين بالمبادئ التي تكوّن الروح

وهي نظرية مبكرة لفكرة

العامة للمجتمع.‏ وتتكون هذه الروح ‏"من تعادل العوامل الطبيعية والثقافة التي تكتنفه"‏ 3

العقل الجمعي التي يقول بها علماء االجتماع المتأخرين.‏ وتبرز أهمية هذا الكتاب من الناحية األنثروبولوجية في

إبراز الترابط بين مختلف وظائف كل مؤسسة اجتماعية،‏ بين القوانين والعادات والبيئة.‏ فقد تنبه مونتسكيو إلى

أهمية الوظيفة لكل جهاز في النظام االجتماعي وبفعل التساند الوظيفي تتم عملية بناء النظم االجتماعية

ونجاحها في تكوين وترابط المجتمعات.‏

1 فريدريك ‏)بارث(‏ وآخرون،‏ حقل علمي وأربع مدارس أنثروبولوجية،‏ تر:‏ قادر أحمد ‏)أبو بكر(‏ والوكيلي

‏)إيمان(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ قطر،‏ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات،‏

فهيم)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص

3 ينظر،فهيم)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎32‎‏.‏

0223، ص‎05‎‏.‏

.37

2

9


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

كانت هذه المنطلقات الفكرية واألصول النظرية لألنثروبولوجيا في عصر النهضة.‏ وما يوطد الصلة بين

هذه المنطلقات والفكر النظري الفعلي الذي تطور في القرنين الثامن والتاسع عشر هي أعمال الفالسفة

األسكتلنديين من أمثال

لورد كيمس Lord Kames

‏)‏‎1660‎م-‏‎1180‎م(‏ وآدم فيرجسن اللذان توصال إلى

ضرورة استخدام المنهج التجريبي في الدراسات االجتماعية للمجتمعات اإلنسانية.‏ يقضي هذا المنهج باستخدام

األسلوب االستقرائي الذي استخدم من طرفهما في استقراء التاريخ البشري.‏

من خالل هذه األبحاث تمكن كل من لورد كيمس وآدم فيرجسن من التوصل إلى أن كل المجتمعات

مرت بصورة تدريجية إلى الكمال من شعوب بدائية إلى شعوب متحضرة،‏ والمجتمع األوروبي هو اآلخر مرّ‏ بهذه

التراتبية.‏ عموما تعد هذه الدراسات بمثابة ‏"األصول النظرية لألنثروبولوجية في عصر االستنارة ومابعدها."‏ 1 ومن

منطلقاتها تمّ‏ التأسيس الفعلي للبحث النظري األنثروبولوجي.‏

ما نستنتجه من خالل الجهود البحثية في هذه الفترة هو االهتمام بالجوانب الثقافية واالجتماعية

للمجتمعات الجديدة المكتشفة،‏ وإسهامات ‏"االستكشافات الجغرافية جنبا إلى جنب مع االتجاه العلمي

‏...في تشكيل منطلقات الفكر االجتماعي النظري...‏ األمر الذي أدى بصورة تدريجية إلى بلورة البدايات

فقد تطَعمت التقارير والمذكرات التي كتبها الر حالة بالدراسة المنهجية العلمية،‏ وهو ما

النظرية لألنثروبولوجيا".‏ 2

ساعد على بلورة األسُس الن ظرية لألنثروبولوجيا.‏ لذلك ستشهد المرحلة القادمة أسس علمية واضحة تضع قوانين

‏"علم األنثروبولوجيا"‏ ضمن أطر أكاديمية رصينة لها مكانتها في البحث العلمي.‏ كما أنها ستساهم بشكل مباشر

في انخراط حقل ‏"األنثروبولوجيا " ضمن مجال الدراسات األكاديمية.‏

2. نحو تأسيس دعائم النظرية األنثروبولوجية

تصدر

تم إرساء قوانين ‏"علم األنثروبولوجيا"‏ في الدّراسة األكاديمية عن طريق دوريات المجالت التي كانت

أعدادا تتضمن دراسات أنثروبولوجية تقترح مناهج علمية تقنن هذا النّوع من البحث.‏ فأوّل"‏ جمعية مهنية

1 ينظر،‏

يتيم ‏)عبد الرحمن(،‏ سعيا وراء المعلومات االثنوغرافية،‏ مجلة ثقافات،‏ خريف

215

2 فهيم)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎32‎‏.‏

0220، ص‎210‎‏-‏

10


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

متخصصة وجهت جهودها إلى الدراسة األنثروبولوجية قد أنشئت في باريس عام ‎1822‎م...بهدف القيام

برحالت خارج أوروبا الستطالع عدة موضوعات أنثروبولوجية...ورغم أن هذه الجمعية لم تستمر طويال،كما أن

نتائج الرحالت لم تكن مثيرة

للغاية."‏ 1

لكن أهميتها برزت في إمكانية قيام جمعيات أكاديمية متخصصة في

البحث األنثروبولوجي وشجعت على قيام جمعيات أخرى كان لها شأن علمي ومن هذه الجمعيات نجد:‏

الجمعية اإلثنولوجية التي أنشأت عام ‎1820‎م في باريس،‏ أنشأت بعدها الجمعية األمريكية اإلثنولوجية عام

‎1820‎م.‏

ثم أقيم المعهد الملكي األنثروبولوجي لبريطانيا العظمى وإيرلندا.‏ أدت هذه الجمعيات دورا مهما في

عرض القضايا والمسائل

األنثروبولوجية 2

القضايا"‏ 3

‏"وعززت اإلتجاه القائل بإمكانية قيام علم مستقل ومتخصص في تلك

يؤطرها ويضع القواعد العلمية للبحث األنثروبولوجي ويقيم استقالليته عن بقية العلوم اإلنسانية األخرى

كالتاريخ وعلم االجتماع.‏ وقد وصل إنشاء جمعيات مماثلة إلى مدريد وبرلين وفينا وموسكو وقد بلغ عدد هذه

الجمعيات عام ‎1812‎م حوالي

22 جمعية.‏ 4

أمّا الدوريات العلمية فنجد المجلة األلمانية التي صدرت عام ‎1840‎م ونحت نحو البحوث الساللية

والنفسية،‏ وفي فرنسا أصدر بول بروكا مجلة األنثروبولوجيا عام ‎1810‎م.‏ وقد اهتمت باألنثروبولوجيا الطبيعية/‏

الفيزيقية،‏ وفي فرنسا أصدر إميل دوركايم حولية علم االجتماع عام ‎1808‎م،‏ وترأسها بعد مارسيل موس

Marcel Mauss

‏)‏‎1810‎م-‏‎1042‎م(‏ وكانت هذه المجلة منبرا ثقافيا للعلماء الفرنسين للبحث في المناهج

والتقنيات العلمية التي بإمكانها دراسة موضوعات األنثروبولوجيا دراسة علمية.‏ كما أصدر المعهد الملكي مجلة

اإلنسانMan وقد اهتمت بالموضوعات اإلثنولوجية والقضايا االجتماعية.‏ أدّت هذه الدوريات دورا هاما ولفتت

االنتباه إلى االنسان والحضارات مما مهّد لظهور علم

األنثروبولوجيا.‏ 5

أدّت

الهيئات العمومية

- يف

من االفادة

الواليات المتحدة األمريكية-كالمتاحف على وجه الخصوص دورا

البحوث األنثروبولوجية.‏ فقد تكونت مؤسسة سيميسونيان الشهيرة

هاما في

The

Smithsonian

1

4

5

فهيم)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎12‎‏.‏

2 فهيم)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎12‎‏.‏

3 م س،‏ ص‎12‎‏.‏

م س،‏ ص‎12‎‏.‏

ينظر،‏ م س،‏ ص‎12‎‏.‏

11


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

Instittutionلتوثيق األبحاث العلمية األنثروبولوجية،‏ وهي خطوة رائدة في طريق تأسيس علم األنثروبولوجيا.‏

ومن الجهود التي قامت بها هذه المؤسسة،‏ استخدام االستبيان ألول مرة في البحث األنثروبولوجي.‏ وقد

تضمنت هذه االستبيانات بيانات عن الفن والحرب واإلسكان لدى شعب الهنود الحمر.‏

كان دخول األنثروبولوجيا بطيئا ففي عام ‎1882‎م عُين فرانز بواز

Boas

‎1848(Franzم-‏‎1020‎م(‏

رئيسا لقسم الدراسات األنثروبولوجية في جامعة كولومبيا.‏ أما في جامعة بنسلفانيا عُين دانيل برينتون

Daniel

أستاذ كأول Brinton

لألنثروبولوجيا

الدافع االتجاه تعزيز من وتمكن

اإلنسان،كما أنه حافظ على الحراك العلمي لهذا النوع من الدراسات بين

إنشاء إلى

المثقفين . 1

بدراسة يختص شمولي علم

من منظور التطوريون تأسس علم األنثروبولوجيا فعليا بعد ارتباط أبحاثه بالنظرية التطورية.‏ ونجد أن هذه

النظرية أثرت تأثيرا مباشرا في البحث األنثروبولوجي،‏ حيث قام األنثروبولوجيون بنقل بعض مبادئها إلى الحقل

األنثروبولوجي وتطبيقها على تطور

المجتمعات.‏ وقد

‏"نمت المدرسة التطورية التي كانت أول تيار فكري في

تاريخ النياسة في أواخر القرن التاسع عشر،‏ بين عامي ‎1842‎م و‎1012‎م تقريبا.‏ وقد تمثلت هذه المدرسة على

نحو خاص في الواليات المتحدة األمريكية وبريطانيا الكبرى،‏ لكنها تمثلت أيضا في ألمانيا وفرنسا وإن بمقدار

أقل"‏ . 2 وجدت

هذه النظرية

في هذه الدول

لطغيان الفكر التطوري على البحوث البيولوجية في ذلك الحين.‏

التربة المعرفية لتزدهر أفكارها وطروحاتها في حقل األنثروبولوجيا،‏

سعت التطورية إلى دراسة المجتمعات التي كانت تحوز قدرا ضئيال من الثقافة حينذاك ‏"فإنسان

المجتمعات الغابرة المعاصر

كنا قد شهدناه فيما مضى.‏

على ما يقول الباحث التطوري هو صورة عن أجدادنا القدماء وعن مجتمعهم الذي

وموضوع البحث

األساسي هو أن نفسر تاريخيا مختلف المراحل التي مرت بها

البشرية عبر اكتشاف القوانين التي أتاحت االنتقال من مرحلة إلى أخرى والشروط الطبيعية

والتقنية والمجتمعية

1

2

فهيم)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎13‎‏.‏

مرادف لمصطلح األنثروبولوجيا

لومبار ‏)جاك(،‏ مدخل إلى االثنولوجيا،‏ 22.

12


والفكرية التي حكمت تحول المؤسسات والظاهرات المجتمعيّة".‏

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

1 وبالتالي

فالمجتمعات المتخلفة هي صورة

عن المجتمعات األوروبية المتقدمة،‏ واإلشكالية التي بحثت فيها النظرية التطورية االجتماعية هي تفسير أسباب

االنتقال من مرحلة متخلفة إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما منها،‏ والبحث في الشروط الثقافية واالجتماعية التي

حكمت المؤسسات االجتماعية.‏

كان أول الدعاة إلى هذه النظرية هربرت سبنسرSpencer ‎1802(Herbertم-‏‎1022‎م(‏ الذي

توصل من خالل أبحاثه إلى ‏"أن المجتمعات تتطور من مجتمعات قائمة على الحرب إلى مجتمعات قائمة على

الصناعة وأن الظواهر االجتماعية تتطور من البساطة إلى التعقيد"‏ . 2 فالمجتمعات البدائية قديما اعتمدت على

الحرب خالل دورة حياتها ثم تطورت شيئا فشيئا إلى أن وصلت إلى مرحلة التصنيع.‏ وبذلك تكون قد حققت

على صورة ما نشهده من التطور المنشود اليوم.‏ وهو الحال بالنسبة لمختلف الشعائر االجتماعية التي بدأت

بسيطة واتجهت نحو التعقيد.‏

أمّا من حيث المنهج فإن التطورية الثقافية تخضع إلى التاريخ و"‏ هو ما يستعين به التطوري ويعتمد عليه

لكنه هنا تاريخ تخميني،‏ أي افتراضي وحسب...إذ إنه ال يملك بالنسبة لهذا النمط من المجتمعات تلك

المستندات التي يعتمدها تقليديا،‏ أي الوثائق المكتوبة التي تأتي لتؤكد صحة واقع تاريخي لذا نجد ما ...

الباحث التطوري يفترض تحركات معينة لقوم معينين أدت إلى والدة هذا الشعب أو ذاك.‏ أو نجده يتخيل

أنماطا من السلوك أو من المعتقدات انطالقا من مؤشرات واهية،‏ إذ كثيرا ما تكون المؤشرات المذكورة عبارة عن

رواسب لبعض العادات واألعراف المعتبرة بمثابة الذخائر المتبقية من مرحلة سابقة"‏ . 3 ومن هنا ينطلق الباحث

التطوري من تخمينات تشكل أحكاما مسبقة يبني وفقا ألساسها نتائجه.‏

وفي هذا المجال نشر ‏"إدوارد تايلور ‏"بحثه الشهير وسمه:‏ ‏"بحوث في التاريخ المبكر للجنس

البشري"،‏ عرض نظريته عن التطور الثقافي للمجتمعات اإلنسانية التي تستند على التقدم اإلطرادي للشعوب

2

1

م س،‏ ص‎22‎‏.‏

فهيم ‏)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎227‎‏.‏

: 3 لومبار ‏)جاك(،‏ مدخل إلى االثنولوجيا،‏ ص‎25‎‏.‏

13


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

والثقافات،‏ وانتقالها من حالة الهمجية أو البدائية التي نراها متمثلة في المجتمعات غير الغربية إلى حالة التحضر

والمدنية الممثلة في أوضاع الثقافة والمجتمع األوروبي في عصره . 1

وكان جميع المفكرين آنذاك راغبين في اإلحاطة بمجموع الثقافات التي عرفتها البشرية.‏ وسعوا بشكل

خاص إلى مقارنة هذه الثقافات فيما بينها واضعين نصب أعينهم المجتمع الغربي الذي اعتبروه قمة التطور،‏ ألنه

ومختلف مظاهر

كان يشتمل أرفع األشكال التي بلغتها مختلف المؤسسات من سياسية وعائلية ودينية،‏ 2

الحياة.‏ تتأتى المشكلة اإلبستيمولوجية لهذه النظرية من تأسيسها لنزعة التمركز العرقي فالمجتمع الغربي/األوروبي

يتموضع في أرقى الهرم التطوري،‏ وبقية المجتمعات األخرى دونه.‏

شكل وليام ريفيرز

‎1862(Williamم-‏‎1000‎م(‏ Halse Rivers

األنثروبولوجي األبرز في هذه

المرحلة التاريخية ‏)القرن التاسع عشر(‏ من خالل ما طرحه في مصنفه المعنون:‏ القرابة والتنظيم االجتماعي

الذي سعى فيه إلى التأسيس النظري لعلم األنثروبولوجيا خاصة فرع األنثروبولوجيا االجتماعية.‏ وتميزت دراسته

بإيالئها أهمية بالغة لموضوع جينالوجيا القرابة ودورها في التأسيس التاريخي واالجتماعي لمراحل التطور

اإلنساني للمجتمعات،‏ وقدم فصال مهما عن دور الدين داخل المجتمعات وقدم تفسيرات عن بعض الطقوس

الممارسة لهذه المجتمعات . 3

ومن هذا المنطلق ف ‏"إنّ‏ تاريخ األنثروبولوجيا البريطانية بشكل خاص يبدأ في القرن التاسع عشر،‏ مع

تنظيم رسمي لمجموعة من العلماء المشاركين في هذا المجال.‏ اتصف هذا المجهود بالتنسيق ما بين حوالي

عامي ‎1822‎م و‎1811‎م،‏ وهو فترة محددة بتأسيس جمعية اإلثنولوجيا في لندن ومعهد األنثروبولوجيا في

بريطانيا وأيرلندا ‏)بعد عام ‎1021‎م أصبح يعرف بالمعهد الملكي لألنثروبولوجيا(‏

4 ."

3

: 1 يُنظر،‏ فهيم ‏)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎225‎‏.‏

: 2 يُنظر،‏ لومبار ‏)جاك(،‏ مدخل إلى االثنولوجيا،‏ ص‎23‎‏.‏

يُنظر،‏ لومبار ‏)جاك(،‏ مدخل إلى االثنولوجيا،‏ ص‎22‎‏.‏

4 "the history of British anthropology per se commences in the nineteenth

century، with the formal organization of a self-referential body of scholars. The

enterprise became a coherent pursuit between roughly 1843 and 1871, a period

bracketed by the foundation dates of the Ethnological Society of London and of

the Anthropological Institute of Great Britain and Ireland (after 1907 the Royal

Anthropological Institute). In the name of science The Anthropological Institute

14


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

1.2 بدايات العمل الميداني األنثروبولوجي:‏

أدرك األنثروبولوجيون أهمية االتصال الشخصي بالشعوب محل الدراسة،‏ فقرروا القيام بأنفسهم

بالدراسات الميدانية بطريقة هادفة

ذات طابع منهجي.‏ وكانت

األنثروبولوجي،‏ حيث بدأت من أعمال بعثة كمبريدج التي ترأسها إلفرد هادون

‏-‏‎5491‎م(،‏ والتي حث

أعضا ؤها على تطوير العمل المنهجي.‏

وقد قام

هذه نقطة التحول في العمل المنهجي

وليم

Alfred Haddon

ريفيرز

‏)‏‎5511‎م

بطباعة وتحديث وتعديل

دليل الجمعية الملكية البريطانية لألنثروبولوجيا الذي يشكل المرجع والدليل المنهجي لممارسة عملية

جمع

البيانات الحقلية.‏ كما أشرفت جامعة كمبريدج على عملية إرسال أولى البعثات العلمية االستكشافية إلى مضائق

توريس عام ‎1888‎م.‏

سعى

الحياة االجتماعية.‏

أنصار النظرية التطورية

مكنتهم

والمنخرطين ضمن بعثة كمبريدج تمثل آلية

هذه األداة العلمية

من

المالحظة العلمية في دراسة

مسح مختلف جوانب الحياة في المجتمعات،‏

تمكنوا من إنجاز ستة مجلدات ضخمة تغطي العمل الحقلي وتطور العمل األنثروبولوجي من حيث

المالحظة والكتابة الوصفية المفصلة.‏

البحثي على المعلومة

حتى أنهم

منهج

من أهم خصائص البحث العلمي للرحلة إلى مضائق توربس وقوف الفريق

مباشرة من السكان األصليين عن عاداتهم المحلية وتوثيقها وتصنيفها نظرا لمعايشتهم

إياهم ما بين أربعة إلى ستة أشهر دون ضغط أو استفزاز،‏ وبالتالي تفادى المعطى المغلوط التي قد يقدّم خاطئا

بالتواتر،‏ أو نتيجة سوء ترجمة هذا المعطى.‏ كما أنهم تمكنوا من معرفة الصّالت القرابية للعائالت أي شجرة

النسب ومعرفة االنتماءات الدينية والتميزات االجتماعية.‏ 1

وقد تركز اهتمام البعثة على ‏"التحليل المتزامن

تاريخي تطوريDiachronic

Synchronic

2 "

لتلك المجتمعات وليس على تحليل

وفي هذا التحليل إشارة مباشرة إلى القطيعة اإلبستمولوجية مع مخرجات

النظرية التطورية الداروينية نتيجة عدم تمكنها من تقديم نتائج علمية ذات قيمة في البحث األنثروبولوجي عن

reunited the Ethnological Society with a group that had seceded from it in

1863". Alan Bernard & Jonthan Spencer Encyclopedia Of Social And Cultural

Anthropologie, This edition published in the Taylor & Francis e-Library, 2004,

p117

1

ينظر،‏ فريدريك ‏)بارث(‏ وآخرون،‏ حقل علمي وأربع مدارس أنثروبولوجية،‏ ص‎72‎‏.‏

2 غيرتز ‏)كليفورد(،‏ تأويل الثقافات،‏ ص‎02‎‏.‏

15


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

تجاوزها والبدء في التوجه نحو تحليالت وتفسيرات أكثر موضوعية والتنبه إلى أن المجتمع األوروبي الذي

وضعته هده النظرية على رأس الهرم هو اآلخر قد مر بنفس مراحل المجتمعات البدائية.‏

خالل هذه البعثة،‏ اكتشف وليام ريفيرز ‏"األسلوب النسبي"‏ والعالمات المستخدمة لوصف القرابة التي

تستخدم حتى يومنا هذا.‏ ويمكن وصف البعثة إلى مضائق توريس إما كذروة لتقليد بحثي أو كانقالب ثوري،‏

وقد حثت البعثة على المراقبة المباشرة وجمع البيانات من مصادر أولية مما أوجد أساسًا لتطوير البحث الميداني

المكثف كوسيلة أساسية لألنثروبولوجيا.‏ هذا االنتقال كان تغييرًا واضحًا في األنثروبولوجيا.بشكل عام يمكن

القول أن للبعثة دور كبير في تطوير علم األنثروبولوجيا،‏ حيث أسست لتطور البحث الميداني كأسلوب أساسي

في هذا المجال.‏ وأنشأت انقساما واضحا بين الهواة/الرحالة والمحققين في القرن التاسع عشر وتطور علماء

األنثروبولوجيا المحترفين الذين يجمعون بين المراقبة الميدانية والتحليل النظري 1

1

"Indeed, it is just as appropriate to describe the Torres Straits Expedition as the

culmination of a tradition of research as it is to see it as a revolutionary break’,

writes , The emphasis placed on direct observation and first-hand collection of

data ‘provided the basis for the development of intensive fieldwork as the

essential methodology of anthropology – the “ethnographic method” and ‘marks

a clear break in anthropology between the amateur and antiquarian of the

nineteenth century, and the development of the professional anthropologist who

combines field-based observation with theoretical analysis"Gérald Gaillard

Translated by Peter James Bowman The Routledge Dictionary of

Anthropologists, This edition published in the Taylor & Francis e-Library, 2004,

P34.

16


ع"‏

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

0.2

3222

تبلور العمل الميداني:‏

برز في مجال التأسيس المنهجي للعمل الحقلي

بواس،‏

لى الرغم من أنه قام برحلة تصل إلى حوالي

ميل خالل سنة من أبحاثه في الميدان،‏ إال أنه اقترب من المشاركة بالمالحظة والمشاركة مع المضيفين،‏

حيث شارك في صيد الحيوانات معهم.‏ وقد اكتسب معرفة عميقة بلغتهم وأصول السلوك االجتماعي بينهم،‏ كما

أجرى مقابالت مع معلوماتيين وشاهد أداءات لسرد الحكايات الشعبية.‏

الموسومة

‏"اإلسكيمو المركزي

ثم نشر إثنوغرافيته

‎1888‎م عام

‏"بواسطة مكتب األنثروبولوجيا األمريكي،‏ والذي كان آنذاك المنظمة الرئيسية

ألبحاث األنثروبولوجيا في الواليات المتحدة.‏ باإلضافة إلى ذلك،‏ قام بواس بنشر تقارير شعبية عن أبحاثه في

اللغة األلمانية واإلنجليزية".‏ 1 كما أنه ‏"استعمل المنهجية العلمية للتوصل إلى فهم الحضارات والتراثات اإلنسانية،‏

في وقت كان ذاك الحقل يقوم على صياغة نظريات عمومية تأسيسا على الحكايات والنوادر"‏ ، 2 ما يحسب

لبواس هو ابتعاده عن األحكام المسبقة والتزامه الحيادية والموضوعية والدقة العلمية في أبحاثه.‏

خطوة فارقة في العمل الميداني وتطور منهجه وأسلوبه

نظريات بواس تحتفظ ببريقها العلمي إلى اليوم في العمل األنثروبولوجي.‏

وهو ما يعد

وإلهاما إلى من جاء بعده في الدراسة العلمية،‏ وما تزال

أرسى دعائم األنثروبولوجيا االجتماعية البريطانية كل من برونيسالف مالينوفسكي

‎1882(Malinovskyم-‏‎1020‎م(‏

متميزان قطبان

وراد كليف

بفضل التصورات النظرية التي

Bronislaw

براون ‎1881(Radcliffeم-‏‎1044‎م(‏ Brown

تدعم العمل الحقلي.‏ فقد جاء

مالينوفسكي

وهما

بتقنية منهجية

1

"Although he travelled some 3,000 miles during his fieldwork year, Boas

approached participant observation as he hunted with his hosts, acquired a

deepening knowledge of their language and interpersonal etiquette, interviewed

informants and observed performances of folktaletelling His ethnography The

Central Eskimo (1888) was published by the Bureau of American Ethnology,

then the principal organization for anthropological research in the United States.

In addition, Boas published popular accounts of his fieldwork in Germanand

English" .Alan Bernard and Jonthan Spencer, encyclopdia of social and

cultural anthropology routledge london , 2002, p109.

كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ ص‎77‎‏.‏

2

17


جديدة في البحث الميداني،‏

وهي

نهج المالحظة بالمشاركة

حياتهم ومعيشهم اليومي وممارسة الطقوس معهم،‏

يتحفظون عن الكثير من المعطيات.‏

انتهج مالينوفسكي نهج المالحظة بالمشاركة

من جمع معلومات موثقة نتيجة مالحظته المباشرة.‏

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

وتقوم هذه التقنية على مشاركة أهالي الدراسة

بدال من االكتفاء بالمالحظة والمقابلة مع المخبرين الذين

في عمله الحقلي الذي أنجزه في جزيرة توربرياند،‏ فتمكن

وقد كتب هذه المعلومات باللغة األصلية

لتعلمه اللغة

وابتعاده عن الترجمة التي توقع في المغالطات . 1 قام مالينوفسكي بإجراء مقابالت منهجية وتكلم لغة السكان

بطالقة وهذا الذي افتقر إليه من سبقه من األنثروبولوجين.‏ لقد مكنه ذلك من مراقبة تفاعالت السّكان مع

األحداث اليومية.‏ فقدّمت دراسته صورة حية عن

حياة السكان ومؤسساتهم االجتماعية،‏ كما ميز في هذه

الدراسة بين المثل العليا والسلوك الفعلي.‏ في ‏)كتابه مالحو غربي المحيط الهادي

Argonauts of The

Western Pacific

‎1000‎م(‏ ركز على المالحظة التشاركية فهي التي تمكن الباحث األنثروبولوجي من

الوصول إلى تحليالت السكان وإدراك رؤيتهم الخاصة لعالمهم.‏

2

مكنه إلمامه بالمفاهيم البيولوجية إلى إدخال تصور جديد يدعم التأسيس المنهجي للعمل الحقلي

األنثروبولوجي،‏ تمثل هذا التصور في مفهوم الوظيفة في دراسة الظواهر االجتماعية واعتبار كل مؤسسة اجتماعية

بمثابة العضو الذي يؤدي

دورا هاما في البناء االجتماعي.‏ وقد تمثلت النتائج التي توصل إليها في العمل الحقلي

فيما يلي:‏ ضرورة االطالع على منجزات البحث العلمي الحديث وتطبيق األساليب الخاصة في جمع البيانات

وفحصها والبرهنة

وجمع المعطيات

عليها عن طريق التوثيق االحصائي،‏

والتفاصيل الخاصة بالحياة السلوكية وإنشاء سجل لتدوين

أساليبهم الخاصة في التفكير والشعور.‏

بجمع البراهين الدالة على أنظمة وأعراف حياة القبيلة

آراء

السكان األصلين التي تعكس

1 ينظر،‏

يتيم ‏)عبد الرحمن(،‏ سعيا وراء المعلومات اإلثنوغرافية،‏ ص‎217-210‎‏.‏

2 ينظر،‏ كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ ص‎02‎‏.‏

18


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

تمت دراسة رادكليف براون في الرحلة الميدانية التي قام بها إلى جزر األندمان ‏)‏‎1026‎م

‏-‏‎1028‎م(‏

كان اختياره نابعا عن أسس تطورية ألنه كان يعتقد أنّ‏ سكان هذه الجزر هم األكثر بدائية ووحشية وقاعدة

الحياة اإلنسانية.‏

لم يقتنع راد كليف براون بجهود مالينفوسكي،‏ ولم يقتنع بمجرد المالحظة والتسجيل،‏ بل

أضاف عليهما تفسيراته السوسيولوجية.‏ ولم يكتف بموضوعات السحر،‏ الطوطمية،‏ العادات والتقاليد

موضوعات تلبي الحاجات اإلنسانية البيولوجية إنما ربطها بالنظام االجتماعي.‏

سميث

1

ومن بين المنظرين والمؤسسين ألسس العمل الميداني / األنثروبولوجي نجد دراسات

William Robertson Smith

‏)‏‎1826‎م-‏‎1802‎م(‏

بوصفها

وليم روبرترسن

والتي ركزت على أمرين اثنين أولهما :"

استخدامه االستبيان في جمعه للمادة،‏ إلى جانب تمحيص ما دونه من مالحظات أو بيانات...أما األمر الثاني:‏

فيتصل بمحاولته استخدام المادة عن سكان أمريكا األصليين للتنظير العام بشأن نشأة وتطور النظم

االجتماعية".‏ 2 وقد كانت فكرة االستبيان رافدا تغذت من نسغه الدراسات الميدانية الالحقة،‏ حيث أصبح أحد

ركائز البحث األنثروبولوجي وتكمن أهميته في تدوين المعطيات اإلثنوغرافية تمهيدا إلى تمحيصها في المختبر.‏

شكلت هذه المحطات تاريخ األنثروبولوجيا منذ انبثاق أفكارها األولية إلى أن أصبحت مادة دراسة في

أعرق الجامعات العالمية.‏ وقد بيّنا جهود المنظرين في إرساء قوانينها.‏ وننتقل إلى محور جديد في مدخل

النظري بحثنا حيث سنخوض فيمايلي في أسس البحث الميداني األنثروبولوجي

4. أسس المنهج األنثروبولوجي

المعطيات"‏ 3

يقوم المنهج األنثروبولوجي على أسس عدّة:‏

الميدان 1.4

الميدان هو ‏"مكان اإلثنوغرافي حيث يجمع

الدّراسة.‏ وقد كان مالينوفسكي سابقا إلى انتهاج منهج

المالحظة

االجتماعية والثقافية من

بالمشاركة،‏ حيث قام خالل

المجتمع محل

الميدانية رحالته

1 ينظر،‏

يتيم ‏)عبد الرحمن(،‏ سعيا وراء المعلومات االثنوغرافية،‏ ص 215-212.

2 فهيم ‏)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ص‎27‎‏.‏

3 حبيدة ‏)محمد(‏ وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ‏)د.ط(،‏ المغرب،‏ إفريقيا الشرق،‏

0222، ص‎00‎‏.‏

19


ىعل

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

إلى جزر بمشاركة األهالي حياتهم اليومية وطقوسهم بغية التوصل إلى نتائج حقيقة بعدما تم اكتشاف تناقضات

في شهادات وأقوال المخبرين الذين تحفظوا عن عدّة معلومات وغيروا بعضها.‏ قدّم منهج المالحظة بالمشاركة،‏

نتائج أخرى أكثر إيجابية،‏ واستطاع األنثروبولوجيون من خالله غربلة المعلومات اإلثنوغرافية والتقرب إلى السكان

األصليين والحصول على معلومات موثقة وصحيحة.‏

تقدم البحث األنثروبولوجي بفضل العمل الميداني أشواطا بعيدة،‏ ‏"حيث يذهب األنثروبولوجيون بأنفسهم

إلى األماكن البعيدة لجمع المعطيات بدال من االعتماد على كتابات المستكشفين

والرحالة"‏ 1

التي كان يشوبها

الغموض وعدم التمحيص،‏ باإلضافة إلى اعتماد هؤالء على المترجمين الذين لم يكونوا موفقين إلى هذه المهمة.‏

مالينوفسكي هو الفارقة والعالمة

مما الجزر،‏ أهالي لغة يتقن الذي كان

العلمية والمنهجية ومازالت نظرياته تؤسس للبحث األنثروبولوجي الحالي.‏

البحث رفد في الميدان أهمية تأتي

األنثروبولوجي

أقرب بنتائج

بدون ميدان يكون محكوما عليه بإنتاج خطاب فارغ تافه ومجرد من

إلى

جعل

المعاني"‏ 2

أبحاثه

اليقينية،‏

تتسم

لذلك

بالكثير

‏"فإن

الدقة من

األنثروبولوجي

ومن هذا المنطلق نستنج أهمية

التنقل الجسدي إلى مجتمع الدّراسة،‏ فالمالحظة المباشرة والمقابالت المباشرة تقدم الكثير من المعطيات التي

ال يمكن أن يصل إليها الباحث دون ذلك.‏

أهمية

يجري

الميداني،‏

يحيلنا كلود

التباعد

أمامه

ليفي

واالنفصال

في

فعلى

مجتمع

ستراوس

األنثروبولوجي

للمالحظ

الدراسة،‏

التزام

بعض إلى

الخارجي

وإنما

مساحة

عليه

الباحث يتبعها التي األساليب

األنثروبولوجي

" بينها من الميداني،‏

والبعيد"‏ . 3

االنفصال

بينه فاصلة

فليس

عنهم

وبين

ومراقبة

هذا

أن الباحث

المجتمع

وإال المجتمع

يكون

من

تجعله

مشاركا

بعيد،‏

ينغمس فيه،كما عليه أن ال يأخذ دور المصلح أو المرشد ويترك أفراد المجتمع على سجيتهم.‏

االنتقال

مهمة

2

بالرغم

العقلي

من

المستكشفين

شغف

بصحبة

ستراوس

االنتقال

أمّا والسّياح.‏

بالعمل

الجسدي.‏

اإلثنوغرافي

الميداني

فيكون

فمهمته

إليه ودعوته

اإلثنوغرافي

جمع

إال

دقيق

المعلومات

يدعوه أنه

المالحظ

ب ‏"السفر

وال

وتمحيصيها

1 حبيدة ‏)محمد(‏ وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص‎00‎‏.‏

م س،‏ ص‎00‎‏.‏

3 حبيدة ‏)محمد(‏ وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص‎00‎‏.‏

يكتفي

والنظر

دائما

بغية

المالحظة

الممقوت"‏

في كل

نجاح

ما

العمل

بالمشاركة

ويقصد

باالستكشاف

وأبعد أعمق إلى

به

ألنها

مما

20


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

الرحلة خالل عنها اإلجابة يبتغي وإشارات مؤسسة علمية أهداف مجموعة من االطالق عليه السياح،‏ كما يراه

البحثية.‏

1.0.4 االستبيان

يستعمل الباحث األنثروبولوجي ميدانيا أداة ‏"االستبيان"‏ لجمع المعلومات من الواقع والبيانات الالزمة

لموضوعه.‏ وهو مجموعة من األسئلة المرتبة حول موضوع معين،‏ يتم وضعها في استمارة ترسل إلى أشخاص

المعينين.‏ 1

0.4

بغرض عليه اإلجابة بصدق وموضوعية عن األسئلة.‏

المختبر:‏

من ركائز البحث األنثروبولوجي نجد المختبر أو المكتب.‏ والذي يستعمل

ل "

التي جمعت بالميدان...بحثا عن قواعد أو نظريات...وهو المكان الذي يصنع فيه

تحليل المعطيات والوقائع

المعنى".‏ 2

2.4

وتتم فيه عملية

تنسيق المعطيات الميدانية في شكل بحث علمي ممنهج وغاية في الدّقة.‏ كما تتم داخله الدراسة المقارنة

واالستقراء العلمي الذي يؤدي إلى صياغة فروض والتوصل إلى نظريات جديدة وطرح تساؤالت أخرى تكون

محل الدراسة القادمة

الكتابة:‏

وأخيرا يرتكز البحث األنثروبولوجي بعد جمع المعطيات اإلثنوغرافية وتمحيصها في المختبر،‏ ترتكز هذه

المرحلة على الكتابة األنثروبولوجية.‏ وقد تميزت هذه الكتابة بعدّة خصائص حسب المرحلة التاريخية،‏ ففي

األنثروبولوجيا الكالسيكية كان عندما يريد الباحث أن يدرج السير الذاتية أو حكاية ولوجه إلى ميدان الدراسة

ووجهة نظره وسيرورة البحث تُدرج كنص بشكل منفصل أي في فصل خاص.‏ فنجد في كتاب ‏"المغامرون"‏

لمالينوفسكي أن النتائج تم تبويبها في الفصل الرابع

واألخير 3

من الكتاب.‏

1

البستاني ‏)محمد(،‏ مناهج البحث االجتماعي،‏ ‏)د.ط(،‏ بيروت،‏ دار الثقافة،‏

2 حبيدة ‏)محمد(وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص‎02‎

2132، ص‎222‎‏.‏

.03-

3

ينظر،‏ عياد ‏)أبالل(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎32‎‏.‏

21


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

والمقاطع

كما تتميز الكتابة األنثروبولوجية التقليدية بكثرة"‏ عالمات الترقيم واألقواس للداللة

على بداية الجمل

ونهايتها"،‏ 1

بغية التمييز بين الوصف ومشاهد انتقاالت الخطاب إلى شكل

خطابي آخر.‏ إن

ومارسيل

‏"الملفوظات المهيمنة على الكتابة األنثروبولوجية هي ملفوظات سردية...مع مالينوفسكي موس."‏ 2

وكالهما يكتب مذكرات يومية مع تخصيص الفصل األخير من الكتاب للنتائج ودراستها.‏

ولكن في األنثروبولوجيا المعاصرة أصبحت النتائج تتخلل الفواصل السردية فيتدخل األنثروبولوجي ويقدم

الحوصلة التي توصل إليها.‏ ثم يمر إلى المواضيع األخرى،‏ مما يجعل القارئ ملزما بقراءة الكتاب ألنه ال يعرف

مسبقا موضع النتائج من الكتاب.‏ وتتميز هذه الشروحات تقنية ‏"الوصف التأويلي"وهو

وصفية من أجل سواء التعريف بطقس،‏ شعيرة أو فعل أنثروبوثقافي

"

" 3 كما

استحضار ملفوظات

تتميز بتعطيل السرد لتقديم استخالص

عن البنية المتحكمة في العناصر التي بحكم تكرارها تجعل الباحث يقدم تقريرا عنها.‏ 4 كما تتميز أيضا بتغير

مستويات القراءة العلمية ‏"ما بين التخصيص والتشخيص والتعميم والتجريد وذلك بحكم درجة تكرارية العناصر

الدالة داخل منظومة

يختلف عن الشعيرة.‏

سلوكية".‏ 5

فمقتضى الحال هو ما يحدد مستوى القراءة،‏ فمثال قراءة الطقس االحتفالي

أما أسلوب الكتابة فيتغير من أنثروبولوجي إلى آخر،‏ فنجد األنثروبولوجي فريزر الذي كان مشروعه

‏"بالكامل محدودا بالكتب...‏ وكانت لغته مفعمة باإلشارات إلى المصادر األدبية اإلنجليزية.‏ وهكذا استطاع أن

يربط بين العادات والتقاليد القبلية البعيدة التي كان يصفها وبين العالم الخيالي نصف المألوف الذي يدين به

لألدب،‏ فجاءت أعماله على درجة عالية

لشكسبير ولتحمسه إلنجلترا،‏ وأيضا بينها وبين المصادر الكالسيكية"‏ 6

من الثقافة المنقولة من مصادر مختلفة،‏ وذات منحى شعري جمالي يدين لألدب اإلنجليزي الكالسيكي

بالكثير.‏

2

3

5

6

1 عياد ‏)أبالل(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎25‎‏.‏

م س،‏ ص‎22‎‏.‏

م س،‏ ص‎25‎‏.‏

4 م س،‏ ص‎22‎‏.‏

م س،‏ ص‎22‎‏.‏

روبرت فريزر،‏ سير جيمس فريزر والخيال األدبي مقاالت في التأثير والتأثر،‏ ص‎17‎‏.‏

22


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

يُقر فريزر أنه"‏ يضع بين أيدينا الغصن الذهبي بوصفه عمال أدبيا ال عمال علمياً.‏ ويتضح هذا االنطباع في

تصدير الطبعة الثالثة،‏ حيث يعرب فريزر عن أمله في أن يكون قد استطاع من خالل التوسع في كتابه،‏ ودون

التضحية بصالبة جوهر البحث العلمي،‏ أن يصب مادته في قالب فني"‏ 1 ولغوي متميز وغير جاف رغم الكم

المعرفي الذي يحوزه هذا الكتاب،‏ وذلك للتأثير في أكبر قدر من القراء ممن لديهم ميوالت أدبية دون أن

يضحي بجمهور القراء ذوو النزعة العلمية.‏ وبالتالي ‏"فإن فريزر الدارس يستقر به المقام منحازاً‏ إلى جانب الخيال

الخالص"‏ 2

الذي يصبغ جل كتاباته األنثروبولوجية،‏ ومن هذا المنطلق ‏"فإنه يعلن بوضوح أهمية الرؤية الخيالية

شبه الشعرية للكاتب األنثروبولوجي"‏ ، 3 فالخيال أمر ال يستغني عنه الباحث األنثروبولوجي لسد تلك الفراغات

المعرفية التي جاءت نتيجة عدم تخصص الرحالة والمبشرين في البحث األنثروبولوجي وتركيزهم كان تسجيليا ما

جعل كتاباتهم تعتريها فراغات معرفية ليأتي خيال األنثروبولوجي لسدّها.‏

إن الصبغة األدبية التي اكتسبها الغصن الذهبي جعلت فريز يحظى"‏ بالتقدير ال باعتباره كاتبا أنتروبولوجيا

مما جعل الشكل ‏"األدبي األساسي

فحسب،‏ بل باعتباره كاتبا لصيقا بما نسميه بغموض ‏"األدب اإلنجليزي"‏ 4

فرغم أنه كتاب موسوعي وعبارة عن ‏"تجميع ثقافي،‏ ومقابالت بين ما هو متحضر وما

لكتاب الغصن الذهبي"‏ 5

لكن فريزر لم يتخل

هو بدائي وجمعه النادر بين األسلوب األدبي الواعي وبين النطاق الموسوعي التسجيلي"‏ 6

عن الخيال األدبي ‏"إن فريزر أدبي بالكامل في مشروعه،‏ وإن كان قدر كبير من المادة التي يحللها تأتي من

الثقافات الشفهية،‏ وخياله مطعم باألدب الكالسيكي واألدب اإلنجليزي"‏ 7 أهم رافد من روافد الثقافة لدى

جيمس فريز والذي ظهر جليا في كتابه الغصن الذهبي.‏

كليفورد غيرتز

Clifford Geertz

‏)‏‎1006‎م-‏‎0226‎م(‏ قد تميز نمط كتابته باالنتقال من نص إلى

آخر...االنتقال من الموضوع المجهري إلى تناول االنتماءات الثقافية الواسعة فمثال عند حديثه عن حالة سوق

2

1 روبرت فريزر،‏ سير جيمس فريزر والخيال األدبي مقاالت في التأثير والتأثر،‏ ص‎12‎‏.‏

م س،‏ ص‎15‎‏.‏

3

م س،‏ ص‎12‎

م س،‏ ص‎227‎‏.‏

5 م س،‏ ص‎15‎‏.‏

6 م س،‏ ص‎227‎‏.‏

م س،‏ ص‎222‎‏.‏

4

7

23


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

‏"صفررو"‏ ينطلق منه إلى دراسة ثقافة مجتمعات الشرق األوسط،‏ بناء الموضوع بواسطة هاجس المقارنة،‏

اشتغال

الطرح

بالصبغة

الكتابة

العلمي

العلمية

األدبية

الجاف

للنّص

عبر

عن

ابتكار

هذه

أجواء

الكتابة

عن األنثروبولوجي

وشخصيات

وصياغتها

طريق

بأسلوب

وأحداث

أدبي

تعبر

روائي

عن

إلى

عمق

الحد

التجربة

الذي

اإلنسانية 1

المتلقي يجعل

مهم

ال

طريقة

إلبعاد

يشعر

" اشتغال الكتابة األدبية من حيث تكثيفها للواقع،‏ عبر ابتكار

وهنا تأكيد من غيرتز على

أجواء وشخصيات وأحداث تعبر عن عمق التجربة اإلنسانية دون أن تكون واقعية."‏ 2

ضرورة الخيل األدبي للباحث األنثروبولوجي.‏

حياته

تميز أسلوب غيرتز بحس أدبي بويطيقي عال.‏ ومكنه من ذلك تخصصه في اللغة اإلنجليزية في بداية

األكاديمية،‏ الذي هجره صوب التخصص األنثروبولوجي.‏ إن الحس األدبي الذي يتمتع به طبع كتاباته

األنثروبولوجية فجاءت مشبعة ب " عبارات مبهمة وغير مفهومة من قبل كتاب آخرين ذوي حظ ضئيل من

الموهبة والمقدرة الكتابية...بالنزوع إلى التعابير البالغية واإلغراب،‏ وباالستسالم للتعابير المجازية االستعارية

والتمثيل بدال من الشرح المباشر...باستعمال سالسل من النعوت القبلية والبعدية المتشابكة...ما يجهد القارئ

في تتبع وإن كان يوفر له المتعة الفكرية العالية"‏ ، 3 يحيلنا هذا األسلوب في الكتابة إلى الكتابة األدبية لميله إلى

اإلدهاش والجمالية األدبية،‏ فالكاتب يظهر قدراته التعبيرية واألسلوبية في الكتابة.‏

ومن إسهامات غيرتز أسلوبه في الكتابة الذي اكتسبه بفعل دراسته لألدب واللغة اإلنجليزية فقد قال عنه

‏"هينيك نوردهولت ‏...فتح الطريق أمام موضة جديدة في الكتابة األنثروبولوجية باستعمال عبارات مبهمة وغير

مفهومة من قبل كتاب آخرين،...و يصف جيمس بون أسلوب غيرتز بالنزوع إلى التعابير البالغية واإلغراب"‏ ، 4

وهو أسلوب ليفي ستراوس ومالينوفسكي لكنه طغى على كتابات غيرتز،‏ مما جعل محل نقد الذع ومدح في

نفس الوقت،‏ بسبب الصعوبات التي يفرضها هذا األسلوب وخاصة في

الترجمة،‏ فقد أقر مترجم كتاب تأويل

الثقافات الذي بحوزتنا بصعوبة الترجمة نظرا لهذا األسلوب المعقد المليء بالتشبيهات وطول الجمل وكثرة

التقديمات والتأخيرات.‏

1

ينظر،‏ حبيدة)محمد(‏ وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص‎15‎‏.‏

2 حبيدة)محمد(‏ وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص‎15‎‏.‏

3 كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ ص‎52‎‏.‏

4 م،‏ س،‏ ص‎52‎‏.‏

24


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

لم يكن غيرتز وحده من اختص بهذا النوع من الكتابة بل كان هناك كلود ليفي ستراوس أيضا التي

جاءتكتاباته على مستوى عال من األدبية والجمالية.‏ وقد تبدى ذلك فيكتابه ‏"مدارات حزينة"‏ صاغه ‏"بكثير

من اإلتقان األدبي والكثير من الشاعرية...وهذه النّفحة األدبية التي قوّاها ذلك العمق الفلسفي المرتبط بالتكوين

األصلي ومن خصائص كتاب ‏"مدارات حزينة"‏ أنها تمزج بين اإلثنوغرافيا واألدب.‏ ولجوء الكاتب

إلى هذا النوع من الكتابة فيكل منكتابيه اآلخرين النظر واالستماع ‎1002‎م،‏ وحنين إلى البرازيل

‎1002‎م 2

للكاتب."‏ 1

احتفظ كلود ليفي ستراوس"‏ في جل كتاباته شأنه شأن جليفورد غيرتز بأدبية راقية في اشتغاله الكتابي،‏

وهو ما جعل عددا كبير من نقاد األدب يعلنون بموهبة ستراوس األدبية

والروائية".‏ 3

وهذه الموهبة تجعل كتاباته

تبتعد عن الطابع العلمي الجاف،‏ عكسكتابات األنثروبولوجيين من ذوي النزعة العلمية التجريبية.‏

ومن هذا المنطلق فإن الكتابة األنثروبولوجية المعاصرة ‏"عازمة على خرق الحدود التقليدية األدبية.‏ وفتح

قنوات التواصل بين األدب بوصفه فنا لغويا،‏ وفنون وأنشطة أخرى غير لغوية.‏ من ذلك اعتماد الكتابة على

الذاكرة العالمة والشعبية المكتوبة والشفهية وتوظيفها بدرجة مكثفة".‏

4 وعليه

فإن الكتابة األنثروبولوجية أعادت

االعتبار إلى األدب الشعبي والثقافات المحلية المهمشة الشفوية أو المكتوبة وتوظيفها وتدوينها حفظا لها من

الزوال واالندثار،‏ إلدراك األنثروبولوجيون أنفسهم البعد الهوياتي الذي تحمله هذه الثقافات.‏

بناءً‏ على هذا العرض البحثي لتاريخ األنثروبولوجيا ومنهجها نخلص إلى مجموعة من النتائج نلخصها فيما يلي:‏

لم يكن ظهور األنثروبولوجيا طفرة في تاريخ العلم البشري،‏ وإنما جاء ذلك نتيجة تراكمات معرفية على

مدى فترة زمنية تاريخية طويلة من الوجود البشري،‏ عبر عنها الفضول نحو معرفة اآلخر.‏ وانتهت إلى قيام علم له

قوانينه،‏ هو علم فتح مجاالت جديدة للبحث في الظواهر اإلنسانية،‏ وله منهجه،‏ ويقوم على أسس أهمها انتقال

1

كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ ص‎20‎‏.‏

2 ينظر،‏ حبيدة ‏)محمد(‏ وآخرون،‏ األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص‎01‎‏.‏

3 عياد ‏)أبالل(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص 22.

ع‎4‎ ياد ‏)أبالل(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎22‎‏.‏

25


مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

الباحث بنفسه إلى الميدان ومشاركة أفراد المجتمع عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم.‏ وهذا يتم بفعل الكتابة التي

تخلصت من القيد العلمي الجاف ونحت نحو الكتابة األدبية ذات مستوى جمالي وشعري.‏

ونخوض في الفصل األول من هذه الرسالة في عرض آليات المقاربة األنثروبولوجية لألدب.‏

26


الفصّل األول

آليات المقاربة األنثروبولوجية

للرواية


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

تمهيد

مثلت استراتيجيات تأويل األبعاد الجمالية والفنية للنص األدبي،‏ وتوصيف طرائق تكونه واكتناه دالالته

مثار خالف النظريات األدبية طوال القرنين التاسع عشر والقرن العشرين.‏ وفي ظل عقم المناهج السياقية عن

تقديم إبدالت نقدية إجرائية فعالة في قراءة النص األدبي،‏ ظهرت البنيوية في خمسينات القرن الماضي متكأة

على منجزات اللسانيات السوسرية مشكلة نقلة نوعية في النقد المعاصر.‏ حيث شددت على أن خصوصية

النص األدبي تنبجس من تظافر مكوناته الداخلية،‏ وتشريح النص وتوصيف القوانين التي ينبني عليها للوصول إلى

شعريته.‏ لقد كشفت البنيوية بهذه اإلجراءات عن هشاشتها ألنه ال يمكن تقليص دينامية النص في النسيج

اللغوي واستخالص قوانين علمية.‏

في ضوء هذه العوائق التي واجهتها البنيوية،‏ انبرت أصوات نقدية تنادي بانفتاح النص األدبي.‏ فاحتلت

تفكيكية دريدا ‎1022(Jacquesم-‏‎0222‎م(‏ Derrida مقعدا الفتا إذ شددت على تعدد مداخل النص

القرائية بسبب مراوغة دالالته بشكل مستمر للقارئ.‏ وبناء عليه فإن النص من منظور دريدا يتميز بالالنهائية

الداللية،‏ وعزل النص عن كل ما هو خارجي.‏ في ظل هذه التجاذبات الفكرية النقدية ظهر فولفغانغ ايزر

1006(Wolfgang Iser

م-‏‎0221‎م(‏ رغم اتفاقه مع دريدا في التعدد الداللي للنصوص.‏ لكن هذه

الدالالت هي حصيلة لسيرورة القراءة وتفاعل قطبي،‏ قطب فني مرتبط بالنص لوجود قرائن نصية ترشد عملية

القراءة.‏ وقطب جمالي متعلق بالقارئ ، 1 وعلى الرغم من جهود أقطاب نظرية التلقي في الحد من فوضى التأويل،‏

إال أن هذا الخطاب قد همش السياقات الخارجية للنّص وما تمور به من صراعات أيديولوجية تتخلل عوالمها

الفنية،‏ وصور وأنساق تتواشج مع الماضي والتاريخ.‏ هذا المسعى النقدي حفز ظهور إبدال نقدي جديد عرف ب

‏"الدراسات الثقافية"‏ الذي أعاد ربط النص بسياقه الخارجي من منظور مغاير للمنهج التاريخي.‏

: 1 ينظر:‏ فوفغانغ أيزر،‏ فهل القراءة نظرية االستجابة الجمالية،‏ تر:‏ عبد الوهاب علوب،‏ ‏)د.ط(،‏ القاهرة،‏

المجلس األعلى للثقافة،‏

0222، ص‎02‎‏.‏

28


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

شهد النصف الثاني من القرن العشرين حراكا نقديا اهتزت على إثره الكثير من المسلمات والمفاهيم

العلمية،‏ حيث توخت العديد من األطروحات تجاوز مسألة االرتهان إلى النموذج البنيوي الذي قلص دينامية

النص،‏ واختزل هويته إلى مجرد وحدات لسانية.‏ وبدأت تلك األطروحات تنحو صوب مقاربات جديدة تقرأ

األدب في وظيفته غير اللسانية،‏ لتحقق آفاقا رحيبة وأسئلة معرفية جديدة ، تبحث عما هو منصهر في النص

األدبي من ظواهر ثقافية،‏ مستفيدة من البراديغمات الجديدة التي تفجرت في حقل الدراسات اإلنسانية.‏ وال

سيما مجال الدراسات األنثروبولوجية الذي تخلص من نزعة التمركز العرقي التي سيطرت على أبحاثه بفعل

استغالله في المشاريع االستعمارية.‏ وغدت أبحاثه أكثر استقاللية عن الهيئات الرسمية/السياسية.‏

ومن هذا المنطلق شهدنا تالقحا معرفيا بين األدب والمنهج األنثروبولوجي.‏ ف غدا ‏"البحث في مجال اللغة

وهو الفرع الذي يهدف إلى دراسة النص بوصفه

والرمز والنظم التي تتضمن الداللة يعرف بأنثروبولوجيا األدب".‏ 1

مكونا ثقافيا يعكس قيم ومعتقدات المجتمع.‏ ولعل أكثر األجناس األدبية استيعابا لهذه المعطيات األنثروبوثقافية

(Anthro-Cultural)

هي الرواية.‏

اكتسب النص الروائي هذه المكانة المرموقة بين صنوف األجناس األدبية،‏ لكونه يلبي حاجات القارئ

اللغوية ويغذي متعته الفنية،‏ دون أن يكون مجرد شطحات في عالم رمزي خيالي بعيدا عن واقعه.‏ فهو ‏"نسق

لغوي يشتمل دالالت ورموز وتخييل ومستقل بمكوناته وخصائصه عن بقية الخطابات األخرى،‏ وعن العالم

الخارجي العادي.‏ ولكنه يحلينا عبر العالئق اللغوية والداللية والتخيلية إلى المجتمع واإلنسان والكون"‏ . 2 رغم أنّ‏

الكاتب يرتحل عبر المتخيل الفني من فضاء الواقع إلى فضاءات تخييلية،‏ إال أنه الينفك إال أن يعود إليه،‏ وال

يبني هذه العوالم إال لكي يحيل إلى واقعه ومجتمعه دون تجريد أو تجسيد أو توثيق.‏ ومن هنا وجب علينا مقاربة

النص الروائي ضمن اَليات تمكننا من استنطاق المحموالت الثقافية والتراثية المبثوثة بثناياه،‏ فرغم أنّ‏ الميثاق

الروائي يضطرنا إلى تلّقي النّص على أنه تخييلي،‏ لكن النّقد يسمح لنا بالتأويل في ظل معطيات الواقع التي

تهيمن على حياة المبدع ووالئه التّام لمخزونه الثقافي الذي ال يستطيع الفكاك منه أثناء اللحظة اإلبداعية.‏

1 غيوب باية،‏ الشخصية األنثروبولوجية العجائبية في رواية مائة عام من العزلة،‏ ‏)د.ط(،‏ الجزائر،‏ دار

األمل للنشر والطباعة،‏ 0220، ص‎20‎‏.‏

: 2 فاضل ‏)ثامر(،‏ الصوت االَخر،‏ الجوهر الحواري للخطاب األدبي،‏ ‏)د.ط(،‏ بغداد،‏ العراق،‏ دار الشؤون

الثقافية العامة،‏ 2110، ص‎22‎‏.‏

29


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

ويأتي هذا الفصل في صورة نظرية ليؤسس لقاعدة التحليل التطبيقي الذي سنشتغل عليه في فصول

األطروحة،‏ ونتوخى في ضوء محاور الفصل األول إبراز الميكانزمات المعتمدة في قراءة النص األدبي وفق ما

تفتضيه المقاربة األنثروبولوجية.‏ ضمن هذا األفق الذي يؤطر هذا الفصل نصوغ اإلشكالية التالية،‏ والتي تشكل

قلقه وترسم مساره البحثي وهي:‏ ما هي اآلليات النقدية التي تقوم عليها المقاربة األنثروبولوجية لألدب؟

تحريكنا لهذه اإلشكالية اقتضى منا تشجير الفصل إلى المحاور التالية:‏

مفهوم مصطلح األنثروبولوجيا وفروعها

عالقة األنثروبولوجيا بالسرد الروائي.‏

الجمالية األدبية للمعطى األنثروبولوجي في السرد الروائي.‏

آليات المقاربة األنثروبولوجية للسرد الروائي.‏

-

-

-

-

في مفهوم مقاربة

مصطلح األنثروبولوجيا وفروعها العلمية

اإلطار

1- المفاهيمي لمصطلح األنثروبولوجيا

1.1 المفهوم االشتقاقي:‏

تعود أصول مصطلح األنثروبولوجيا إلى اللغة اليونانية.‏ وينقسم إلى شقين

0.1

،(anthropos) ويُقصد بها

اإلنسان أما ،(logs) يقصد بها العلم أو الدراسة،‏ وبالتالي فإن األنثروبولوجيا هي العلم الذي يدرس اإلنسان . 1

المفهوم االصطالحي:‏

ورد المفهوم اإلجرائي لمصطلح األنثروبول و جيا في المعجم األجنبي،‏

بأنه العلم الذي يدرس الخصائص

العامة والمتباينة للحياة البشرية من جوانبها البيولوجية والبشرية.‏ وبالمعنى الضيق هي دراسة المجموعات البشرية

في تنوعها . 1

: 1 يُنظر:‏ محمد اسماعيل)زكي(،‏ األنثروبولوجيا والفكر اإلسالمي،‏ ‏)د.ط(،‏ الرياض،‏ دار الزهراء،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏

0220 ص‎77‎‏.‏

30


وقد عرفت ‏"مارجريت

ميد"‏Mead Margaret

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

‏)‏‎1021‎م-‏‎1018‎م(‏ األنثروبولوجيا بأنها وصف

‏"الخصائص اإلنسانية البيولوجية والثقافية للنوع البشري عبر األزمان وسائر األماكن ‏]وتحليل[‏ الصفات البيولوجية

للجماعات البشرية،‏ مثلما تعنى بدراسة

الثقافية المحلية...كما تهتم بوصف وتحليل النُظم االجتماعية."‏ 2

نواحيها البيولوجية ودراسة تفصيالتها الجسمية وخصائصها الثقافية في كل زمان ومكان.‏ وتسعى أيضا إلى

تحليل البنية االجتماعية التي تعيش ضمنها هذه الجماعة اإلثنية.‏

تستمد األنثروبولوجيا جاذبيتها في البحوث العلمية،‏ من حيث إنها شمولية"‏ فهي تدخل في نطاق العلم،‏

ألنها تعتمد على كل من المشاهدة العلمية وعلى االستقراء العقلي.‏ كما تدخل في مجال الفن،‏ وذلك باعتبار

أن كل ما ينتجه عقل اإلنسان ويده من أفكار وأدوات ليستعين بها في إنجاز أعماله ولتسهيل أمور حياته اليومية

تعد عناصر ثقافية.‏ فإذا ما أضيفت لها لمسات جمالية تعد فلكلورا...،‏ وتدخل في مجال الفلسفة ومجال

األخالق وكذلك مجال الدين"‏ . 3 إذن تتسع لتلمّ‏ بجميع جوانب حياة اإلنسان.‏

0. فروع األنثروبولوجيا:‏

تنقسم األنثروبولوجيا إلى عدة فروع.‏

وقد ألزمنا موضوع البحث باالكتفاء ببعض منها وهي:‏

اإلثنوغرافيا 1.0

ترتبط اإلثنوغرافيا بالمالحظة والمشاهدة العينية لمجتمع الدراسة إذ تكتفي ب ‏"مراقبة بعض الجماعات

Ethnografy

الثقافية أو االجتماعية خالل فترة تاريخية محددة بهدف الحصول

البشرية وتحليلها من خالل خصائصها."‏ 4

على المعلومات المكملة إلنجاز البحث األنثروبولوجي.‏ ومن هذا المنطلق فإن جوهر اإلثنوغرافيا يقوم ‏"على

1 :« L anthropolpgie est ou.au sens large ;la sciene qui étudie les propriétés

générales et défférenciées de la vie humain sous ses aspests biologiques et

sociaux au étroit .l’anthropologie étudie les groupes humains dans leur

diversité »voir Bruno(Alain) et Elleboode (christian) Dictionnaire déconomie et

de sciences sociales Rev ellipses édition marketing paris 2010 p36.

.25

2

3

4

فهيم ‏)حسين(،‏ قصة األنثروبولوجيا،‏ ‏)د.ط(،‏ الكويت،‏ عالم المعرفة،‏ ‏)دت(،‏ ص‎22‎‏.‏

شويقة ‏)عبد الجواد(‏ واَخرون،‏ الموسوعة اإلفريقية،‏ مج الرابع،‏ األنثروبولوجيا،‏ ‏)د.ط(،‏ الهاهرة،‏

مصر،‏ مركز البحوث والدراسات اإلفريقية،‏ القاهرة،‏ 2112، ص المقدمة.‏

ليفي شتراوس ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا البنيوية تر مصطفى صالح،‏ ‏)د.ط(،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ منشورات

وزارة الثقافة واإلرشاد القومي،‏‎2122‎ ص،‏

31


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

فالمعطيات اإلثنوغرافية

جمع الوقائع واألدلة،‏ التي تبقى غير مفهومة،‏ إذا لم يتم تفسيرها في إطار إثنولوجي"‏ 1

هي معطيات أولية يتم جمعها من الميدان وتوصيفها ثم تأتي مرحلة أخرى يُطلق عليها باإلثنولوجيا لتفسر لبس

وغموض هذه المعطيات.‏

لكن هناك عدة مشكالت تواجه اإلثنوغرافي،‏ منها أنه يتوجب عليه:‏ ‏"أن يكون متابعا لعملية جمع

المعلومات،‏ بشكل روتيني وآلي وهو ما عليه فعله بالطبع...‏ الكثرة في التراكيب المفهومية المعقدة...وعليه أن

يجهد أوال لفهمها واستيعابها ومن ثمة تقديمها للقارئ...‏ وهذا يشمل مراقبة المخبرين ومراقبة الطقوس

واستخراج العالقات القرابية...وصوال إلى كتابة يومياته"‏ . 2 تجعل هذه العملية اإلثنوغرافي يبذل مجهودات

مضاعفة،‏ فباإلضافة إلى اإلقامة الطويلة في مجتمع الدراسة يجد نفسه يواجه حياتهم المعقدة والغريبة على نمط

حياته وطقوسه لذلك يكون ملزما بالمعرفة العميقة لكل ما يالحظه.‏ ثم يقوم ب تدوين هذه المعطيات ‏"ترتيبها

فاالثنوغرافي

وتصنيفها طبقا ألسس منهجية منظمة دون أي محاولة للتحليل أو التأويل أو التفسير أو المقارنة"‏ 3

يقتصر عمله على جمع وتقديم المعلومات دون طرح تحليالت أو تفسيرات أو مقارنات.‏

Ethnology

اإلثنولوجيا 0.0

اإلثنولوجيا أحد الفروع التي تنتمي إلى الحقل األنثروبولوجي.‏ وقد وضع كلود ليفي شتراوس متصورا

معرفيا لها،‏ إذ تقوم على استخدام"‏ الوثائق المقدمة من طرف اإلثنوغرافي استخداما مقارنا"‏ ، 4 فيقوم بمقارنتها مع

دراسات سابقة لنفس المجتمع أو مقارنة هذه المعطيات مع شبيهاتها لدى مجتمعات أخرى.‏ ومن هنا فإن

عمل األنثروبولوجي مخبري ومكتبي ال يعتمد على التنقل الميداني المباشر.‏ ولعل هذا التصور هو ما دفع كلود

1

2

ليفي شتراوس ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا البنيوية تر مصطفى صالح،‏ ص‎00‎‏.‏

كليفورد غيرتز،‏ تأويل الثقافات،‏ تر:‏ محمد بدوي،‏ ‏)د.ط(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ المنظمة العربية للترجمة،‏

0222، ص‎12‎‏.‏

4

3 شويقة ‏)عبد الجواد(‏ واَخرون،‏ الموسوعة االفريقية،‏ ص‎22‎‏.‏

ليفي شتراوس ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا البنيوية تر مصطفى صالح،‏ ص‎25‎‏.‏

32


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

ليفي ستراوس يتخلى عن الدراسات الميدانية ويكتفي بالبقاء في مكتبه يناقش الواردات اإلثنوغرافية ويصيغ

النظريات األنثروبولوجية.‏ عطفا على ما سبق ذكره،‏ فإن فمهمة الباحث اإلثنولوجي تتمثل في دراسة التصنيفات

العنصرية والثقافيّة واللغويّة ومحاولة الكشف عن التطورات والتغيرات التي حدثت في الماضي بين الشعوب وسبل

االتصاالت الثقافية بينها . 1 كما أنها ‏"تختص بدرجة كبيرة بالخلفيّة التاريخيّة للثقافات.‏ ويطلق على هذا الجانب

من اإلثنولوجيا التاريخ الثقافي " 2 ، الهتمامه بمعرفة أصل الحضارات والثقافات لدى الشعوب.‏

هذه المفاهيم اإلثنوغرافية واإلثنولوجية واألنثروبولوجية هي ‏"ثالث مراحل متعاقبة لنفس العلم:‏ اإلثنوغرافيا

مالحظة وجمع المعطيات،‏ اإلثنولوجيا تركيبات أولية،‏ األنثروبولوجيا تركيبات وتعميمات نظرية"‏ . 3 وعليه فإنّ‏

األنثروبولوجيا هي العلم الذي يؤطره هذان المفهومان اإلثنوغرافيا واألنثروبولوجيا ويشكالن مراحل بحثه العلمي.‏

وقد تفرع عن األنثروبولوجيا عدّة فروع علمية أخرى ويختص بحثنا باألنثروبولوجيا االجتماعية

واألنثروبولوجيا الثقافي.‏

.2.0

األنثروبولوجيا االجتماعية

Social Anthropology

تهتم األنثروبولوجيا االجتماعية بالهياكل االجتماعية وخاصة بالتقسيم الطبقي وبنظم القرابة.‏ كما تسعى

إلى تنظيم الحياة االجتماعية على نطاق عالمي . 4 ويتمحور المفهوم الذي يشكل أساس التصور النسقي

لألنثروبولوجيا االجتماعية عند إيفانز بريتشارد

Evans Pritchard Edward

‏)‏‎1020‎م-‏‎1012‎م(‏

وهو مؤسس هذا الفرع في بريطانيا-حول دراسة " السلوك االجتماعي الذي يتخذ في العادة شكل نظم

اجتماعية مقررة،‏ كالنظام العائلي أو القرابي،‏ والنظام السياسي والنظام الديني والنظام االقتصادي وغيره.‏ كما

يدرس العالقة بين هذه النظم سواء في المجتمعات المعاصرة أو في المجتمعات التاريخية"‏ ، 5 أي المجتمعات

1

ليفي شتراوس ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا البنيوية،‏ ص‎32‎‏.‏

2 شويقة ‏)عبد الجواد(‏ واَخرون،‏ الموسوعة اإلفريقية،‏ ص‎22‎‏.‏

3 حبيدة ‏)محمد(‏ وآخرون،‏ من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ‏)د.ط(،‏ المغرب،‏ إفريقيا الشرق،‏

0222، ص‎02‎‏.‏

4 " L’anthropologie sociale proprement dite s’interesse aux structures sociales ;en

particulier à la stratification et aux systèmes de parenté des différentes sociétés

et cherche à d’organisation de la vie sociale à portée eventuellement

universelle. " Voir alain bruno et christain elleboode ;dictionnaire d’economie et

de science sociales ;p 37.

5

شويقة ‏)عبد الجواد(‏ واَخرون،‏ الموسوعة اإلفريقية،‏ ص‎22‎‏.‏

33


ثرا

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

القديمة.‏ وعليه فإنّ‏ األنثروبولوجيا االجتماعية تهتم بنظم المجتمع من الناحية االجتماعية واالقتصادية والسياسية

وعالقاتها مع بعضها،‏ سواء في العصر الحالي أو في العصور القديمة.‏

ويركز ‏"جيمس فريزر على ‏"الكشف عما يسميه بالقوانين العامة التي تحكم الظواهر وتفسر ما في

المجتمعات اإلنسانية،‏ حتى تتمكن من استشراف مستقبل البشرية استنادا إلى تلك القوانين االجتماعية"‏ ، 1 عن

طريق اَثارها المادية أو الفكرية.‏ أمّا المجتمعات المعاصرة فتتم هذه العملية عن طريق الدراسة الميدانية ألجل

التنبؤ بمستقبلها،‏ فالبنية االجتماعية لب موضوع األنثروبولوجيا االجتماعية.‏ وعلى الباحث أن ينظر إلى

المجتمع قيد الدّراسة كوحدة متبادلة التأثير والتأثر،‏ وأن يتخذ كل األنساق االجتماعية والنظم التي يتألف منها

هذا البناء محط اهتمامه،‏ حتى يتسنى له التعرف على وظائفها في الحفاظ على استمرارية وتماسك البناء

االجتماعي

الكلي . 2

Cultural Anthropology

2.0

األنثروبولوجيا الثقافية

يهتم هذا الفرع من األنثروبولوجيا بدراسة ‏"مخترعات الشعوب البدائية وأدواتها وأجهزتها وأسلحتها وطراز

مساكنها وأنواع األلبسة التي تلبسها والزينة التي تستعملها وفنونها وآدابها وقصصها وخرافاتها"،‏ 3 وكل ما من

شأنه أن يحمل بذور ثقافة هذا الشعب سواء كانت مادية ‏)األدوات،‏ األسلحة،‏ األلبسة ...(، أو ال مادية من

قبيل ‏)الفن،‏ األدب بجميع أجناسه...(‏ بوصف هذه التقنيات من محددات النمط الثقافي لكل جماعة إثنية.‏

2. األنثروبولوجيا والسرد الروائي عالقة تكامل:‏

المعارف.‏

يتميز النص األدبي بأنه منجز

فهو

حظيت به األسطورة

ينقل عبره صاحبه

الرموز،‏

يشكل ذاكرة لألجيال الماضية أو جيل المؤلف نفسه.‏ لهذا هو

لدى المهتمين

واألساطير،‏ والعادات والتقاليد وغيرها من

بها.‏ فعندما نطالع نصا أدبيا فإننا في مواجهة مباشرة مع

يحظى باالحترام نفسه الذي

نا الثقافي،‏ ت

لذلك فإن المقاربات النقدية التي اشتغلت عليه في معزل عن نسقه الثقافي جردته من ثرائه وثروته.‏ ومن هنا فإن

المقاربة األنثروبولوجية قد تكون من بين أنسب المقاربات النقدية للنّصوص األدبية.‏

1

كردي ‏)ربيع(،‏ البنائية الجديدة في علم االجتماع واألنثروبولوجيا،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ مصر،‏ مصر العربية

للنشر والتوزيع،‏ 0222، ص‎25‎‏.‏

: 2 يُنظر،‏ شويقة ‏)عبد الجواد(‏ واَخرون،‏ الموسوعة اإلفريقية،‏ ص

باقار ‏)أبو بكر(‏ ورشيق ‏)حسن(،‏ األنثروبولوجيا في الوطن العربي،‏ ‏)د.ط(،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ دار الفكر،‏

ص‎25‎‏.‏

.23

3

34


ويمثل األدب مستندا من المستندات التي يعتمد عليها

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

‏"سواء كان

األنثروبولوجي هو نفسه

من قام

بالدراسة اإلثنوغرافية أم ال،‏ فإن هذا األخير يمكن أن يتخذ من النّص أو العمل األدبي موضوعا مثله مثل الواقعة

أو الحدث الثقافي واالجتماعي من خالل بسط أبعاده األنثروبولوجية للتحليل."‏ 1 النّص األدبي يمثل الوثيقة

اإلثنوغرافية التي يعتمدها الباحث األنثروبولوجي الحتوائه على ذرات ثقافية،‏ لم يستطع المبدعون التغاضي عنها

أثناء التأليف.‏

تكشف القراءة العميقة للنص األنثروبولوجي،‏

األنثروبولوجيا

الرمزية

سواء كان ينتمي إلى االتجاه

أو االنتشاري أو التطوري

عن العمق السردي لهذا النّص العلمي الذي يعكف األنثروبولوجي على كتابته.‏ إذ ال

يستقيم هذا النّص دون استحضار عنصرين أساسيين وهما السرد والحوار،‏

مادام هذا النص ليس وليد التفكير

اإلبداعي للباحث،‏ وإنما نتاج ثقافي لعينة من األهالي.‏ لذلك يصعب بناء هذا النص بدون وجود السرد والحوار.‏

فالسرد مكون جوهري،‏ ألن الباحث األنثروبولوجي ال يمكنه نقل حياة المجتمع إلى صلب التجلي دون سرد.‏

الحوار ويتمظهر

في المحادثات الجامعة

الباحث بين

والمستجوبين/المختبرين،‏

حيث تكشف هذه

الحوارات االنتماءات الثقافية واالجتماعية ألهالي الدراسة.‏ وفي هذا اإلطار فإن الكتابة األنثروبولوجية تتماس مع

الكتابة السردية في البنية القصصية.‏

حيث نجد تحول الباحث في الميدان إلى مؤلف خالل كتابة ونقل البحث

األنثروبولوجي الذي يقتضي منه تغيير المنظورات السردية بالنسبة لمالحظة الطقوس والشعائر.‏ وبناء عليه

فاالنتقال من الميدان إلى النص يقتضي منا تغيير المصطلحات،‏

فاألهالي يصطلح عليهم الشخصيات والباحث

‏/مؤلف والحكاية المشافهة والخطاب الشفهي يصبحان نصا روائيا مكتوبا وفق المنظورات السردية المناسبة.‏ 2

1.2 الجمالية األدبية للمعطى األنثروبولوجي:‏

إليه،‏

نوعا

استجابت الرواية العربية إلى الدعوات المطالبة بالعودة إلى التراث ليس لتمجيده أو تقديسه أو الحنين

بل لمساءلة الماضي والوقوف على خصائصه وهويته المميزة.‏ فصار التعامل مع التراث والنزوع إلى استغالله

جديدا من أنواع الوعي الساعي لتأسيس نص روائي عربي مختلف،‏ يجسد الخصوصية الحضارية

1

أبالل ‏)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ دراسات في أنثروبولوجيا السرد العربي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ روافد

للنشر والتوزيع،‏ 0222، ص‎222‎‏.‏

2

ينظر،‏ أبالل ‏)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ دراسات في أنثروبولوجيا السرد العربي،‏ ص‎22-22‎‏.‏

35


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

والمجتمعية لألمة العربية.‏

فالتراث الفكري

هو األكثر تمثيال لذاكرتنا وهويتنا،‏

ألنه يرتبط ارتباطا

بالواقع وثيقا

ويجسد بإخالص آمالها وطموحاتها.‏

المعيش للمجتمعات.‏ 1

امتحت الرواية من هذا المعين الثّري،‏ فغدت شكال من أشكال التعبير االجتماعي المحتذى به ، 2

فالكتابة الروائية هي ‏"إحدى أيقونات الحياة التي يمكن أن تختصر التاريخ والجغرافيا وتشير إلى أهم العناصر

ومن هذا المنطلق أصبح ‏"النّص الروائي من أخطر الوسائل التي

الفاعلة التي كوّنت البنية الثقافية واالجتماعية ". 3

تعبر عن األنثروبولوجيا الثقافية للشعوب وتميط

اللثام

عنها".‏ 4 والسبب االَخر الذي يجعله

هو سرديته التي تفرض عليه االتسام بالرحابة"‏ والقدرة على دمج ما تحت األدبي باألدبي"‏ . 5

عمليّة التسريد العناصر الدّالة على البنية الثقافية

باستخدام

‏)العناصر األنثروبولوجية(‏

مستوعبا لهذا المعين

بفعل إذ تتحول

إلى عناصر سرديّة أو روائية فنية"‏ 6

جماليات الكتابة الروائية.‏ وتصبح العالقة بين األنثروبولوجي والجمالي عالقة تبادل منافع،‏ فالنص

يحوّل األنثروبولوجي إلى

قضية جمالية،‏

المبدع بأبهى صوّره أمام المتلقي.‏

وتأسيسا على ما سبق طرحه،‏ فإنّ‏

واألنثروبولوجي يدّعم النص ويدفع عنه شبهة التّطرف الثّقافي.‏

النص

الروائي يستوعب

مجموع األنسقة التي انبثق

عنها،‏ ‏"لذا

فيظهر

ال

يمكن فهمه متكامال إال من خالل السياق الثّقافي...لهذا أصبحت دراسة األدب بالمنهج النقدي الحديث

تتطلب بالدرجة األولى دراسته من خالل هويته الثقافية ". 7

تأثيرها على تمفصالته.‏ ثم إن

فالسياقات الثقافية المصاحبة إلنتاج النص تمارس

‏"مهمة األدب األساسية هي أن يبدع الجمال،‏ ولن يتاح له ذلك،‏

إالّ‏ إذا عكس

وال نقصد هنا النظرية االنعكاسية،‏ بل نقصد تفكيك عناصر

فنيا المسائل الجوهرية التي يطرحها عصر المبدع".‏ 8

1

ينظر،‏ يقطين،‏ ‏)سعيد(،‏ الرواية والتراث السردي،‏ من أجل وعي جديد بالتراث،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ المركز

الثقافي العربي،‏ 2110، ص‎222‎‏.‏

2

مرتاض ‏)عبد الملك(،‏ نظرية الرواية،‏ ‏)د.ط(،‏ دار المعرفة،‏ الكويت،‏

العجيلي،‏ ‏)شهال(،‏ الخصوصية الثقافية في الرواية العربية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ الدّار المصرية اللبنانية،‏

2112، ص‎72‎‏.‏

3

0222، ص‎22‎‏.‏

4

.20

5

7

8

م س،‏ ص

العجيلي،‏ ‏)شهال(،‏ الخصوصية الثقافية في الرواية العربية،‏ ص‎20‎‏.‏

6 م س،‏ ص‎22‎‏.‏

محمد إسماعيل ‏)زكي(،‏ األنثروبولوجيا والفكر اإلسالمي،‏ ص‎212‎‏.‏

عبد ‏)ميخائيل(،‏ أسئلة الحداثة بين الواقع والشطح،‏ ‏)د.ط(،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ منشورات اتحاد كتاب

العرب،‏

،2112 ص .221

36


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

العالم المعطى وإعادة بنائها بالفعل التخيلي الذي يقود الواقعي إلى التخييلي والتخييلي إلى الواقعي . 1 وهنا يجب

إبراز مقومات الفعل التخييلي وهي ثالثة أفعال منفصلة:‏ االنتقاء،‏ والتركيب والكشف الذاتي.‏ إذ يبنى النص على

فعل االنتقاء الذي يشمل األنساق األدبية واالجتماعية والتاريخية والثقافية.‏

ال يحمل النص كل المرجعيات المجاورة له،‏

لهذا فإن كل مؤلف يمارس عملية االنتقاء ويعيد بناء هذه

العناصر المنتقاة وفقا لرؤيته السردية لخدمة المتخيل الفني وقصدية النص.‏ فهذه العناصر

ليست تخييلية في

ذاتها،‏ وإنما عملية االنتقاء هي الفعل التخييلي 2 ‏.ثم يأتي فعل التركيب الذي ينهض على تجميع العناصر الخارج

نصية وإعادة تشكيليها ودمجها في بناء الكون التخييلي الذي تنتظم فيه الشخصيات واألفعال.‏ وأخيرا يأتي فعل

الكشف الذاتي.‏

فالنص يكشف عن بعده التخييلي من خالل اإلشارات التعاقدية التي يلمح بها إلى القارئ.‏

لكن بعض النصوص األدبية تجهد نفسها إلخفاء طبيعتها التخييلية،‏

ليس لقصد الخداع،‏

تقديم قراءة لواقع معطى ال يمكنه أن يقوم بهذه القراءة إال إذا كانت طبيعته التخييلية مكشوفة.‏ 3

وعليه فإن حضور األنثروبولوجيا الممثلة في األبعاد الثقافية والتاريخية واألسطورية والشعبية

وإنما غرض التخييل

في النص

الروائي ليس حضورا تزينيا،‏ وإنّما يحمل رسالة مشفرة توجب على المتلقي تفعيل أدواته القرائية للوصول إلى

الدالالت الممكنة

. آليات المقاربة األنثروبولوجية لألدب:‏

4

1.2 المفهوم اإلبستمولوجي للمقاربة األنثروبولوجية لألدب:‏

تعتمد القراءة األنثروبولوجية من الناحية المعرفية على األسس النظرية والمنهجية لألنثروبولوجيا.‏

‏"وتنظر إلى النصوص والخطابات على أنها منتجات ثقافية،‏ يتشكل شكلها ومعناها بواسطة سياقات

اجتماعية وتاريخية محددة،‏ وبالتالي يتطلب فهم هذه النصوص مراعاة القيم الثقافية والهياكل االجتماعية التي

تحدّ‏ هذه النصوص والخطابات.‏ تركز القراءة األنثروبولوجية على تفسير المعاني الضمنية والصريحة للنصوص،‏

من خالل الكشف عن التمثيالت الرمزية،‏ واأليديولوجيات،‏ وعالقات السلطة والعمليات االجتماعية الموجودة

1

فولفغانغ أيزر،‏ التّخييلي والخيالي من منظور األنطروبولوجية األدبية،‏ تر،‏ لحميداني

‏)الجاللي(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ ‏)د.ب(،‏ مطبعة النجاح الجديدة،‏

2 م س،‏ ص‎22‎‏.‏

ينظر،‏ فولفغانغ أيزر،‏ التّخييلي والخيالي من منظور األنطروبولوجية األدبية،‏ ص‎21‎‏.‏

‏)حميد(‏ والكدية

2112، ص‎22‎‏.‏

3

37


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

فيها.‏ كما تركز أيضًا على عملية إنتاج النصوص،‏ من خالل فحص الفاعلين االجتماعيين المشاركين،‏ وآليات

اختيار وانتشار المعرفة،‏ والقضايا السياسية واأليديولوجية المحيطة بها.‏

مقاربة هي المعرفية

أي أن

القراءة األنثروبولوجية من الناحية

تهدف إلى فهم النصوص والخطابات من خالل مفاهيم وأساليب ونظريات األنثروبولوجيا.‏

وتلقيها"‏ 1

بالتركيز على الجوانب الثقافية واالجتماعية والرمزية

يفرضه الواقع الخارج النصي وثقافة القارئ.‏

للنصوص،‏ فضالً‏ عن عمليات إنتاجها

وفقا لما

0.2 آليات المقاربة األنثروبولوجية:‏

1

La lecture anthropologique est une démarche qui, prenant le texte littéraire

comme objet d'observation et d'analyse, reconstruit ce texte comme une réalité

ou un fait anthropologique complexe, en découvrant la cohérence des

significations et des signes formulés par des approches rationnelles, empruntées

aux Sciences Humaines, ainsi que la cohérence des champs anthropologiques

perçus et construits par ces mêmes approches.Elle se définit comme une

démarche de la connaissance qui, partant de savoirs préalablement maîtrisés par

le lecteur, aboutit à l'élaboration et à la production de nouveaux savoirs.

Démarche complexe, qui articule, sur le plan méthodologique, les procédures de

repérage des signes composant le texte, sans exclure a priori l'une ou l'autre

partie de ces signes et, quellequ'en soit la nature, mais en s'efforçant de les saisir

dans leur ensemble et dans leur spécificité, la lecture anthropologique s'emploie

à rendre compte de la complexité ainsi découverte. Allant jusqu'au bout du

compte rendu et de la compréhension de l'œuvre ou du texte qu'elle lit, cette

lecture, au-delà des interprétations émergeant des approches convoquées, fait

apparaître le principe organisateur des signes et de leurs significations.

Considérant l'œuvre littéraire comme une production culturelle et tirant les

conséquences de cette nature dans l'acte même de la lecture, cette démarche

n'hésite pas à dire le rapport que l'œuvre entretient avec le système culturel qui

l'a produite et à organiser, à partir de son principe générateur de sens,

l'interprétation des significations intermédiaires préalablement obtenues.

Donnant ainsi cohérence à des interprétations en apparence distinctes ou

disparates, puis-que s'appuyant sur des prises d'informations partielles ou sur des

présupposés méthodologiques eux-mêmes partiels, voire partiaux, la lecture.

Jean Pierre Gerfaud ; Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au Pluriel( Enjeux Et

Méthode D’une Lecture Anthropologique ; De Boeck& Larcier 2004 ;

Bruxelles, p 25 .

38


السردية

وتقوم المقاربة األنثروبولوجية

المنتخبة للدراسة،‏ ‏"ذلك

التي نعتمدها

والكاتب...من خالل صوره االستعارية ‏)السارد("‏ 1

سابقا

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

في الشق التطبيقي من بحثنا على القراءة العميقة للمتون

أنّ‏ القراءة التي نقصد عبارة عن تفاعل جدلي بين القارئ والنص

مادام كال من الكاتب والقارئ ينتميان إلى الثقافة باعتبارها

نصا والتي تنتقل عناصرها إلى النص تخييليا وفق تركيب رمزي يعتمد على الفعل التخييلي الذي حددنا مفهومه

سنعتمد القراءة األنثروبولوجية لألدب وفق المقاربات النقدية الممثلة في المقاربة الرمزية التأويلية،‏ ودمجها

مع المقاربة التي اقترحها جون بيير جيرفور وبيير طوريل في إطار المثاقفة المنهجية بين المقاربات القرائية اآلتية:‏

المقاربة

ميخائيل باختين.‏

كما

السيميائية والمقاربة االجتماعية والمقاربة الميثونقدية

والمقاربة النفسية

والمقاربة الحوارية التي اقترحها

ألنّ‏ النصوص الروائية نصوص ثقافية تتطلب قراءة مكثفة ‏"وكل تجزيء لهذه النصوص وفق

وتحدّ‏ من الدالالت العميقة للنص.‏

مقاربات نقدية أحادية يشكل مجازفة تقيد أفق القراءة والتأويل"‏ 2

تعتمد القراءة األنثروبولوجية على وجود تقاربات بين

التحليالت

المختلفة التي تقترب من النص.‏

‏"كما تعترف القراءة األنثروبولوجية بضرورة وجود تعدد في المناهج،‏ حيث يساهم كل منهج بما يميزه في تحقيق

توضيح خاص

للواقع النصي والواقع األنثروبولوجي الذي يمثله.‏

إلى فهم أكثر اكتماال لهذا العمل األدبي"‏ . 3

النقدية السابقة

لذلك فإنها تسعى من وراء هذا الدمج الوصول

ومن هنا استفادت القراءة األنثروبولوجية لألدب من كل المنجزات

وسيكون اختيارنا آلليات القراءة النقدية وفقا ألنساق النص المعالج.‏

2

1 عياد)أبالل(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎222‎‏.‏

م س،‏ ص‎222‎‏.‏

3

Toute approche, pour estimable qu'elle soit, dans sa singularité, comme effort

de lecture et pour efficace qu'elle puisse être dans la production d'un discours

particulier, n'en est pas moins réductrice de l'œuvre et du lecteur lui-même,

contraint à ne proférer qu'un sens fragmentaire, incomplet, partiel, voire partial .

Si l'on pose comme hypothèse que le texte, dans sa complexité et dans sa nature

anthropologique, n'est pas réductible à une approche particulière et à l'objet

construit par cette approche, il reste que la nature anthropologique du texte doit

pourtant se révéler à travers les significations déployées par les procédures et les

significations déployées par cette approche, quelle qu'elle soit, comme doivent

transparaître aussi les limites de la réceptivité anthropologique de cette

approche. Compte tenu des enjeux théoriques et pratiques d'un tel jugement,

39


ثحي

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

فالنص األدبي نص موسوعي ينتقي صاحبه أثناءكتابته بنياته النّصية من مختلف العلوم.‏ فأي رواية ستضم

في نسيجها حتما

حرف

"

عناصر تاريخية،‏ وعناصر نفسية وعناصر جغرافية،‏ وعناصر اجتماعية

...

1 "

فإذا بك تتحول

وأنت تقرأ هذه الصفحة إلى مؤرخ وجغرافي ومحلل نفسي أو نفساني وعالم اجتماع…‏ قد يقول البعض:‏ ما

يجب أن نهتم به هو ما يسمى بأدبية النص،‏ الصيغة األدبية للنص،‏ وكفى.‏ لكن ماذا سنفعل بالباقي؟ هذا

باإلضافة إلى أن الدراسات التي أنجزت لحد اآلن حول أدبية النص هي دراسات في اعتقادي هزيلة.‏ هل نقول

نترك كل العناصر التي أشرت إليها للمختص؟ مثالً‏ عالم االجتماع نترك له دراسة المحتوى االجتماعي للنص،‏

وهكذا.‏ لكن المسألة ليست بهذه البساطة.‏ ذلك أن المختص نفسه يتحول عندما يدرس األدب الى متعدد

وعليه يجب على القارئ أن يكون ملما بمختلف العلوم والدراسات الحديثة والقديمة،‏ وهذا األمر

يتعلق بثقافته ومرجعياته،‏ حتى يكون بمستوى النص،‏ فتصبح قراءته نصا آخر ويفتح الدالالت ال يحدها.‏

وانطالقا من هذا التعقيد الذي يصبغ النص،‏ نتصور أ ‏ّن النسق الدّاخلي للنص يتكون من أنساق الداللة،‏

لكل نسق نمط خاص في القراءة والتأويل."‏ لذلك ترى أن المشتغل باألدب يستعير أدواته ويلتقطها من

اللسانيات وعلم االجتماع...‏ يأخذ من هذه العلوم رغم عدم تخصصه في بعض األحيان،‏ ما يناسب النصوص

التي يدرسها والغرض الذي يرمي إليه من خالل

تتناسب مع هذه األبعاد الداللية لهذا النّسق.‏

دراسته".‏ 2

ومن هنا تأتي مقاربة كل نسق وفق مقاربة نقدية

Hermenutie Interpretive Symbolic

1.0.2

Anthropology

األنثروبولوجية الرمزية التأويلية

nous proposons de procéder à une lecture analytique d'un texte, en faisant appel

à une pluralité d'approches qui permettent, non seulement de repérer des signes,

mais aussi de poser les fondations de la synthèse ultérieur Jean Pierre Gerfaud ;

Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au Pluriel (Enjeux Et Méthode D’une Lecture

Anthropologique) p 22 .

1

عبد الفتاح كليطو وآخرون،‏ المنهجية في األدب والعلوم اإلنسانية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الدار البيضاء،‏ المغرب،‏ دار

توبقال للنشر،‏

عبد الفتاح كليطو وآخرون،‏ المنهجية في األدب والعلوم اإلنسانية،‏ ص‎72‎‏.‏

2122، ص‎72‎‏.‏

2

40


Texte

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

أرسى دعائم هذا االتجاه كيلفورد غيرتز وينطلق من االستخدام المجازي للثقافة،‏ على أنّها ‏"نص"‏

يحتاج القراءة والتأويل . 1 فالثقافة في تصوره هي ‏"نظام من المفهومات المتوارثة يعبر عنها بأشكال

رمزية.‏ وبواسطة هذه األشكال يتواصل الناس،‏ وبها يستديمون ويطورون معرفتهم حول الحياة"‏ ، 2 لتؤلف هذه

الرموز نصوصا ثقافية

، 3 Cultural Texts

لنتمكن فهم الظواهر الثقافية وربطها أنساقها بالتفاعالت

االجتماعية.‏ ويتطلب األمر التحليل التأويلي الذي يبحث عن تفسير الرمز بين الناس ألنهم هم من أضفوا المعنى

على األفعال والموضوعات.‏

فكل حدث/‏ ثقافي

ولتفسير الظواهر الثقافية نعتمد على رصيدنا التراكمي من الرموز ذات المعاني.‏ 4

ومن هنا عدّ‏

تحمل دالالت معينة عند الفاعلين،‏ بل هي رموز توجه الفعل االجتماعي"‏ 5

يضعنا ‏"أمام رموز

غيرتز كليفورد

‏"األنظمة االجتماعية الحاكمة لألفراد والجماعات ... أنساقا ثقافية".‏ 6

الفرد وفق ما يمليه عليه إيمانه به.‏ وقد شبهه ب DNA"

أفرادها.‏ 7

‏"مجموعة من األدوات

والنسق الثقافي يحكم

الرمزية التي تتحكم في سلوك

ألنها تنبع من ذاتيتهم وتعبيراتهم عن الحياة.‏ وعليه فإنه يصنّف كل شكل ثقافي بأنه شكل رمزي . 8

وتتمحور عملية التأويل من وجهة نظر غيرتز من خالل الكاتب األنثروبولوجي فهو المؤول األول للثقافة،‏ ألن

سكان المجتمع محل الدراسة في ممارستهم للفعل الثقافي ينتهجون طريقة غير مباشرة في فعل التأويل من

خالل اختياراتهم وفهمهم وتفسيراتهم للظاهرة الثقافية.‏

Theينظر،‏ Interpretation of cultures

.12

0222، ص‎220‎‏.‏

1

4

تبلورت األنثروبولوجيا التأويلية بعد سلسلة األبحاث الميدانية التي قام بها كليفورد غيرتز في المغرب

وجنوب شرقي إندونيسيا وجمعها في كتابه تأويل الثقافات

حافظ األسود،‏ األنثروبولوجيا الرمزية،‏ دراسة نقدية مقاربة في فهم االتجاهات الحديثة في فهم الثقافة

وتأويلها،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ اإلسكندرية،‏ دار المعارف،‏

ينظر،‏ عياد أبالل،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎21‎‏.‏

2 كليفورد غيرتز،‏ تأويل الثقافات،‏ تر:‏ محمد بدوي،‏ ص‎221‎‏.‏

3 حافظ األسود،‏ األنثروبولوجيا الرمزية،‏ ص‎227‎‏.‏

ينظر،‏ م س،‏ ص‎005‎‏.‏

الرموز هي شيء أو حدث أو موضوع يضاف إليه معنى بواسطة البشر،‏ وحين يوظف في سياق رمزي

يأخذ معنى مختلف عما يأخذه من داللة معجمية،‏ ينظر:‏ محمد حافظ األسود،‏ األنثروبولوجيا الرمزية،‏

ص‎27‎‏.‏

5 حبيدة ‏)محمد(‏ وآخرون،‏ األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ ص

6 الخضراوي ‏)إدريس(،‏ األدب موضوعا للدراسات الثقافية،‏ ص‎15‎‏.‏

7 ينظر:‏ نادر)كاظم(،‏ تمثيالت اآلخر صورة السود في المتخيل العربي الوسيط،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ البحرين،‏

المؤسسة العربية للدراسة والنشر،‏

8 ينظر:‏ حافظ األسود،‏ األنثروبولوجيا الرمزية،‏ ص‎222‎‏.‏

0222، ص‎13‎‏.‏

41


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

تعتمد األتثروبولوجيا الرمزية الوصف المكثف Thick Despcription كأبرز آلية تأويلية.‏ يتميز بأربعة

خصائص،‏ وهي أوال أنه تأويلي،‏ وثانيا يرتبط هذا التأويل بالخطاب االجتماعي.‏ وثالثا يحافظ على ما يقال من

الظروف التي من الممكن أن تمحوه من خالل تثبيته في مصطلحات محددة.‏ وأخيرا يكون وصفا تفصيليا دقيقا

يصل إلى أدّق التفاصيل ، 1 ومن هذا المنطلق تكون القراءة األنثروبولوجية لألعمال الروائية مستعينة بأدوات

األنثروبولوجية التأويلية الرمزية.‏ وهذه األدوات هي:‏ السرد اإلثنوغرافي المكثف.‏ واألداة الثانية وهي تحليل

وتصنيف الرموز المهيمنة على النسق السردي تلك التي يوظفها النّص في سرد التفاصيل المتعلقة بالمضمرات

الثقافية للشخصيات.‏

ومن هنا،‏ فالقارئ هو قطب مركزي ضمن شبكة القراءة.‏ وهو متورط في عملية القراءة والتأويل المعتمدة

على الرموز ‏)الوسيلية،‏

المهيمنة )

التي هي الوساطة بين النص وبين السياق الخارج نصي . 2 وتصبح مقاصد

القراءة ردّ‏ ‏"النسق الداخلي للنص إلى سياقه الخارج نصي من خالل توضيح كيفية اشتغال النص رمزيا،‏ لكن

بشكل مندمج،‏ ألن التأويل الرمزي ال يستقيم إال باستحضار السياق الثقافي واالجتماعي"‏ 3 المحيط بهذا النص

ويحضر معهما الكاتب بكل حمولته الثقافية في النص مهما حاول عزل نفسه عن نصه.‏

0.0.2 المقاربة السيميائيةPerspective :Semiotics

يدين النسق الداخلي للنص للكاتب،‏ فهو المؤول األول لنص الثقافة،‏ لذلك فإن تحليل ‏"العالمات في

سياق السيمائيات ال ينفصل أنثروبولوجيا عن التأويل األنثروبولوجي الرمزي للمعنى والقيم التي ال تشير إلى نفسها

1

2

3

ينظر،‏ حافظ األسود،‏ األنثروبولوجيا الرمزية،‏ ص‎222‎‏.‏

وهي الرموز التي تستخدم لهدف معين سواء كان طقسا أو نمطا من أنماط التفاعل االجتماعي.‏

وهي الرموز التي تهيمن على الطقس ومن خصائصها تعدد المعاني الذي يشمل عدة موضوعات دون

أن تكون متناقضة،‏ يكثف التصورات واألفكار والمعاني،‏ وحدة المعنى الجوهري رغم االختالف

الظاهري،‏ تقاطب المعنى إذ يحمل الرمز المهيمن معنى فيزيولوجي ومعنى أيديولوجي ينظر محمد حافظ

األسود،‏ األنثروبولوجيا الرمزية،‏ ص‎202-203-202‎‏.‏

ينظر،‏ أبالل)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎201‎‏.‏

أبالل)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎203‎‏.‏

42


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

بقدر ما تشير إلى النسق الثقافي برمته الذي ال يظل حاضرا في التحليل فحسب بل يمنح القارئ أدوات التحليل

تتمثل هذه المؤشرات في تكرار ‏"لفظة معينة أو صور أو ألوان أو أعدادا

واإلحالة إلى السياق الخارج النّصي."‏ 1

تحملدالالت،‏ أما في الخطوة الثانية:‏ ‏"يتم تحديد هذه العناصر

تعتبر كلها عناصر قابلة لالستدالل كعالمات"‏ 2

وتفسيرها كعالمات،‏ وبعد تحديد هذه الهياكل وتفسيرها يجب تحديد مؤشرات نوعية أخرى،‏ كالخطابات

الشعرية أو النثرية التي تشكل البنية السطحية للنص.‏ ومكون من مكونات المسار التكويني للمعنى النصي 3

1.0.0.2 المستوى السطحي:‏

وهو أول خطوات القراءة،‏ ويّعنى بالبنية السطحية للنّص،‏ ‏"وفيه يخضع السرد بكل تمظهراته لمقتضيات المواد

فتكون الدالالت

اللغوية الحاملة...يتعلق األمر بالنص في تجلياته الخطية المباشرة كما يقرأه أي قارئ عادي".‏ 4

واضحة ومباشرة تفصح عن نفسها لكل القراء،‏ وال تحتاج علية التوصل إليها تفعيل أدوات قرآئية عميقة.‏

0.0.0.2. المستوى العميق:‏

أبالل)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎205‎‏.‏

2

Il s'agit de la répétition d'un lexème, d'une structure syntaxique, de la présence

de figures qui sont autant d'éléments informatifs immédiatement saisissables

comme indices porteurs de sens. Jean Pierre Gerfaud ; Jean Paul Tourrel ; La

Littérature Au Pluriel (Enjeux Et Méthode D’une Lecture Anthropologique) ,

p35.

3 Dans un deuxième temps, le travail de lecture consiste dans un repérage et une

modélisation des structures d'énonciation. Les indices personnels et situationnels

qui sont autant de notificateurs d'une situation d'énonciation seront recherchés

en priorité. Ces structures d'énonciation étant identifiées, reconnues et

interprétées comme signes, il convient de procéder au repérage d'autres

structures. Figures, thèmes discursifs correspondent à des structures d'un niveau

encore superficiel, celles de la composante discursive du texte. La configuration

des thèmes constitue dès lors un ensemble de signes qu'il s'agit moins

d'interpréter que de considérer comme les composants du texte et comme une

des instances du parcours génératif du sens du texte. « Dans cette perspective,

on entend par lecture la construction, à la fois syntaxique et sémantique, de

l'objet sémiotique rendant compte du texte-signe Jean Pierre Gerfaud ; Jean Paul

Tourrel ; La Littérature Au Pluriel (Enjeux Et Méthode D’une Lecture

Anthropologique) , p35.

بنكراد ‏)سعيد(،‏ السيميائيات السردية،‏ مدخل نظري،‏ ‏)دط(،‏ الرباط،‏ المغرب،‏ منشورات الزمن،‏

1

4

0222، ص‎52‎‏.‏

43


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

يشكل هذا المستوى الخطوة اإلجرائية الثانية،‏ وفيه تتجه الدالالت إلى العمق ‏"ويشكل جذرا مشتركا

فال تقدم الدالالت نفسها،‏ إال بعد تفعيل ميكانيزمات

تكون السردية داخله منظمة بشكل سابق عن تجليها".‏ 1

أكثر عمق تسمح بتقشير وتفكيك النسق الداخلي للبنية السردية،‏ وتشترط القراءة في هذا المستوى قارئا

نموذجيا حذقا يماثل الكاتب في المستوى المعرفي.‏

وتشتمل البنية السردية على تقابالت ثنائية تشكل في مجموعها ستة فواعل نصية،‏ يرتبط كل فاعلين

بمحور محدد.‏ فنجد " محور الرغبة:‏ هو المحور الذي يربط بين الذات والموضوع،‏ محور اإلبالغ:‏ وهو عنصر

الربط بين المرسل والمرسل إليه.‏ محور الصراع:‏ وهو ما يجمع بين المعيق والمساعد."‏ 2

2.0.2 المقاربة االجتماعية :Social Prespective

تُعنى هذه المقاربة والالوعي الجماعي الذي ‏"أنتج النّص والذي غذاه بالتوترات والتّطلعات واإلرغامات

أي النظر إلى هذه التصورات من وجهة نظر المجتمع/الشخصيات التي أنتجت هذه األفعال

التي تعبر عنه".‏ 3

والتي أعاد الكاتب إنتاجها في رموز وعالمات ال تحيا إال بالتأويل في سياق الرمزية التأويلية.‏ ال تشير هذه

التصورات إلى نفسها فقط بقدر ما تشير إلى النسق الثقافي برمته ‏"الذي ال يظل حاضرا في التحليل فحسب،‏

وتعزز الوعي بالتأثيرات االجتماعية التي

بل يمنح القارئ أدوات التأويل واإلحالة على السياق الخارج نصي."‏ 4

صنعت النّص.‏

تبرز في هذا الشأن نظرية سوسيولوجيا األدب.‏ وتمحورت جهود أبرز أتباعها ‏"بيير زيما"‏

Pierre

Zima

‏)‏‎1026‎م-‏‎0210‎م(‏ في إرساء منطلقين إجرائيين:‏ أوال بسط أبحاث مشروعه النقدي ليشمل كل

‏"وقد اقترح

النصوص األدبية وغير األدبية والمنطلق الثاني تحليل البنية األلسنية الخطابية والبحث عن وأصولها 5

عدة مفاهيم يعضد بها هذا المنطلق إجرائيا.‏ فنجد أوال:‏ الوضعية االجتماعية اللسانية التي تتمظهر ‏–بحسبه-‏ يف

1

2

بنكراد ‏)سعيد(،‏ السيميائيات السردية،‏ مدخل نظري،‏ ص‎52‎‏.‏

م س،‏ ص‎33‎‏.‏

3 permet de remettre au jour L’inconscient collectif social qui a produit le texte et

qui l’a nourri ses contraintes relève du champ ou des aspirations qui le traversent

Jean Pierre Gerfaud ; Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au Pluriel (Enjeux Et

Méthode D’une Lecture Anthropologique), p 17

4

أبالل)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎205‎‏.‏

بيير زيما،‏ النص والمجتمع،‏ تر:‏ أنطوان أبوزيد،‏ مركز دراسات الوحدة العربية،‏ ط‎2‎‏،‏

ص‎02‎‏.‏

،0227

5 ينظر،‏

44


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

البنية الخطابية والتخييلية للنص لقدرته على استيعاب المنظورات االجتماعية والفكرية الممحورة في الواقع

الخارجي."‏ 1

وإعادة تشكيلها في البنيات التخيلية للنص.‏

يضاف مفهوما آخر يزيد فعالية هذه المقاربة النقدية وهو اللغات االجتماعية.‏ وتتمثل في األلفاظ اللغوية

التي يتمثلها المعجم اللغوي لألفراد."‏ إن كل جماعة اجتماعية،‏ سياسية كانت أم دينية،‏ أم مهنية تستعمل

مجموع كلمات خاصا بها يميزها عن الجماعات اللغوية"‏ . 2 إذ تنصب الممارسة النقدية على هذا المفهوم

باعتبار الّنص حامال ألنساق فكرية مالئمة الشتراطات الواقع التقطها وقام بتجديلها مع التخييلي وهذا تأكيد من

‏"بيير زيما"‏ على تواشج هذه التراكيب االجتماعية وتشفيرها لمجموعة من الدالالت والمرجعيات االجتماعية

ومحاولة نقدية في دراسة النص األدبي من منظور سوسيونصي منفتحا على أدوات نقدية خصبت المنهج

االجرائي.‏

تنطلق أسس هذه المقاربة من مجموع اإلشكاالت التي تطرحها.‏ وتتمثل أبرز هذه اإلشكاالت في:‏ ‏"ما

هي العالقات التي يربطها النص بالواقع االجتماعي/‏ المرجعي؟ في المرحلة األولى:‏ قد يكون القارئ مطالبا

باستنباط عدة دالئل أو آثار تحيل إلى السياق في النص من قبيل المقدمة،‏ ومستوى اللغة،‏ وإشارات السيرة

الذاتية،‏ واألشياء،‏ والمعتقدات،‏ والشخصيات التمثيلية/‏ التاريخية لفترة زمنية معينة أو طبقة اجتماعية....‏ أما في

المرحلة الثانية:‏ يمكن للقارئ اكتشاف المجتمع الذي يمثله النص من خالل الدالئل التي تكشف عنه.‏ لكن ما

هي طبيعة هذه الدالئل؟

تتجلى هذه الدالئل في انتماء الشخصية لفئة اجتماعية ‏)جنس،‏ عمر،‏ طبقة اجتماعية،‏ إلخ(‏ أو المالبس

أو اللغة أو العالقات أو المعتقدات فيما بين الطبقات االجتماعية كمجموعات بشرية محددة وقياس العالقة

االجتماعية بين الشخصيات،‏ من خالل انتماءاتهم المتنوعة.‏ وفي المرحلة الثالثة:‏ قد يقوم القارئ باكتشاف رؤية

العالم التي تسود النص،‏ وفقا للمنهج المقدم من قبل لوسيان جولدمان

Lucien goldmann

‏)‏‎1012‎م-‏

‎1012‎م(‏ معتمدا عناصر مختلفة مثل المواضيع المتكررة،‏ والموقف أو التحوالت التي تشهدها الشخصيات،‏

والحالة النهائية لهذه التحوالت.‏ من بين هذه العناصر ذات الصلة أو الصلة السببية بالواقع المرجعي.‏ في المرحلة

1 ينظر،‏

2

بيير زيما،‏ النص والمجتمع،‏ ص‎02‎‏.‏

م س،‏ ص‎21‎‏.‏

45


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

الرابعة،‏ بناء على نموذج التحليل المقترح من خالل

يمكن للقارئ تحديد مجال سلطة النص.‏

بيير بورديوBourdeau Pierre

‏)‏‎1022‎م-‏‎0220‎م(،‏

بعد هذا اإلجراء يتضح تحديد موقف الكاتب من السلطة،‏ وهو موقف يجسده السارد.‏ وفي المرحلة

الخامسة،‏ يمكن للقارئ أن يبحث عن الدالئل التي تظهر الحدود االيديولوجية للنص،‏ بما في ذلك مواقف

الشخصيات المختلفة أو الخطابات التي يصدرونها.‏ 1

1

L'approche sociocritique fait du texte un objet social produit par une société à

un moment donné de son histoire Quels rapports le texte entretient-il avec la

réalité sociale de référence ? Dans un premier temps, le lecteur peut être sensible

à un certain nombre d'indices ou de traces d'une inscription du contexte dans le

texte (préface, niveau de langage, références biographiques, objets, mentalités,

figures représentatilans d'une époque ou d'une classe sociale...). Dans un

deuxième temps, la lecture peut découvrir, notamment dans une ceuvre du type

narratif, telle qu'un roman, la société de l'œuvre en mettant en évidence, à partir

d'indices ou de motifs qui la révèlent, la présence d'une société structurée et

hiérar- chisée. Quelle est la nature de ces indices ? L'appartenance d'un

personnage à une catégorie sociale (sexe, âge, classe sociale, etc.) s'impose

d'évidence ou peut faire l'objet d'une investigation particulière de la part du

lecteur. Le vêtement, le langage, les fréquentations, les mentalités lui permettent

de différencier les classes sociales comme autant de groupes humains

spécifiques et de mesurer le rapport social entre les personnages à partir de leurs

diverses appartenances. Dans un troisième temps, le lecteur peut entreprendre de

découvrir la vision du monde qui prédomine dans une œeuvre, suivant la

démarche mise en avant par L. Goldmann. Entreront dans ce processus d'analyse

de l'œuvre, différents indices ou signes tels que les thèmes récurrents, la position

ou les transformations acquises ou subies par les per- sonnages, l'état final de

ces transformations. Parmi ces éléments, pourrontêtre considérés, stricto sensu,

comme des indices, les éléments en relation de contiguïté ou de connexion

causale avec la réalité de référence. Dans un quatrième temps, s'appuyant sur le

modèle d'analyse préconisé par P. Bourdieu, le lecteur peut repérer le champ du

pouvoir de l'œuvre. Cette modélisation faite, il s'agira d'identifier, à divers

indices, la position qu'a privilégiée l'auteur dans ce champ du pouvoir, position

qui devient iconique de la prise de position de l'auteur lui-même dans le champ

littéraire, c'est-à-dire le champ contemporain de production des œeuvres. Dans

un cinquième temps, croisant la démarche d'Althusser et son concept d'«

46


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

2.0.2 المقاربة البوليفونية/‏ الحوارية:‏

الحوار مقوم أساسي من مقومات الرواية،‏ وقد أدرك روائيو الرواية الجديدة دوره في نقل األفكار واألوعاء

المتصارعة،‏ فأصبح يؤشر إلى"‏ التفاعل الفكري والصّراع اإليديولوجي بين شخصياتها...ألن الحوار المندمج في

الرّواية الحوارية هو تعبير تصارع أنماط الوعي،‏ والرؤى للعالم".‏ 1 فمن خالله يتم اإلفصاح عن وجهات رأيهم/‏

األيديولوجية.‏

ومن هذا المنطلق تأسس مفهوم جديد في النقد الروائي وهو ‏"الحوارية على )dialogism( على يد

الناقد الروسي ميخائيل باختين في كتابه " شعرية روايات دوستويفسكي"‏ في هذا الكتاب أجرى الناقد دراسة

مقارنة بين روايات دوستويفسكي وتولستوي وخرج بعدة استنتاجات كان أهمها أن روايات دوستويفسكي تخضع

للتعدد الحواري وتصارع األفكار واأليديولوجيات ‏"إنه خالق الرواية متعددة األصوات فلقد أوجد صنفا روائيا

جديدا بصفة جوهرية"‏ ، 2 بينما تخضع روايات تولستوي إلى مبدأ أحادية الصوت.‏ وهو صوت السارد المكلف

بنقل وعي تولستوي،‏ فشخصيات تولستوي مقيدة عكس شخصيات دوستويفسكي متحررة تعبر عن وجهة رأيها

بكل حرية.‏

والحوارية في شموليتها المفهومية هي ‏"اإلشارة إلى عالقة االستجابة والتبادل بين القارئ والنص،‏ عبر

المفردات التي تعتبر عالمات إيديولوجية تصنع بطريقة معينة حوارا مع اآلخر،‏ تجعله يدخل بسياقه الخاص في

idéologie » définie comme le moyen par lequel une société ou son élite sociale

ou intellectuelle assure le maintien et la survie de son pouvoir, le lecteur se met

en quête des indices manifestant les contours idéologiques de l'œuvre,

notamment à tra-ndices manifestant les contours idéologiques de l'œuvre,

notamment à travers les diverses attitudes des personnages, ou les discours qu'ils

profèrent. Ainsi on constate que les diverses approches qui constituent la

sociocritique mobilisent une variété d'indices qui, par certains côtés, réévaluent

la démarche sociocritique elle-même et lui donnent un certain crédit. Jean Pierre

Gerfaud ; Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au Pluriel (Enjeux Et Méthode

D’une Lecture Anthropologique),p 73 .

1 حميد لحميداني،‏ أسلوبية الرواية،‏ مدخل نظري،‏ منشورات دراسات سال،‏ 2121، الدار البيضاء،‏

ص‎12‎‏.‏

2 ميخائيل باختين،‏ شعرية ديستوفسكي،‏ تر،‏ جميل نصيف التكريتي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ المغرب،‏ دار توبقال

للنشروالتوزيع،‏

2122 ص‎22‎‏.‏

47


سياق آخر،‏

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

تتقاطع فيه الرؤى المختلفة للعالم"‏ ، 1 متجاوزة الشخصيات ومحاورة القارئ،‏ وتجعله يندمج

بأيديولوجيته ضمن األفكار المتصارعة.‏

فالشخصيات تمتلك نفس القسط

فتصبح الرواية وفقا لهذا المفهوم ‏"عالم الذوات المتساوية الحقوق."‏ 2

من الحق في نقل وعيها والتعبير عن رأيها مهما كان مستواها االجتماعي والثقافي،‏ بل إن لغة الرواية تأتي

منسجمة مع هذه الشخصية

وتلفظ متصنع عند

جماعة ما...‏

إذ ‏"تقضي المسلمات الضرورية بأن تقسم

وطرائق كالم

األجيال،‏ بحسب

اللغة القومية إلى لهجات اجتماعية،‏

واألعمار،‏ والمدارس،‏ والسلطات،‏ والنوادي،‏

والموضات العابرة،‏ وإلى لغات لأليام بل للساعات االجتماعية والسياسيةكل يوم له شعاره،‏ وقاموسه،‏ ونبراته".‏ 3

على نحو ما يحدث في العالم الواقعي.‏ فكل شخص يتحدث حسب قاموسه اللغوي الخاص،‏ كذلك هي

الرواية الحوارية تبتغي من السارد عدم مالزمة فكره ولغته لشخوصه وتحريرهم من سلطته.‏

النّص الروائي نسق لغوي دّال،‏ تشيد اللغة بناءه التخييلي المستقى من المجتمع،‏ لكنه ليس تصويرا

ميكانيكيا آليا،‏ بل يقدم رؤية الناص عن هذا العالم ‏"فال حاجة تدعو إلى مقابلة الرّواية بالواقع ألن الواقع حاضر

وحسب وبقية البنيات هي تخيلية مهما حاول النقاد إلصاقها بالسياق

اللّساني".‏ 4

ّ

في الرّواية على المستوى

والكاتب ال

الواقعي االجتماعي للكاتب.‏ وحضور الواقع في الجانب اللغوي هذا ألن ‏"اللغة منتوج اجتماعي"‏ 5

يستطيع التنصل والفكاك من لغته فهي مادته األساسية،‏ فتأتي تلفاظاته مشّبعة بالروح االجتماعية الواقعية.‏

ومن هذا المنطلق نظر باختين إلى الرواية على أنّها جزء من الثقافة الشعبية للمجتمع.‏ وبالتالي فإنها تقوم

على تنوع الملفوظات واللغات.‏ و"تستمد قوّتها الدّالليّة وديناميتها األسلوبيّة من حوار اللّغات والرؤى

للعالم...بمعنى آخر،‏ إنّ‏ هذه الحوارات الخالصة تنمو وتتغذّى

من كافة عناصر التعدّد اللّغوي"‏ 6

الذي يجسده

1 سمير حجازي،‏ المتقن معجم المصطلحات اللغوية واألدبية الحديثة،‏ ‏)دط(،‏ دار الراتب الجامعية

للنشروالتوزيع،‏ القبة،‏ الجزائر،‏ ‏)دت(،‏ ص 023.

2 ميخائيل باختين،‏ شعرية ديستوفسكي،‏ ص‎20‎‏.‏

3 باختين ‏)ميخائيل(،‏ الخطاب الروائي،‏ تر محمد برادة،‏ دار األمان،‏

4 حميد لحمداني،‏ النقد الروائي واإليديولوجيا،‏ من سوسيولوجيا الرّ‏ واية إلى سوسيولوجيا النصّ‏ الرّ‏ وائي،‏

‏)ط‎2‎‏(،‏ المغرب،‏ المركز الثقافي العربي،‏ الدار البيضاء،‏

2123، ص‎77‎‏.‏

2112 ص .77

5

"La langue est un produit social". Jean Dubois et autres, dictionnaire de

linguistique, éd larousse, paris, 2002, p 267

6 بوعزة ‏)محمد(،‏ حوارية الخطاب الرّ‏ وائي،‏ التعدّد اللّغوي والبوليفونية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ مصر،‏ رؤية

للنشر والتوزيع،‏‎0222‎‏،‏ ص

.22

48


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

الحوار.‏ فهو القناع الكاشف لهذه األيديولوجيات التي تأتي نتيجة تعدد أوعاء الشخصيات ورؤيتها

للموضوعات،‏ وتباين مستواها االجتماعي والمهني والفكري أيضا.‏

انفتحت الرواية على مختلف األجناس األدبية وغير األدبية،‏ نتيجة لمرونتها ف " التنويع يدخل بحرية مادة

للغة األجنبية في التيمات المعاصرة ويجمع العالم المؤسلب بعالم الوعي المعاصر،‏ ويضع موضع االختبار اللغة

المؤسلبة وذلك بإدراجها ضمن مواقف جديدة ومحالة بالنسبة لها".‏ 1 وكسر الجوانب الشكلية للنص الروائي

واالنفالت من قيود الجنس والتحرر واالنفتاح في الكتابة األدبية.‏

المقاربة النفسية

: Psychological Perspective

4.0.2

إن اللغة في مثل هذه النصوص الروائية التي تتمثل البنيات األنثروبولوجية،‏ يجب أن تقرأ كمنتوج لالشعور

لساني مقولي.‏ 2 لهذا فالمقاربة النفسية ‏"ترتكز أسسها النظرية على التحليل النفسي،‏ الذي يجعل من الممكن

إخراج خطاب تكراري من النص وتفسير هذا الخطاب على أنّه تعبير عن النفس والالوعي للشخصية"‏ 3

،

واالستعانة بمعطيات هذا االتجاه النقدي في تأويل بعض الرموز الثقافية/‏ األنثروبولوجية بأسلوب ولغة متميزة

تصنع فرادة النص اإلبداعي وفرادة التمثالت االجتماعية التي اختارها الكاتب"‏ من وجهة نظره الخاصة ورؤيته

وتوافقها مع الرؤيا التي يريد بثها عبر الوحدات اللغوية والمتخيل الفني إلى القارئ.‏

للعالم واألشياء"‏ 4

6.0.2

المقاربة الميثونقدية

Myth Critcism Prespective

تعتمد هذه المقاربة على األساطير والخرافات التي يتبناها النص وتكون محور اشتغاله.‏ والتي شكلت

األبعاد االثنو أسطورية والخرافية للنّص مادام أنّها تتشكل في الالوعي الجمعي وتنتقل مشافهة.‏ ثم ينقلها الكاتب

إلى سياق التداول المعرفي.‏ ومن هنا يصبح النّص وفقا للمقاربة النقدية األسطورية شبيها في تكوينه باألسطورة

لتعلقه بالتفكير الرمزي.‏

1

بوعزة ‏)محمد(،‏ حوارية الخطاب الرّ‏ وائي،‏ التعدّد اللّغوي والبوليفونية،‏ ص‎222‎‏.‏

2 ينظر،‏ أبالل)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎202‎‏.‏

3

"Dont les fondements théorique sont ceux de la psychanalyse permet de faire

émerger du texte un discours réitératif et d’interpréter ce discours comme

l’expression du psychisme et de l’inconscient d’un homme". Jean Pierre

Gerfaud ; Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au Pluriel (Enjeux Et Méthode

D’une Lecture Anthropologique), p17

4

أبالل)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎202‎‏.‏

49


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

تعبر األسطورة عن موقف من الحياة فهي نشاط فكري مارسه اإلنسان منذ األزل.‏ وشكلت مالذه

لمجابهة الطبيعة وألغازها التي وجد نفسه مقحما.‏ فاألسطورة جاءت لتزيح بعض من قلق االنسان.‏ فهي"‏ تروي

تاريخا مقدسا،‏ حدثا بدئيا جرى في بداية الزمان...‏ األسطورة تعلن ظهور وضع كوني جديد أو حدث بدئي،‏

وقد تجاوزت األسطورة في هذا المفهوم فكرة

هي دائما رواية خلق:‏ تروي كيف حدث شيء ما،‏ كيف بدأ".‏ 1

أنها تحكي خرافات أو أباطيل،‏ وإنما هي بنية ثقافية مقدسة عند الجماعة المؤمنة بها،‏ ألنها تحمل تاريخ

وجودها،‏ كما أنها تحمل فلسفتها"‏ لفهم الكون بظواهره المتعددة،‏ وهي أيضا تفسير له،‏ وهي نتاج المخيّلة،‏

ولكنها ال تخلو من منطق معين،‏ ومن فلسفة أوليّة حول الوجود الميتافيزياقي.‏ لذلك ف ‏"إن األسطورة واقع ثقافي

وصورة لواقع المجتمع الذي تتمثله بإظهار تفاصيله المتدخلة في تكوين أفراده الثقافي ‏"والتنظيم

معقد جدا"‏ 2

االجتماعي باالهتمامات النفعية.‏ ألنه ال يمكن أن تنزع من سياقها الحي وتدرس كيفما تبدو على الورق وليس

ومن هنا تركز الدّراسات األنثروبولوجية على أهمية دراسة األسطورة في محيطها

فيما تقوم بتأديته في الحياة."‏ 3

الحيوي الذي نشأت فيه.‏

ازدهر البحث في األساطير واألسطوريات في أوروبا منذ القرن التاسع عشر بفضل جهود علماء

األنثروبولوجيا ‏"مكاش مولر،‏ إدوار تايلور،‏ فريزر وأندرو النغ الذين درسوا األسطورة واألسطوريات باعتبارها تاريخ

القبيلة المقدّس"‏ . 4 فقد اتجهوا إليها بكثير من الهيبة،‏ ووجدوا أن الشعوب قد حملت األسطورة تاريخها

وأمجادها وحضارتها وثقافتها،‏ وحتى النصوص المقدسة لمعتقداتها الدينية،‏ لذلك استندوا إليها وعدوها تاريخ

األمم والقبائل،‏ وأعلى درجات التأليف الفكري والحضاري للشعوب القديمة.‏

والغاية التي يرنو إليها النقد األسطوري هي التشديد ‏"على األنماط الكونية المتواترة التي تشكل أساسا

لغالبية األعمال األدبية،‏ وبانظفار النظرات الثاقبة لألنثروبولوجيا وعلم النفس والتاريخ والديانات المقارنة،‏ فإنّ‏

1

ميرسيا ‏)إلياد(،‏ المقدس والدنيوي رمزية الطقس واألسطورة،‏ تر:‏ خياطة ‏)نهاد(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دمشق،‏ العربي

للطباعة والنشر والتوزيع،‏ 2123، ص‎12‎‏.‏

2 Mircea Eliad aspects u mythe- Gallimard 1963 p163

3

كردي ‏)ربيع(،‏ البنائية الجديدة في علم االجتماع واألنثروبولوجيا،‏ ‏)دط(،‏ مصر،‏ العربية للنشر

والتوزيع،‏ 0222، ص‎222‎‏.‏

4

إلياد ‏)مرسيا(،‏ الحنين إلى األصول في منهجية األديان وتاريخها،‏ تر:‏ حسن قبيصي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏

لبنان،‏ دار قابس للطباعة والنشر والتوزيع،‏

2112، ص‎222‎‏.‏

50


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

النقد األسطوري يستكشف إنسانية الفنان،‏ وذلك بتقصي الكيفية التي يستعمل بها الخيال الشخصي األساطير

ويتم ذلك باتحاد معارف مختلف العلوم الموازية للنقد

والرموز المعروفة لدى الثقافات واألزمنة المختلفة".‏ 1

األدبي كاألنثروبولوجيا وعلم النفس وغيرها لتحليل األثر األسطوري في العمل األدبي.‏

ظهر النقد األسطوري لعدة أسباب منها:‏ ما تعلق باألدباء،‏ ألن ‏"الكاتب يبقى أسير األساطير،‏ وأن تأويل

الذي يتأسس

وتفسير النص يتم من خالل مرجعية وحيدة هي األساطير.‏ والتي تمثل البنية األساسية للنص"،‏ 2

عليها متخيله الفني.‏ فعملية تأليف األساطير أصيلة في النفس البشرية،‏ ومنها ما تعلق باألدب فاألسطورة هي

أصل األدب والرحم الذي ولد منه وتعود قدرة األدب التأثيرية إلى خصائصه األسطورية.‏ 3

وباالستناد إلى هذا الطرح،‏ ظهر النقد األسطوري يهدف إلى ‏"رصد االنزياحات التي تصيب األسطورة

األولى...وفي هذا االنزياح يكمن التجديد في األدب...االنزياح عن األسطورة األولية مهما بلغ من شدة يظل

مشدودا إلى األساس ال يستطيع أن يخرقه"‏ 4 بل يقيم على هذه االنزياحات أسطورة نصّه.‏ ولكن القراءة العميقة

للنص تكشف األواصر التي تربطه باألسطورة األصلية.‏ فالكاتب ال يخرج عن إطار األسطورة بل يختار جانبا

منها.‏ ويحيل إليها برموز وشيفرات لغوية مبثوثة على المستوى العميق لنّصه.‏ ومن هنا تكتسب ‏"األسطورة داللتها

ومعناها من خالل النسق الذي تعبر عنه"‏ 5 بفضل المرونة التي تطبعها وقدرتها على التكيف مع السياقات النّصية.‏

يهدف النقد األسطوري أيضا إلى استكشاف"‏ إنسانية الفنان وذلك بتقصي الكيفية التي يستعمل بها

ومن هنا يمكّن استخدام

الخيال الشخصي لتوظيف األساطير والرموز المعروفة لدى الثقافات واألزمنة المختلفة"‏ .

آليات النقد األسطوري معرفة الطريقة التي تمكّن الكاتب من خاللها من توظيف خياله في اإلحالة إلى أسطورة

ذات كيان وخلفية ثقافية مختلفة عنه.‏

1 الكبيسي

‏)طراد(،‏ مدخل في النقد األدبي،‏ ‏)د.ط(،‏ عمان،‏ األردن،‏ دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع،‏

0221، ص‎20‎‏.‏

2

عزيز ماضي ‏)شكري(،‏ من إشكاليات النقد العربي الحديث،‏ ‏)ط‎7‎‏(،‏ دار ورد األردنية للنشر والتوزيع،‏

0222، ص‎252‎‏.‏

3 ينظر،‏ فينست ‏)ليتش(،‏ النقد األمريكي من الثالثينات إلى األربعينات،‏ تر:‏ محمد يحي،‏ ‏)د.ط(،‏ المجلس

األعلى للثقافة،‏

‏)حنا(،‏ النظرية األدبية الحديثة والنقد األسطوري دراسة،‏ ‏)د.ط(،‏ دمشق،‏ منشورات إتحاد كتاب

العرب،‏

الجزيري ‏)مجدي(،‏ البنيوية والتنوع البشري وكلود ليفي ستراوس،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ القاهرة،‏ دار الوفاء لدنيا

الطباعة والنشر،‏‎0220‎‏،‏ ص‎22‎‏.‏

0222، ص‎273‎‏.‏

2111، ص‎222‎‏.‏

4 عبود

5

51


ويعمل

النقد األسطوري

داخل منظومة ميكانزماته للكشف

الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

عن

‏"النماذج الثقافية

التأثير ذات األساسية

الجمالي في األعمال الفنية،‏ وأن له طبيعة مركبة،‏ فهو ذو طابع نفسي حين يحلل التأثير الجمالي في المتلقي،‏

وذو طابع اجتماعي في اهتمامه بالنماذج الثقافية

األساسية

تاريخي في استقصائه للماضي الثقافي أو االجتماعي وغير

التي تبدو بمثابة جوهر ذلك

تاريخي في إظهاره القيمة".‏ 1

التأثير،‏ وذو طابع

وعليه ينماز النقد

األسطوري بالمثاقفة المنهجية فهو يستعين بمخرجات علم النفس وقواعد النقد السوسيولوجي والمعطيات

التاريخية لتحقيق قراءة للنص األدبي.‏

1.6.0.2

كارل يونج

أعالم النقد األسطوري:‏

نكتفي في هذا البحث بعلمين لتقاطع أراءهم النظرية مع

الذي

نفسية لتجارب ابتدائية ال شعورية،‏

ما".‏ 2

األهداف العلمية لألطروحة.‏ وأول عالم هو

قدم مفهومين جديدين وهوما أوال:‏ النماذج األولية وهي ‏"صور ابتدائية الشعورية أو رواسب

شارك فيها األسالف في عصور بدائية.‏

وهنا يكون العامل الوراثي البيولوجي المسؤول عن توارث هذه النماذج.‏

الجمعي مكون الشخصية الفردية،‏

اإلنسانية للجماعة الموغلة في القدم".‏ 3

وقد ورثت في أنسجة الدماغ بطريقة

والمفهوم الثاني هو الالشعور

فهي ال تقتصر حدودها ‏"على التجربة الفردية وإنما تمتد لتستوعب التجربة

فالالشعور الجمعي بجمعه لهذه الرواسب يشكل ‏"مخزن للذكريات

واألفكار الجماعية،‏ تراكمت بتكرار حدوثها عبر األجيال،‏ وانتقلت بالوراثة،‏ ولذا نجدها لدى كل فرد.‏

فهي

بمثابة االستعدادات التي يتجاوب بها مع العالم"‏ . 4 وهي موجودة سابقا ومحزنة وتخرج في شكل سلوكيات

حفزتها حوادث أو طقوس معينة،‏ لهذا نجد أنّ‏ التعامل معها يكون آليا وكأن الفرد سابق معرفة بها.‏

يمكن أن نلخص ما طرحه كارل يونج في المخطط اآلتي:‏

الالشعور الجمعي األنماط العليا األحالم ال تخضع من التغيير

1 الكومي

‏)محمد شبل(،‏ المذاهب النقدية الحديثة مدخل فلسفي،‏ المذاهب النقدية الحديثة مدخل فلسفي،‏

تقديم،‏ عناني ‏)محمد(،‏ ‏)د.ط(،‏ الهيئة المصرية العامة للكتاب،‏ مصر،‏

‏)عزيز(،‏ في نظرية األدب،‏ ‏)د.ط(،‏ المؤسسة العربية للدراسات والنشر،‏ بيروت،‏ لبنان،‏

ص‎202‎‏.‏

‏)صالح(،‏ مناهج النّقد المعاصر،‏ ‏)د.ط(،‏ إفريقيا الشرق،‏ بيروت لبنان،‏ ‏)د.ت(،‏ ص‎20‎‏.‏

4 عباس ‏)فيصل(،‏ التحليل النفسي واالتجاهات الفرويدية المقارنة العيادية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ دار

الفكر العربي

0222، ص‎032‎‏.‏

،2112 ص .12

2 شكري

3 فضل

52


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

خبرات إنسانية

األساطير خاضعة للتغير

0.6.0.2 آليات النقد األسطوري

يعمل النقد األسطوري وفقا لآلليات اإلجرائية اآلتية هي في نفس الوقت تشكل مراحله التطبيقية:‏

التجلي:‏

"

من خالل ‏"العنوان،‏ الالزمة،‏ الكلمة،‏ االقتباس،‏ الخلفية األسطورية،‏ النصوص األدبية،‏ أو االستهالالت.‏

و‎1‎ هذه الفواتح النّصية التي يتمظهر من خاللها العنصر األسطوري تثير أفق القارئ وتشكل لديه احتماالت

قرائية تؤكدها القراءة لبقية أجزاء النّص.‏

المطاوعة:‏

وتتمثل في مرونة العنصر األسطوري للتشكل وفقا لرؤية النّاص وخلفياته المعرفية،‏ ومن خالل ذلك

يستطيع الناقد تحديد ثوابت ومتغيرات ذلك العنصر األسطوري ومواجهة النص األعلى لألسطورة بالنص

الجديد.‏ 2

التماثل والتشابه:‏

حيث ي ‏َعْمَد المبدع إلى إبراز أوجه التشابه بين العنصر األسطوري والعنصر األدبي في األسماء مثال أو

األحداث أو الكرنوطوب.‏

1

شقروش ‏)شادية(،‏ الخطاب السردي في أدب إبراهيم الدرغوثي،‏ ‏)د.ط(،‏ ‏)د.ب(،‏ دار سحر للنشر،‏

‏)دت(،‏ ص‎23‎‏.‏

2

ينظر،‏ شقروش ‏)شادية(‏

الخطاب السردي في أدب إبراهيم الدرغوثي،‏ ص

.52

53


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

التَّشوُهاَت والتَّغيرات:‏

وذلك بإحداث فروق بين العنصر األسطوري الموظف والعنصر األدبي عن طريق الزيادة والنقصان.‏

الغموض وتعدد الرؤية

حيث يعمد الكاتب إلى تغليف العنصر األسطوري

بهالة من الغموض.‏ 1

االشعاع

ويقصد بها تلك اإلشارات أو ‏"الظالل أو الهالة أو اإليحاءات الداللية التي يمنحها العنصر األسطوري

الموظف بفضل عملية المطاوعة ودرجتها ومدى مالءمة ذلك ألفق انتظار القارئ،‏ وقد يكون ساطعا قويا عندما

يكون التجلي جزئيا أو مضمرا،‏ ويكون اإلشعاع خافتا أو باهتا عندما يصرح المبدع باألسطورة"‏ . 2 ومن هذا

المنطلق فإنّ‏ إضمار العنصر األسطوري وتوظيفه بطريقة أكثر تشفيرا تجعل إشعاعه/‏ جمالية في النص األدبي

أكثر من التصريح به وبثه على المستوى السطحي من البنية الخطابية.‏

ومن هنا نستنج تمكن النقد األسطوري من صياغة قراءته للنص األدبي من خالل " قوانينه الثالثة المتمثلة

في التجلي Emergenceوالمطاوعة Flexibilitéواإلشعاع

3 "Irradiation

وهي أسس وأعمدة هذا النقد.‏

6. خطوات القراءة األنثروبولوجية

طرحنا المنهجي في التعاطي مع آليات القراءة األنثروبولوجية يسوقنا أوال إلى ‏"اعتبار النّص السردي بمثابة

الميدان الذي من خالله يجمع القارئ الذي يحل استعاريا وتخيليا مكانة ووضعية األنثروبولوجي الباحث عن

النسق المركزي والتنظيم الداخلي للنص.‏ معطياته األولية التي تتشكل أساسا من شبكة من العالمات والرموز

المُشكلة لمختلف تيمات وقضايا النص األنثروبوثقافية"‏ . 4 وللكشف عن الرموز الثقافية تقتضي منا القراءة إلى

االبتداء من إجراء الوصف ‏"لمختلف الرموز المنبثقة من العملية السردية"‏ . 5 نعضد هذه الخطوة بإجراء تصنيفي:‏

1

م س،‏ ص‎52‎

2 م،‏ س،‏ ص‎20‎‏.‏

‏)شادية(‏ الخطاب السردي في أدب إبراهيم الدرغوثي،‏ ص‎22‎‏.‏

أبالل ‏)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ ص‎221‎‏.‏

5

م س،‏ ص‎202‎‏.‏

3 شقروش

4

54


الفصّل األول:‏ آليات المقاربة األنثروبولوجية للرواية

مع ‏"ربط السياق النّصي بالسياق الخارج نصي وهي مرحلة تتميز بالتحليل...من خالل فحص طبيعة العالقة بين

مختلف الرموز المشكّلة للنسق الداخلي للنص"‏ . 1 الشكل الثالث للمعالجة:‏ يقودنا إلى ‏"ربط المعاني الرمزية

المباشرة للنسق الثقافي"‏ ، 2 بالسياق الخارجي ‏/االجتماعي والثقافي،‏ مع مراعاة كون الكاتب ومختلف مرجعياته،‏

المتحكمة في انتقاءاته الفنية والجمالية،‏ ونخوض أخيرا في تشبيك المراحل الثالثة السابقة وكتابة نص مواز

نحاكي فيه الكتابة الروائية األنثروبولوجية.‏

وخالصة لما تم إثارته من إشكاالت نقول أ ‏ّن القراءة األنثروبولوجية لألدب تستند إلى دمج عدة قراءات

نقدية حتى تتمكن من قراءة النص األدبي من زوايا متعددة،‏ بدال من القراءة األحادية التي تحدّ‏ أفق القراءة

والتأويل.‏ تقوم القراءة األنثروبولوجية لألدب التي انتخبناها على صهر القراءة األنثروبولوجية التأويلية الرمزية كما

اقترحها كليفورد غيرتز والقراءة األنثروبولوجية لألدب كما طرحها حون بيير جيرفورد وجون بول توريل.‏ هذا

المسعى النظري الذي طرحناها في المدخل والفصل األول سنحاول تطويع مبادئه لدى معالجتنا للمتون السردية

قيد الدّراسة.‏ وهي على التوالي:‏ ‏"ثالثية األرض والريح"‏ و ‏"هاء وأسفار عشتار"‏ عبر الفصول الآلحقة قصد

الوقوف على كيفية تشكل واشتغال مختلف البنيات األنثروبولوجية في النسق النصي الروائي . ومقاربة هذا

التجلي لسانيا وجماليا.‏

ونتهيأ لولج الفصل الموالي في ضوء التصورات النقدية

األنثربولوجية مستفهمين عن

للهوية والتأصيل في نصوص عز الدين جالوجي المختارة للدراسة؟ ودالالتها الثقافية؟

البنيات المشكلة

م س،‏ ص‎202‎‏.‏

م،‏ س،‏ ص‎202‎‏.‏

1

2

55


الثاني الفصل

أنثروبولوجيا

التأصيل والهوية في

رواياتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

تمهيد

يندرج مبحث " أنثروبولوجيا التأصيل والهوية"‏ ضمن مباحث األنثروبولوجيا الثقافية،‏ ويركز في األساس

على إبراز الجوانب الهوياتية/‏ الثقافية لألفراد والجماعات من خالل طقوس الزواج،‏ والضيافة،‏ والموسيقى،‏

والطبخ،‏ واألماكن المشتركة،‏ والمباني والديكور الداخلي للبيت في أفق يتغيا رسم سجل أنثرو/ثقافي للتميز

والتفرد لكل جماعة بشرية.‏ وبما أن الكتابة الروائية شكلت في عمقها وجها من أوجه إبراز االنتماء الهوياتي

لكاتبها المنتمي إلى جماعة معينة،‏ فبالضرورة ال يمكن فهم الخصوصيات االجتماعية والثقافية للنّص إال بالعودة

إلى المجتمع باعتباره نصا ثقافيا.‏ وهنا يبرز االرتباط الجوهري بين الرواية والثقافة مما يؤهلها لتكون مجاال خصبا

لتوظيف األنثروبولوجي الثقافي ، 1 وقراءة هذا التوظيف وفق مقاربات نقدية تتقاطع مع اللسانيات،‏ والسيميائيات،‏

والحوارية،‏ والنقد الثقافي.‏

اشتغلت روايتي الكاتب الجزائري عز ال ‏ّدين جالوجي ‏"حوبه وعناق األفاعي"‏ على تمثالث الهوية

الثقافية التي خصصنا لها الفصل األول من األطروحة وسمناه " أنثروبولوجيا التأصيل والهوية".‏ مسعانا النقدي

المتوخى،‏ هو مقاربة البنيات الثقافية المشكلة للهوية الثقافية وفق ما ذكرنا سابقا مرتكزين على مباحث

‏"األنثروبولوجيا الثقافية".‏ منهجيا استقر تصورنا لخطاطة هذا الفصل على نحو إجرائي يتأسس على قراءة المتون

الروائية ‏"ثالثية األرض والريح"‏ قراءة عمودية تحرك في ضوء أسئلة جريئة تحاور البنيات األنثربولوجية للكشف عن

آليات اشتغالها عالئقيا مع بقية البنيات السردية األخرى المشكلّة للثالثية

لألنثروبولوجيا من خالل تأويل دالالتها ثقافيا.‏

.

وتقف على الوظائف الجمالية

قبل الولوج إلى المقاربة التطبيقية،‏ من المستحسن الوقوف لدى مفهوم الهوية التي نرى أن اإلحاطة بها

ذات أهمية،‏ تؤهلنا إلى خلق تعالق وطيد بين التصور النظري للمفهوم والتفعيل اإلجرائي له.‏

1. حدود مفهوم الهوية

المفاهيم

يكتسي مفهوم الهوية غموضا،‏ نظرا لتشعبه وتعدد الرؤى المفهومية التي حاولت شرحه،‏ لكنه في أبسط

يشير إلى " توحد الذات مع وضع اجتماعي معين أو مع تراث ثقافي معين،‏ أو مع جماعة

1

: ينظر،‏ أبالل ‏)عياد(،‏ انثروبولوجيا األدب،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ روافد للنشر،‏

0222، ص‎027‎‏.‏

57


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

ساللية".‏ 1 وبالتالي فإنها مسار اندماج الذات اإلنسانية في تنظيم اجتماعي معين يخضع لتراث ثقافي

ومن خالل هذا التعريف فإننا سنقسم الهوية إلى نوعين اثنين

ضمن مسار البحث-‏ وهما:‏

-

إليها.‏

مع العلم أن هناك أنواعا أخرى،‏ لكنها ال تقع

1.1 الهوية الثقافية:‏

يطلق مفهوم الهوية على"‏ نّسق المعايير التي يعرُف بها الفرد . وينسحب ذلك على هوية الجماعة

تبرز الثقافة كأحد أبرز العناصر المكونة للهوية العامة للفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه.‏

والمجتمع والثقافة".‏ 2

وقد طرح جورج الرين معنيان للهوية األول:‏ " هوية ضيقة واألخرى تاريخية مفتوحة.‏ تفكّر األولى في الهوية

الثقافية بوصفها حقيقية واقعة هي ماهية تشكلت بالفعل،‏ بينما تفكر األخرى أي التاريخية في الهوية الثقافية

بوصفها شيئا يتم إنتاجه بشكل متواصل في عمليات دائمة لم تكتمل."‏ 3 وفقا لالشتراطات الواقع والمرحلة،‏

ولكنها تبقى مرتهنة بالتاريخ والبعد الثقافي لألمة وتعكس دوما نمط حياة الفرد وتأصل كينونته.‏ وهناك عدة أنواع

للهوية فالهوية االجتماعية الهوية الدينية الهوية الثقافية.‏

وتجتمع ثالث مركبات أساسية إلنتاج هذه الهوية الثقافية وهي المركب العضوي،‏ والمركب البيئي والمركب

الثقافي.‏ و"تنض وي تح ت العضوي المالم ح الش كلية والنفسية والبنية الجسدية والجنس.‏ وتنضوي تحت البيئي

مجمل المالمح الجغرافية والتاريخية واالنتماء القومي والعرقي.‏ ويشمل الثقافي كامل كتلة القيم والمع ارف

والع ادات والتقالي د واألع راف تتض افر لتطب ع الشخص ية بمق ادير متفاوت ة م ن ك ل منه ا."‏ 4 فكل فرد يتميز بمالمح

جسدية ونفسية ويحمل سمات بيئته الجغرافية وينطبع في مخياله مجموع العادات واألعراف التي وجد عليها

أهل عشيرته.‏

،2117

،0221 ص .557

1

2

سيمورسميث ‏(شارلوت(،‏ موسوعة علم االنسان ‏)المفاهيم والمصطلحات األنثروبولوجية(،‏ تر:‏ محمد

الجوهري وآخرون،‏ ‏)ط‎0‎‏(‏ ، مصر ، المركز القومي للترجمة،‏ القاهرة،‏

مكشيللي ‏)أليكس(،‏ الهوية،‏ تر:‏ وطفة ‏)علي(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دمشق،‏ دار الوسيم للخدمات الطباعيّة،‏

ص‎3‎‏.‏

" تشتمل الثقافة في صبغتها األنثروبولوجية،‏ على منظومة العقائد والمعايير والقيم والتصورات

المشتركة والعادات واألخالق كما تشتمل موضوعات الحياة اليومية..."‏ مكشيللي ‏)أليكس(،‏ الهوية،‏

ص‎02‎‏.‏

3

الرين ‏)جورج(،‏ األيديولوجيا والهوية الثقافية،‏ الحداثة،‏ حضور العالم الثالث،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ تر:‏ ‏)فريال(‏

حسين خليفة،‏ القاهرة،‏ مكتبة مدبولي،‏

4 هريسكر ‏)فيتر(،‏ األنثروبولوجيا الثقافية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ ترجمة:‏ النفاخ ‏)رباح(،‏ بيروت،‏ وزارة الثقافة،‏

ص‎27‎‏.‏

،2137

0220، ص‎020‎‏.‏

58


2.1

الهوية االجتماعية:‏

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

تتحدد الهوية االجتماعية للفرد من خالل اندماجه وتموقعه"‏ في المحيط االجتماعي.‏

وتترجم عن طريق

االنتماء وكذا المشاركة في الجماعة والمؤسسات االجتماعية التي تبرز من خالل ممارسة الفرد ألدواره المحددة

اجتماعيا"‏ ، 1 وبالتالي فإنها ترتبط بالدور االجتماعي للفرد داخل مجتمع له نظمه االجتماعية المحددة.‏ وتتمظهر

الهوية االجتماعية في المجتمعات القديمة بخضوع الفرد لسلطان القبيلة وأعرافها.‏ أمّا في المجتمعات الحديثة

فإن المؤسسات االجتماعية كدور البلديات ومختلف المجالس الشعبية

االجتماعية للفرد.‏

0. أنثروبولوجيا القرابة في رواية ‏"حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر":‏

والدستورية هي التي تحدد الهوية

تعكس نظم القرابة داخل المجتمعات وجها من وجوه إبراز الهوية الثقافية.‏ لهذا سنوجه الدّراسة صوب

تفكيك البنيات الثقافية لنظم القرابة المؤسسة

البحث عن المهدي المنتظر"‏

للنسيج المجتمعي على نحو تجليه في رواية

باعتبارها الجزء األول من ثالثية "

المعالجة إلى بعض معطيات علم االجتماع،‏ لمعاينة أوال

األرض والريح".‏

‏"حوبه،‏ الرحلة

ولبلوغ الغاية ستستند

البناء االجتماعي المكّون للمجتمع الجزائري إبّان زمن

النصي

الحدث كون أ ‏ّن النّص لم يخرج عن الن سق االجتماعي للمجتمع الجزائري.‏ لذلك فالبنية المجتمعية

الجزائرية آنذاك كانت قائمة على مفهوم العرش أو القبيلة.‏ وهي أحد التكوينات االجتماعية التي عرفتها المنطقة

العربية.‏

ففي المشرق العربي يُشار إلى مجموعة من

الناس يقطنون المنطقة نفسها ويدينون بالدين نفسه

ويتحدثون اللغة ذاتها ويحتفون بنفس العادات والتقاليد ويجمعهم المصير المشترك باسم القبيلة.‏ أمّا في المغرب

العربي فيطلق عليهم اسم العرش.‏

تشكلت العروش في الجزائر

على مرّ‏ أزمنة تاريخية طويلة.‏ وتُنس ‏ُب

أفرادها يتناسلون عنه.‏ وتتكون البنية المورفولوجية لهذا العرش من عدة أجزاء:‏

الزوجين وأبنائهما غير المتزوجين

واألسرة متبادلة.‏ 2

وهي

إلى الولي الصالح

األسرة النووية:‏

الذي ي ‏ُعْتقد أن

وتتكون من

أصغر وحدة قرابية تنتمي إلى العرش.‏ وتقوم بين أعضائها التزامات

الممتدة:‏ وتتميز هذه األسرة بامتداد فروعها وتداخلها مع أسر أخرى بعامل المصاهرة.‏

1

ولد خليفة ‏)محمد العربي(،‏ المسالة الثقافية وقضايا اللسان والهوية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الجزائر،‏ ديوان المطبوعات

الجامعية،‏

خيري ‏)مجد الدين عمر(،‏ العائلة والقرابة في المجتمع العربي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ األردن،‏ إتحاد الجامعة

العربية،‏

0227، ص‎12‎‏.‏

: 2 يُنظر،‏

2125، ص‎222‎‏.‏

59


1.0

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

وهكذا تتفرع وتتوسع عن األسرة النووية بالتناسل والتكاثر.‏ ومن هنا فإن نظام القرابة يعتمد على نمطين اثنين

وهما:‏ قرابة الدم وقرابة المصاهرة/الزواج.‏

نذكر أن أسئلتنا النقدية التي فعّلناها تختص بالبحث في ماهية التمثيالت الثقافية ألنساق القرابة روائيا؟

وماهية الدالالت األنثروبولوجية لطقوس الزواج؟ ثم نتحول نحو ماهية األبعاد الجمالية لتوظيف هذه الطقوس في

النص الروائي؟ ويتفرع اشتغالنا المنهجي لهذا العنصر إلى فرعين يُعنى األول بالتمثيل السوسيو نصي لنظم القرابة.‏

أمّا الثاني فيُعنى بالدالالت الثقافية لطقوس الزواج.‏

التّمثيل السوسيو نصي لنظم القرابة في رواية ‏"حوبه":‏

1.1.0

أنثروبولوجيا تّشكل العروش في رواية ‏"حوبه":‏

ينسج نص ‏"حوبه"‏ حبكته السردية ضمن نّظام العروش في الريف ضواحي مدينة سطيف،‏ بحكم أنّ‏ نزعة

االنتماء إلى عرش ما تكثر في األرياف وتخف حدّتها في المدينة.‏ ما حدا بالنص عدّم التمثيل لهذه العروش في

المجتمع المديني.‏ ويختص نص ‏"حوبه"‏ بتبئير فترة الحكم الفرنسي االستعماري قبل الحرب العالمية الثانية

سرديا،‏ إذ يتكون النسق المجتمعي الذي تحياه الشخصية الروائية من عرشين أساسين عرش ‏"والد سيدي علي"‏

نسبة إلى الولي الصالح ‏"سيدي علي"‏ وعرش

من أنساب أخرى.‏

في لحظات ارتدادية يسترجع

‏"الزيتوني"‏

‏"والد النش"‏ الذي يمتد تاريخيا إلى الحسين األصغر

ومزيج

كالم والده ‏"سي بلخير".‏ وهما يتحادثان عن نسبهما ونسب

العرش المجاور لهما يقول ‏"سي بلخير":"والحقيقة أن فلول العرش من أوالد الحسين المكحالجي حين وصلوا

المنطقة...انقسموا قسمين قسم انصاع لعلي بن الحسين وهو رجل ورع صالح وإليه نُسب شطر العرش...وهو

الذي يرقد محاطا بطقوس الرهبة والوالء وسط المقبرة...وشطر اَخر انصاع البن الحسين األصغر بدعم من

أصهاره.‏ وانضمت إليه فلول قبائل أخرى فشكلوا عرش أوالد النش"‏ ، 1 شخّص"سي بلخير ‏"بنية العرش التكوينية،‏

وانطوى ذلك التشخيص على فلسفة خفية منطقها تقديس الجد األكبر،‏ فإليه ينسبون أنفسهم ويفاخرون به أمام

األغيار.‏

تتمظهر البنيات األنثروبولوجية في النص في توظيف معطيات أنثرو اجتماعية

Anthro-social

تمثلت

في إبراز أصل العروش وانتمائهم،‏ وهو ما عكفت عليه الدراسات األنثروبولوجية االجتماعية،‏ وال سيما في دراسة

: 1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎21‎‏.‏

60


كلود ليفي سترواس ‏"البنى األولية للقرابة

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

0141" التي خاضت في أنظمة القرابة والنّسب

والمعايير والشروط

المحددة للزواج.‏ كما اهتم في دراسته بعقد مقارنة بين البنى األولية للقرابة التي قصد بها المجتمعات القديمة

فكان الزواج يخضع لشروط اجتماعية.‏ أما البنى المركبة فهي ما يميز المجتمعات المتقدمة،‏ حيث يكون الزواج

خاضعا لالختيار الشخصي.‏ وعليه فإنّ‏ نص ‏"حوبه"‏ بهذا التوظيف ألنساق القرابة يتقاطع مع مخرجات البحث

األنثروبولوجي لدى ستراوس وفق ما سيتم عرضه.‏

يتفرع نّظام القرابة عن نمطين شائعين،‏ الن مط األول وهو قرابة المصاهرة/‏ ‏)عن طريق الزواج(.‏ أمّا النّمط

الثاني فهو قرابة الدم

قرابة األب.‏

انتقل

(consanguinity)

الذي ينقسم إلى فرعين وهما:‏

األول الن سب األبوي الذي يعود إلى

وفيه يُنسب الولد إلى أبيه.‏ والثاني النّسب األمومي.‏ وفيه يُنسب الولد إلى أمه.‏ ويمتح ن ص ‏"حوبه"‏

صورة عن نظام القرابة القائم على النّسب األبوسي،‏ فأوالد عرش ‏"أوالد سيدي علي"‏ ‏"ينسلون عن جد واحد وهو

وبعد وفاته انتقل النسب إلى أوالده وهكذا إلى أن وصل إلى " سي بلخير".‏

الحسين المكحالجي."‏ 1

إلى ابنه األكبر،‏ يصف السارد وضع ‏"الزيتوني"‏ بعد أن أصبح كبير العرش

وبوفاته

‏"ظل الزيتوني جاثما في

كل

ّ

مكانه...ما الذي يستطيع أن يفعله وهو كبير العرش"‏ . 2 وهذا هو نظام توارث السلطة المعمول به في

العروش.‏ فحتى ‏"جلول"‏ قد ورث قيادة العرش عن والده المتوفى ‏"القايد عباس".‏

يأتي دور شخصية بارزة في العرش وهو ‏"االمام"‏ أو ‏"سي الطالب"،‏ إذ

يكون دائما إلى جانب القايد

يشاطره الرأي ويوجد له الفتاوى الدينية التي تبرر له تصرفاته.‏ ف ‏"نجد في الكثير من األنساق القبلية تلك الثنائية

التي تضم الزعامة السياسية والزعامة الدينية"‏ ، 3

فال يمكن ألحدهما االستغناء عن سلطة اآلخر.‏ وتتجسد هذه

الثنائية في نص ‏"حوبه".‏ وقد مثلتها الشخصيتان " الشيخ عمار"‏ و"القايد عباس".‏

يصف الشيخ عمار حاجة ‏"القايد عباس"‏ إليه " محاورا نفسه:‏ ‏"عباس ال يحتاجني إال في أمرين أن أكون

له عونا أمام الحاكم الفرنسي ليمدّ‏ سلطته...أو أن أخطب له فتاة مال قلبه لها"‏ . 4 يبدو أن الن ص يعري في ضوء

هذا الملفوظ السردي نسق الهيمنة البيروقراطية الحاكمة للعروش بمنطق التفوق المالي مستعملة السلطة الدينية

لخدمة مصالحها مشوهة الدين وصورته.‏

فقد"‏ ابتعد رجال الدّين عن األخالق الحميدة وانجر معظّمهم خلف

2

3

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎75‎‏.‏

م س،‏ ص‎55‎‏.‏

محجوب)عبده(،‏ طرق البحث األنثروبولوجي النسق القرابي،‏

الجامعية،‏

4 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎75‎‏.‏

‏)د.ط(،‏

اإلسكندرية،‏ دار المعرفة

،2125 ص .232

61


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

المال والمصالح الشخصية،‏ وحالف بعضهم رجال السّياسة"‏ . 1 فانسلخوا عن مهامه األصلية،‏ واتبعوا مصالحهم

واألموال طمعا في المناصب والحياة الرغيدة،‏ ما جعل مهمة الشيخ داخل العرش تقتصر على مساعدة الحاكم.‏

أو التوسط لخطبة الفتيات التي يريدها ‏"القايد عباس".‏

0.1.0 الدالالت الثقافية لطقوس الزواج في رواية ‏"حوبه":‏

استحضر النّص البنيات الثقافية المعتمدة في تنسيق نظام القرابة القائم على التّوارث داخل العروش،‏ من

منظور التصورات المتمركزة في المخيال الشعبي،‏ وقوتها في توجيه األفكار وصنع القناعات/‏ القرارات الفردية.‏

ونعكف اآلن على مقاربة نظام القرابة المبني على المصاهرة ‏/الزواج،‏ ونقف فيه على قراءة عميقة للدالالت

الثقافية لطقوس الزواج واالحتفاالت المصاحبة لها.‏ على نحو ما استحضرها نص ‏"حوبه"‏ لعزّ‏ الدين جالوجي.‏

1.0.0.0 أنثروبولوجيا طقس الخطبة في رواية ‏"حوبه":‏

تأتي طقوس الخطبة والزواج في سياق إبراز التفرد والتميز الهوياتي الثقافي للشعوب والجماعات البشرية.‏

وتختلف هذه الطقوس،‏ باختالف المكان االجتماعي.‏ فالقرية تختلف كلية عن المدينة،‏ إذ نجد سيطرة البعد

الخرافي على الفكر القروي،‏ بينما يتضاءل نمط هذا الفكر نسبيا في المدينة.‏ ومن هنا ستركز الدراسة على إبراز

البعد الشعبي المشكّل لطقوس الزواج في قرية ‏"تل الغربان"،‏ على النحو الذي صوّرت به في نص ‏"حوبه".‏

اشتغالنا سيعنى بمعاينة وصفية لشبكة الرموز المشكلة سرديا لنسق النص ثم إيجاد العالئق بينها وبين السياق

الخارج/‏ نصي لنسيج طقوس الزواج في الجزائر خالل الفترة التي تؤرخ لها الرواية.‏

يبئر السارد طقس الزواج من خالل شخصية ‏"العربي الموسطاش"‏ عندما طلب ‏"حمامه"‏ للزواج من والدها

‏"الحاج لكحل":‏ ‏"عمي لكحل جئتك خاطبا ابنتك حمامه " 2 . وقد تملّك والد البنت الحيرة،‏ ألن ‏"العربي"‏

يخالف العادات المتعارف عليها،‏ ولكن سرعان ما تطلع العربي"‏ إلى عيني الزيتوني وينتظر منه كلمة تعزز طلب

أخيه،‏ ليس عندهم من يزوج نفسه كبير العائلة هو يفعل ذلك"‏ . 3 فالبنيات األنثروبولوجية للمتخيل الشعبي

تتأسس بشكل كبير على تقديس موروثات/‏ أفكار األجداد مثلما يظهر في البعد الرمزي ل " ليس عندهم"،‏ الذي

1

صالح ‏)إبراهيم(،‏ أزمة الحضارة العربية في روايات عبد الرحمن منيف،‏

المركز الثقافي العربي،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎12‎‏.‏

‏)ط‎2‎‏(،‏ الدار البيضاء،‏

0222، ص‎220‎‏.‏

3

م س،‏ ص‎12‎‏.‏

62


ل"‏

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

يكتسي طابعا مقدسا ومتحكما في توجيه األفكار والسلوك.‏ ويصعب الخروج عنه أو مخالفته لخلوده في ذهنية

وتقبع في

المخيال الشعبي.‏ وهو معطى من المعطيات التي ‏"تلقن من اآلخرين وتختمر في صدور أصحابها".‏ 1

الآلوعي الفردي وتتمظهر في الظرف المناسب وال يستطيع صاحبها مناقشتها،‏ ألنها أصبحت مبدأ.‏ وهو ما

تجسد في السلوك القيمي الذي مارسه ‏"العربي"‏ فدفعه إلى التواصل الفكري بالماضي،‏ هذا التواصل يستمد

قيمته من إحاالت ذهنية استدعت التذكير بموروثات األجداد.‏

يتخذ الزواج في األوساط الشعبية/‏ القروية

بُعدا تقليديا،‏

يتحكم في تفاصيله سلطان الحماة.‏ خاصّة

في

مسألة اختيار العروس . فأم ‏"العربي الموسطاش"‏ هي من أوصت ابنها األصغر ‏"سالم"‏ بالزواج من ابنة خالته

‏"سروله"‏ رغم رفضه لذلك لكنه انصاع القناعات أخيه ‏"الزيتوني".‏

له يجب أن تكون عاقال هذه وصية أمك المرحومة"‏ . 2

النساء.‏ وكثيرا ما تتجه إلى ابنة أختها عروسا البنها رغم رفض االبن ذلك.‏

قد أقنعته بفكرة الزواج من ابنة خالته:‏ قلت

فهي األكثر تأهيال الختيار زوجة االبن لمعرفتها بطبائع

تلحّ‏ األم في آخر أيامها مذكرة الزيتوني":‏ ‏"الزيتوني إذا أردت أن أرضى عنك فاستر ابنة خالتك سروله،‏

زوجها ألخيك سالم،‏ ال تتركها غريبة عند أوالد الكلب"‏ . 3 يوحي هذا الطلب على إصرار

الداخلي،‏ ألنه أكثر أمنا من الزواج الخارجي(‏exogamy‏)‏

األم على الزواج

، ألنه غير آمن.‏ ودليل ذلك ما حدث ألختها

‏"الربح"‏ بعد زواجها من ‏"خليفة"،‏ الذي ينتمي إلى عرش ‏"والد النش."‏ وقد نتج عنه موتها على يد القايد عباس

الذي لم يكن موافقا منذ البداية على زواجها بأخيه،‏

فتحيّن الفرصة وقتلها.‏ ولم يستطع أهل عرشها حمايتها

ألنها كانت بعيدة عنهم،‏ فرغم أنّ‏ ‏"سروله"‏ أصبحت من أبناء عرش أبيها إال أنّ‏ خالتها/‏ أم الزيتوني تعدها غريبة

عنهم وترغب في تزويجها من ابنها الستردادها.‏ ضمن هذا األفق سعى النص من خالل األم ضمن استراتيجية

داعمة للنسق الثقافي السائد إلى إبراز رفض الزواج الخارجي الذي عدته ‏"األم"‏ انتهاكا لحرمة العرش.‏

كما تتوجه زاوية رؤية السارد نحو النّسق السُلطوي الذي يمارسه أفراد العرش على بنات عرشهم.‏ وال

سيما شيخ عرش ‏"أوالد النش"‏ ‏"القايد عباس":‏ ‏"جئناكم نطلب ابنتكم البننا سالم،‏

رد خليفة ونحن قبلنا على

لقد عارض القايد موافقة والد العروس

سنة الله ورسوله...ابنتنا جميعا...المرأة ابنة العرش وليست ابنة فرد منه".‏ 4

1 الجوهري)محمد(،‏ الدراسة العلمية للمعتقدات الشعبية،‏ ج‎2‎‏،‏ ‏)د.ط(،‏

2127، ص‎22‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎23‎‏.‏

3 م س،‏ ص‎55‎‏.‏

4 م س،‏ ص‎20‎‏.‏

القاهرة،‏ دار الثقافة للنشر والتوزيع،‏

63


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

المباشرة دون العودة إليه،‏ فذكّره بأنها ابنتهم جميعا.‏ ومن هنا تتبدى الممارسات السلطوية ‏"للقايد عباس"‏ على

‏"خليفة"‏ الذي ال يملك المال أو الجاه،‏ وفي نفس الوقت يحمل هذا الخطاب رسالة تشفيرية إلى أعيان ‏"أوالد

سيدي علي"‏ يذكرهم فيها ‏"القايد عباس"‏ بقوته وسلطانه لزرع الخوف في قلوبهم.‏

وتم إرجاء حفل العرس إلى موعد الحق.‏ واكتفت العائلتان بالزواج الشرعي الذي تمّ‏ وفقا للشريعة

اإلسالمية.‏ وهو ما رصده السارد:‏ ‏"تال سي الطالب شيئا من القران الكريم وبعض األدعية التي ال يعرفها إال

هو...سيكون هذا الزواج مباركا،‏ وسيجمع بيننا"‏ . 1 عمد السارد إلى إبراز الجانب الدّيني ألهالي العرش بذكره

ل"القرآن الكريم".‏ وفي نفس الحين الخلفية االجتماعية والثقافية فهذا الزواج سيجمع عرشين متنافرين،‏ أما من

الناحية الثقافية فإنّ‏ أهل العرش ال يمتلكون ثقافة دينية واسعة لجهلهم باألدعية التي يتلوها ‏"سي الطالب"‏ بسبب

األمية ونقص الوعي الديني الذي كان يقتصر على معرفة بعض األحكام المتعلقة بالصالة والصوم.‏ وبعد تالوة

الفاتحة علت الفرحة النسوة معبرات عن ذلك بإطالق الزغاريد:‏ ‏"فلنقرأ الفاتحة وأسرع يرفع كفيه فرفعوا جميعا

أكفهم يتلون الفاتحة،‏ وارتفعت زغاريد النسوة من الغرفة األخرى"‏ . 2 عُرفت النسوة العربيات الزغاريد تعبيرا عن

الفرحة وإعالنا بوجود مناسبة سعيدة كالزواج مثال وهي إحدى الممارسات الطقوسية المميزة للمجتمعات العربية.‏

.0.0.0

طقوس حفل الزواج في رواية ‏"حوبه":‏

يمثل حفل الزواج مناسبة اجتماعية هامة يتجند لها كل أفراد العرش رغبة في تغيير الجو الروتيني الذي

يسيطر على الوسط القروي.‏ ويتم هذا الحفل وفقا للعادات المتوارثة.‏ وقد اجتهد النص في صياغتها جماليا،‏

لهذا يُخضِع نّص ‏"حوبه"‏ هذه

ذلك أن ‏"معطيات الواقع هي التي تقترح نوعية العمل وصياغته الجمالية"،‏ 3

المعطيات إلى المتخيل الفني للنأي به عن االنعكاسية والمحاكاة.‏ وتتطلب منا المعالجة النقدية تفكيك

الملفوظ السردي والوقوف على المؤشرات/‏ الرموز التي تصنع البعد الثقافي الهوياتي للنّص.‏

يبدأ حفل زواج ‏"سالم " و"سروله"‏

فيأخذ

السارد مهمة الحكي وكأنه يشاهده من بعيد:‏ ‏"وصلت

العروس مساء في موكب حاشد على فرس أدهم حُملت على بغل خلفها حمل صندوقها الخشبي

المنقوش".‏ 4

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎27‎‏.‏

2 م س،‏ ص‎27‎‏.‏

3 العاني ‏)شجاع مسلم(،‏ قراءات في األدب والنقد،‏ ‏)د.ط(،‏

2111، ص‎002‎‏.‏

4

جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

القاهرة،‏

منشورات اتحاد الكتاب العرب،‏

64


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

نقف على المعطى الثقافي الممثل في ‏"الصندوق"‏ الذي شكل رمزا ثقافيا عابرا لعدة ثقافات عالمية.‏ فنجده

لدى المجتمع الهندي ولدى العثمانيين.‏ ويأخذ الصندوق الخشبي ذات األهمية عند العرب.‏ والجزائريون لم

يعرفوا خزانات المالبس إال عند احتكاكهم بالفرنسيين.‏ وهو يمثل في الوقت نفسه رمزا يحيل على طبيعة

المجتمع االقتصادية.‏ ولعل هذا الصندوق الخشبي هو أعلى مراتب الرخاء االجتماعي،‏ فالعروس دائما يحرص

أهلها على تجهيزها أحسن تجهيز،‏ مهما كلفهم األمر.‏ ويتمثل البعد الوظيفي لهذا الصندوق في حمله لكل

مقتنيات العروس من مالبس أو مجوهرات.‏ كما أنه يعبر عن انتمائها العائلي.‏ ويحيلنا كذلك إلى بساطة الحياة

بوصفها جزءا من الصناعات التقليدية التي يتميز أسلوبها ب ‏"خالصة المهارة الفنية وأسلوبها خالصة عادات

الشعوب في التعبير عن نفسه"‏ . 1

أثناء ليلة العرس يكون االحتفال بهيجا أشبه بكرنفال كما تمثله السارد في المقطع السردي،‏ واصفا حفل

الزفاف ‏"سروله"‏ و"سالم":‏ ‏"وبات العرش كله يرقص على إيقاع الزرنة والقصبة"‏ . 2 وتمثل هاتان اآللتان

الموسيقيتان ميزة الحفل وعنوانا بارزا لمختلف الطقوس الفنية االحتفالية خاصة الجماعية.‏ فهما اَلتان تصنعان

من مواد بسيطة موجودة في محيط الشخصيات ‏)القرية(.‏ وهذا يؤشر على تقليدية الحياة وبداءتها وتعايش

الجماعة مع هذه الظروف.‏ كما تفصح عن جزء هام من اإلبداع اإلنساني وشاهد مادي على مدى التفاعل

الحاصل بين الفن والصناعة،‏ فالحاجة إلى ترفيه النفس،‏ جعلت إنسان المجتمعات البدائية/المتخلفة يهتدي إلى

صناعة هذه اآلالت الموسيقية.‏ كما تحيل رمزيا إلى األصّل واالنتماء.‏

يتم الحفل في الساحة وسط بيوت العرش:‏ ‏"على أرضية البيدر المستوية تحلق الرجال قريبا من العازف

وضارب الدف،‏ وتُركت فسحة لدخول النساء يتفنن في الرقص،‏ وقد وضعن على رؤوسهن ووجوههن محارم،‏

ومن خلفهن

تتعالى الزغاريد،‏ وارتفعت طلقات البارود"‏ . 3 ومن هنا فإن البعد االحتفالي للعرس يتأسس على

4

الموسيقى الفلكلورية

وعلى

ا لرقص الذي يمثل مظهرا من مظاهر الحياة الشعبية للشعوب"‏ ومرآة تعكس

2

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎27‎‏.‏

م س،‏ ص‎222‎‏.‏

3 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

الخصائص التي تعتمد عليها األغاني الفلكلورية"‏ حيوية اإليقاع وسرعته،‏ وتعدد تلويناته،‏ ونقصد بذلك

الضروب التي تصاب أغاني البنات في السمر وفي األعراس...يستخدم مصادر صوتية غير اآلالت تتمثل

في التصفيق باألكف،‏ فضال عن الزغاريد التي تتردد من حين آلخر...استخدام بعض آالالت الموسيقية

الفلكلورية مثل:‏ السالمية،‏ الربابة،‏ السمسمية،‏ والدّفوف"‏ حواس ‏)عبد الحميد(،‏ أوراق في الثقافة الشعبية،‏

القاهرة،‏ الهيئة العامة لقصور الثقافة،‏ 0225، ص‎025‎‏.‏

65


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

تاريخهم واألحوال الطبيعية التي يعيشون فيها،‏ وكذلك عاداتهم الخاصة واالجتماعية ‏...الرقص الشعبي بعامة

إبداع الناس،‏ وهو أيضا نتاج الحياة النفسية"‏ ، 1 التي يعيشونها فيتخذونه وسيلة لتفريغ الشحنات النفسية السلبية

في الوسط الشعبي/‏ القروي،‏ كما أنه يخلع على المناسبة الصفة الجمالية بإضفاء جو البهجة ويعمل على

الترسيخ الحسي الفني للجماعة بانتقال هذه المادة الفنية الهوياتية إلى األجيال الالحقة.‏ كما يضمن هذا الطقس

اإلحتفالي اتساق األفراد وتناغمهم داخل البناء الثقافي للمجتمع.‏

حرص النّص على تصوير الرقص في بعده الجماعي،‏ وذلك من خالل قوله:‏ ‏"وانخرط الجميع في تنافس

تأشيرا إلى الترابط االثني،‏ وحرص هذه الجماعات على تعميق

محموم النساء في الرقص والرجال في التبراح"‏ 2

الترابط.‏ فالقراءة العمودية للرقص الجماعي تحيل إلى معاني التضامن والتعبير بلسان مشترك عما يجيش في

المجتمع من أحداث.‏ وتأكيد على قيم التساند والتضامن وانصهار هذه الجماعة في بوتقة واحدة،‏ كما يبرز

وحدتهم في مواجهة األخطار،‏ والسيما مقاومة االستعمار الفرنسي.‏ وما توضيب النّص متنه الحكائي بهذه

الظواهر التراثية،‏ الموسيقية الجزائرية،‏ حيت تمثل عالمات حضارية ذات دالالت ثقافية،‏ إال سعيا منه إلى منحها

النور والتعريف بها إلى األجيال التي تعيش اغترابا ثقافيا وجهال بهويتها.‏

ومن النّاحية الجمالية للنص،‏ فإنها ‏"تعمق الطابع الدرامي والمشهدي للرواية،‏ ألن تلك األغاني تأتي

وبالتالي صنع درامية الرواية وإخراجها من طابعها النصي إلى طابع

مصحوبة بالعزف والرقص الجماعيين".‏ 3

بصري يوحي بالبعد المشهدي للمواقف السردية.‏ ‏"حيث أنها قد تنبثق منها،‏ وقد تطورت،‏ كما يمكن للموسيقى

أن تلعب دورا في بناء الفضاء الدرامي،‏ فتربط بين الفضاء المتخيل المعروض والفضاء المتحدث عنه"‏ . 4

فالتجسيد المشهدي للموسيقى والحفل،‏ يجعل النص لوحة معروضة أمام المتلقي.‏ و"التقنيات الموسيقية حين

، جعلته أكثر ثراءً‏

هاجرت إلى ميدان النصوص األدبية الحديثة بعامة والنص الروائي بخاصة زودته بقيم جمالية"‏ 5

وتنوعا وانفتاحا والعالقة بين الرواية والموسيقى عالقة تداخل فقد شكال االثنين " فنا يوضح أحدهما اآلخر".‏ 6

1 العنتيل ‏)فوزي(،‏ الفلكلور ماهو؟ دراسات في التراث الشعبي،‏ ‏)د.ط(،‏ مصر،‏ دار المعارف،‏ 2125،

ص‎227‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

3 عقار ‏)عبد الحميد(،‏ الرواية المغربية تحوالت اللغة والخطاب،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دار البيضاء،‏ المدارس للنشر

والتوزيع،‏ 0222، ص‎33‎‏.‏

4

5

6

لشكر ‏)حسن(،‏ الرواية العربية والفنون السمعية البصرية،‏ ص‎32‎‏.‏

م س،‏ ص‎27‎‏.‏

بوتور ‏)ميشال(،‏ بحوث في الرواية الجديدة،‏ تر:‏ أنطونيوس ‏)فريد(،‏ ‏)ط‎7‎‏(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ منشورات

عويدات،‏

2120، ص.‏‎22‎

66


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

ونتصور أن المقصدية من توظيف الموسيقى في النص المعالج،‏ هي

والتنوع تركيبا وداللة.‏

توليد شكل أدبي روائي يتصف بالتعدد

يعمد نص ‏"حوبه"‏ إلى تمثيل الطقس االحتفالي سرديا،‏ كلما سنح له المتخيل الفني مذكرا ومسجال

للبنيات التي تبرز الهوية الثقافية للجماعة اإلثنية/‏ العرقية.‏ يقول السارد واصفا طقس التبراح:‏ ‏"يندفع البّراح بكالمه

المسجوع رافعا يديه بالورقة النقدية"‏ . 1 تتمظهر على البنية السطحية لهذا الملفوظ شخصية ‏"البّراح ‏"بوصفها

الشخصية الشعبية التي ال يتم حفل العرس بدونها،‏ يتميز بصوته الجهوري الحادّ‏ الذي يصل إل كلّ‏ مسامع

الحاضرين.‏ أما على مستوى البنية العميقة للنص،‏ تعدّ‏ شخصية ‏"البّراح"‏ من أكثر الشخصيات تمثيال للثقافة

الشعبية.‏ وبالعودة لنظرية ‏"باختين"‏ القائمة على التعددية اللغوية لدى انفتاح الرواية على مختلف األساليب اللغوية

التي تعكس التنوع االجتماعي والثقافي للشخصيات،‏ نالحظ توظيف النّص للمعجم اللغوي لملفوظات البّراح:‏

‏"بات يازرناجي بات،‏ هذه عشرون ألفا من عند سيد الرجال،‏ قاهر األهوال،‏ العربي سليل األبطال معونة ألخيه

سالم،‏ سالم الحبوب،‏ سالم سيد العرسان صاحب البرهان"‏ . 2 تتميز اللغة ببساطتها وقربها من اليومي.‏ وهو اتجاه

تأصيلي يهدف إلى الغوص في البيئة المحلية كاشفا التركيبة الفكرية للبراح.‏ وفي الوقت نفسه ترسم اللغة األبعاد

الثقافية لطقس الحفل المعتمد على عناصر البيئة المحلية،‏ التي ال تزال منغلقة على نفسها،‏ ولم تنفتح بعد على

مظاهر اآلخر.‏ تسيطر الرؤية من الخلف على هذه المشاهد السردية وفي هذا تقاطع واضح مع مهمة اإلثنوغرافي

الذي يكتفي بالمالحظة والتدوين دون تدخل،‏ فالسارد في المشهد السابق وكأنه ينقل مشاهداته من عالم واقعي

مثلما شاهدها.‏

يحيل السارد إلى ملفوظات البّراح قائال على لسانه:‏ ‏"بات يا الزرناجي بات وهذه عشرون ألفا أخرى من

العربي الزين أسود العينين،‏ كريم اليدين،‏ يعطيها بدال من خطيبته حمامه،‏ حمامه،‏ غزالة في الصحراء،‏ نجمة في

السماء،‏ حمامه ينبوع الماء،‏ نسمة الهواء،‏ حمامه بنت العربان،‏ بنت الشجعان،‏ والموت لكل حسود،‏ والموت

لكل حقود"‏ . 3 استعان البراح بالجملة السّجعيّة التي تضاعف التأثير في"‏ المستمعين إليها.‏ كما أنّها تسهم

بشكل واضح مع الشعر في تشكيل الصّورة العامّة التي يرسمها المّوال.‏ ومن هنا فإن الوحدتين ‏-الشعرية

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎225‎‏.‏

3 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه ، ص‎223‎‏.‏

67


والموسيقية

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

‏-متالزمتين في المّوال"‏ . 1 للتأثير في المتلقي وإضفاء جو حماسي على أجواء العرس.‏ ومن دونهما

‏)الوحدتين الشعرية والموسيقية(‏ يفقد الموال ماهيته وأهميته وبتحول إلى كالم عادي.‏ أمّا وظيفته المعنوية فهي

إبراز حرص الناس على إظهار هداياهم حتى يعرف الجميع بجودهم وكرمهم،‏ خاصة أنّ‏ الب راح يحرص على

وصف صاحب الهدية واإلعالء من شأنه أمام الحضور

يمثل طقس التبراح أحد الفنون الشعبية الذي يعكس"‏

االنسان لنا ذوق

القديم وتطلعاته ورغباته وميوله

واتجاهاته النفسية واالجتماعية " 2 وفرصته لتفريغ مظاهر الكبت النفسي الذي يعاني منه.‏ فلم يعرف القدماء

مظاهر احتفالية غير الرقص والتبراح.‏

وعلى المستوى السوسيو ثقافي تحيل مسجوعات التبراح إلى البنى الثقافية

لهذا المجتمع وتؤشر إلى األبعاد التأصيلية.‏ ‏"وتُغنّى هذه األشعار والكلمات في الكثير من األحيان في مناسبات

اجتماعّية مثل األعراس والحفالت االجتماعية األخرى،‏ فتكون بأسلوبها السهل الممتنع قريبة من القلوب وعميقة

المعاني،‏ وتطابق الموقف الذي ت ‏ُغّنى فيه،‏ وتُعبر عن أجواء الفرح والسعادة بل والحزن أيضا"‏ 3 وبالتالي فإن

بساطتها من بساطة حياة الجماعة ومظهرا من مظاهر رؤيتها للكون والحياة.‏

يقدم النّص تفاصيل أكثر عن هذا الجانب الموسيقي لهذا الطّقس االحتفالي المميز/‏ العرس لهذه

الجماعة االثنية.‏ يقول السارد:‏ ‏"عند كل فاصلة كان البّراح يتوقف لحظة فاسحاً‏ المجال للزرناجي كي ينفخ

نفخة واحدة في زرنته،‏ دون أن تتوقف الزغاريد"‏ . 4 حمل السارد مقطعه السردي قيما ورموزا تسم األداء الشعبي

المرتبط

بالفعل الموسيقي الكلي،‏ ألنه يجمع بين الموسيقى والشّعر والحركة وبين مسار الحفل أو الطقس وبين

المناسبة ومجموع القيم االجتماعية والتاريخية المرتبطة بها.‏

فكل هذه األوجه متداخلة مع بعضها.‏ كما أن

المعاني التي تصل إلى المتلقي هي بدورها مرتبطة بكلية األداء،‏ لذلك فإن معظم الجماعات التقليدية التي تنظم

احتفاال أو تلك التي تتلقاه ال تفكر في الجانب الموسيقي بمفرده.‏

عما

يرتبط االحتفال بالعرس بالجانب الفلكلوري " بما هو أصيل وتقليدي في الثقافة البشرية.‏ وبالتالي يعبر

والطبيعة الخالصة المشكلة لهوية الفرد

هو فطري وطبيعي وتقليدي وهوياتي في الحياة اإلنسانية".‏ 5

1

إبراهيم ‏)نبيلة(،‏ أشكال التّعبير في األدب الشّعبي،‏ ‏)د.ط(،‏ مصر،‏ القاهرة،‏ دار نهضة مصر،‏ ‏)د.ت(،‏

ص‎32‎‏.‏

2

حمداوي ‏)جميل(،‏ األنثروبولوجيا الثقافية بين النظرية والتطبيق،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ المغرب،‏ تطوان،‏ دار الريف،‏

0202، ص‎35‎‏.‏

3

جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎32‎‏.‏

4 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎225‎‏.‏

5 عبد الحميد ‏)يونس(،‏ معجم مصطلحات الفلكلور،‏ ص‎23‎‏.‏

68


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

وكينونته،‏ ‏"فعبر دراسة هذه العالمات والرموز،‏ تتضح أساليب العيش وأنماط التفكير والطقوس المتحكمة في

تصورات الجماعات التي تشكل المتخيل السردي " 1 . فلو أن السارد لم يحل المتلقي إلى البيئة التي ينتمي

عرس ‏"سروله"‏ من خالل الرموز والعالمات التي صنع بها الطقس االحتفالي،‏ كان المتلقي قد أدرك نوع البيئة

وعاداتها،‏ فللموسيقى فاعليتها في رسم الهوية الثقافية وتحديد منابعها وأصولها.‏

في المدينة تختلف طقوس االحتفال بالعروس،‏ فالقرية ال تتوفر على الحمامات عكس المدينة التي يتم

فيها أخذ العروس قبل يوم من زفافها إلى الحمام ف ‏"تأتي العروس في محفل بهيج كاألميرة تختال بين قريباتها

وقد تعالى ضرب الد ف،‏ وتألألت الشموع،‏ ورَشت العطور،‏ ونَثرت حبات الحلوى واللوز"‏ . 2 إن المقطع السردي

يفرز عادات هاجعة في الالشعور الجمعي،‏ خرجت إلى الوعي.‏ وهي ضرب الدف وإشعال الشموع تعبيرا عن

الفرحة بالعروس وفيها تأثر بالثقافات المختلفة التي تسكن المدينة.‏ فالنص هنا انفتح على قيم غيرية.‏ وهو

توظيف واع لمضامين منظومة األعراف.‏

وتأسيسا على ما سبق طرحه،‏ فإ ‏ّن نص ‏"حوبه"‏ صهر هذه البنى الشعبية في متخيله الفني،‏ لتستحيل عبر

تماه مطلق ووفق مقصديه استعارية جمالية سياجا نصيا يحصر هذه الفنون.‏ ألنها األكثر تعبيرا ‏"عن روح

الجماعة والذوق الشعبي والقيم الجمالية الشعبية،‏ حيث يكون الفرد أكثر تمثيال لقيم الجماعة وأكثر انصهاراً‏ في

التراث"‏ . 3 وتأتي هذه البنى الشعبية على ما يعتريها من بساطة كيانات نابضة بالقيمي والداللي.‏ وتعكس تاريخ

وثقافة األمة التي أبدعتها.‏ فعودة النص إليها بمختلف تجلياتها،‏ هو محاولة منه لمحاورتها واستنطاقها ونقدها

وإعادة تشكيلها وفقا لمعطيات الحاضر ووعيه ورؤيته لها.‏

0. التَّقصي األنثروبولوجي للمكان في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏

ارتبطت روايات جالوجي بالمكان الجزائري،‏ حتى غدى بطال يوجه األحداث والشخصيات.‏ ويكشف

أبعاد التوجهات الثقافية لقاطنيه،‏ من خالل المشاهد السردية الوصفية للمجتمع ‏-الريفي والمديني-‏ والتي ال

تحتاج إلى كبير عناء الستيعاب طبيعتها اإلثنوغرافية.‏ لذلك اتجهنا إليهما بالدراسة من خالل استجالء أهم

المعطيات األنثروبولوجية الثاوية في النص الروائي الجالوجي للكشف عن الحياة الثقافية،‏ واالجتماعية

1

‏)بلخير(‏ لطيفة،‏ توفيق ‏)أحمد(،‏ جمالية التخييل السردي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الرباط،‏ المغرب،‏ مطبعة البيضاوي

،0222 ص .223

2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎020‎‏.‏

3 ‏)فاروق أحمد مصطفى(،‏ ‏)مرفت(‏ العشماوي عثمان،‏ دراسات في التراث الشعبي،‏ ص‎72‎‏.‏

69


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

واالقتصادية للشخصيات،‏ إما من خالل نمط حياتها،‏ أو األبعاد الحضارية للمدن الجزائرية التي وردت في هذه

المتون.‏ ثم سنقوم بتحليل المعطيات التي زوّدنا بها السرد على ضوء المقاربة األنثروبولوجية،‏ األبعاد

األنثروبولوجية للمكان القروي.‏ وذلك على نحو ما سيتوضح في المبحث الموالي الذي خصصناه ألبعاد المكان

القروي واألبعاد الحضارية للمدينة.‏

1.0 األبعاد األنثروبولوجية للمكان القروي في رواية ‏"حوبه":‏

شكلّت

القرية أهم الرموز الجغرافية واألنثروبولوجية

الثقافية للفرد الجزائري

خالل فترة االستدمار الفرنسي.‏

ففيها سكن واستقر،‏ وإليها التج من بطش االستدمار.‏ لذا فإنها مكان ممتل بالدالالت األنثروثقافية

Anthro-cultural‏"وصورة مثقلة بجليل الرموز واإليحاءات،‏ فهي مصدر القيم األصلية وهي القيمة التي

تحفظها وتتعهدها،‏

وتُذكر بأهم أحداث البدء والنشوء التي انبثقت منها هذه القيم والمفاهيم"‏ 1

واالجتماعية التي تسربت في مفاصل المجتمع.‏ من هنا

الثقافية

سجّلت حضورها في أعمال روائية كثيرة.‏ وتمركز

الحد ث السردي في رواية ‏"حوبه،‏ والمهدي المنتظر"‏ على قرية " تل الغربان"‏ قادنا نحو التركيز عليها بوصفها

الفضاء المؤطر لسيران الحدث.‏ إذن سنركز على دراسة البنيات الثقافية واالجتماعية المتحكمة في المعطى

الحياتي في هذه القرية على النحو الذي صوره السرد للقارئ.‏

يتأسس المسار السردي لحياة الشخصية على عادات يومية / عادات االستهالك تتمظهر في طقوس

الحياة اليومية التي تمارسها.‏ ومن المنظور األنثروبولوجي تعد هذه الطقوس مظهرا من مظاهر التفرد الهوياتي

للجماعة االثنية.‏ من هذا المنطلق سنعود إلى المتون السردية قيد الدراسة،‏ الستجالء هذه الطقوس المتمثلة في:‏

طقوس الحياة اليومية في القرية،‏ والبعد األنثروبولوجي

القروي.‏

للبيت القروي وطقوس الضيافة في المخيال الشعبي

يغرق السّارد في نّص ‏"حوبه"‏ في توصيف أحوال المعيش اليومي في القرية/الواقعة على ‏"تل الغربان"‏ التي

تعيش في فضاء معزول عن التّمدن،‏ بعيدا عن كل مسوّغات الحياة،‏ بفعل الممارسات االقطاعية لالستدمار

الفرنسي وعمالئه.‏ فنجد

الشخصيات تبذل جهدها للتأقلم مع الواقع المعيش.‏ فمثال"‏ الشيخ لكحل"‏ يرصده

1

عبد الصمد ‏)زايد(،‏ المكان في الرواية العربية ‏)الصورة والداللة(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ تونس،‏ دار ‏)محمد علي(،‏

0227، ص‎022‎‏.‏

70


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

السارد وهو:‏ ‏"يهرول خلف حماره المحمل ببرميلي ماء وقد عاد بهما من الحاسي"‏ . 1 فحتى الماء أبسط وسائل

الحياة كانت منعدمة في البيوت.‏ مما يؤشر رمزيا إلى أن الوضع كان بائسا ومأساويا.‏ األمر الذي فرض على

السكان التأقلم بتسخير الحيوانات لخدمتهم السيما الحمار.‏ وهو من الحيوانات التي شكلت جزءا هاما من

تيسير الحياة في زمن الحكي.‏ و"الشيخ لكحل"‏ رمز للشيخ الكادح في مجتمع المعاناة والبحث المضني عن

لقمة العيش في ظل العمل البدني الشاق وانكسارات الفقر في انتظار انفراج الظروف.‏

تنفتح اإلشارة المكانية إلى مجال رؤيوي وداللي يرتبط بتصوير الفضاء القروي من منظوره المعيشي.‏ إذ

تشارك المرأة/‏ الزوجة زوجها صعوبات الحياة الريفية القروية:‏ ‏"لمح زوجته العلجة...‏ قادمة ترزخ تحت ثقل قفة

الحلفاء،‏ تضعها على ظهرها وتمسك بمقبضها بيدها اليمنى"‏ . 2 فالمرأة القروية تقوم بجلّ‏ األعمال المجهدة

-

ألنها منذ صغرها تخضع لطقوس التهيئة-كطلي الجدران،‏ يقول السارد:‏ ‏"ولم يكد النهار ينتصف حتى كانت

وهذا يكاد يكون الوضع اليومي لهن.‏ فقد ألفن الحياة على هذه

النسوة قد أكملن تجيير جدران الغرف كلها".‏ 3

الشاكلة.‏ غير أن تضامنهن مع بعضهن يُنسيهن هذه المشقات،‏ بل هو صّورة صادقة عن روح الجماعة التي

كانت تسود بينهن.‏ وهذه الصورة ترميز إلى النّسوة في كلّ‏ القرى الجزائرية.‏ فالمرأة في رواية ‏"حوبه"‏ رمز

للتضحيات في حياة ذوي المقهورين في لوحة المجتمع ورمادية األيام.‏

يُؤثث السارد نّصه بسجل إثنوغرافي يعرض من خالله لحياة المرأة اليومية والمهام التي تقوم بها وهي:‏

‏"كثيرة تبدأ صباحا من إعداد القهوة،‏ ثم كنس الغرف والحوش والزريبة،‏ ثم إعداد الفطور الذي يكون عند العاشرة

صباحا ثم تحضير الغداء بعد الزوال،‏ وينتهي ليال بحلب األنعام وإعداد العشاء"‏ . 4 هذا المقطع بمثابة وثيقة

إثنوغرافية يمكن للباحث األنثروبولوجي االستعانة بها في تقصيه للبيئة القروية الجزائرية غداة الحرب العالمية

األولى،‏ من جهته حرص السّارد على تقديم تفاصيل أكثر عن هذا النمط الحياتي المرتبط بنسق فضائي وزمني

مؤطر سرديا.‏ حيث يواصل قائال:‏ ‏"تقلب قرص المطلوع الساخنة داخل الطاجن...حتى إذا احمرت كالشهد

2

3

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎22‎‏.‏

م س،‏ ص‎02‎‏.‏

م س،‏ ص‎00‎‏.‏

4 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎11‎‏.‏

71


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

إن حضور التفاصيل الدقيقة هي إحدى وظائف الوصف

وضعتها جانبا ودفعت غيرها إلى حضن الطاجن".‏ 1

اإليهامية ليشعر المتلقي أنه يعيش في عالم الواقع وليس في عالم الخيال.‏ 2

ينحو السارد على نحو أعمق في المعطى األنثروبولوجي الممثل في ‏"طقس الطهي في القرى"‏ وهذا يعد

بوحا عن نمط ثقافي يوحي باإلندماج مع المكان/القرية.‏ ويحمل في طياته بعدا تأصيليا،‏ إذ ‏"يؤثر المكان

بخصوصيته في تشكيل وعي الشخوص،‏ وتتضح فيه سمات الحياة االجتماعية والثقافية"‏ ، 3 التي تختلف عن

بقية البنى المكانية.‏ ونقصد هنا المدينة.‏ ومن هذا المنطلق يطمح السارد إلى استكناه خصوصية المكان

وسماته التي تجلت في ممارسات الشخصيات.‏ وساعده على ذلك الجانب الجمالي للغة،‏ فقد تميز المقطع

السردي باحتفائه بلغة شعرية عالية تجلت في األساليب المجازية التي رسمت أوجه التناقض بين الواقع/‏ المأزوم

والذات/‏ المتطلعة إلى حاضر أفضل.‏

يختار السارد العناصر المهمة التي يتشكل منها المكان قصصيا،‏ لذلك يأتي النص مكتظا بتفاصيل

المشاهد المكانية التي تحيا فيها الشخصيات الروائية إلشراك القارئ عنوة في اللعبة السردية.‏ ويعمق صلته

بالمكونات النصية،‏ فيجعله يعيش ويعايش معها األزمات والظروف.‏ يقدم النص شخصية ‏"الحاج لكحل"‏

أنموذجا ألحد سكان عرش ‏"أوالد سيدي علي"‏ ليظهر من خالله نمط الحياة:‏ ‏"جلس على مقعد صغير من

خشب البلوط ‏...وأسرعت زوجته تحمل إليه شطر مطلوع وإناء طينيا مألته لبنا من شكوة مخضت حليبها هذا

الصباح"‏ . 4 فاعتماد السارد على حساسية التّفاصيل في التشكيل الوصفي،‏ يبتغي منه القبض على ذاكرة المكان

وتمجيده واإلصرار على تثبيت صورة المعيش اليومي في مشهد الرّاهن.‏

ينفتح المتن النصي ‏"حوبه"‏ على معطيات تشتغل في محور ميتا/‏ واقعي ‏)‏Meta-realistic‏(:"كانت

حمامه ملفوفة في حزنها تنفش الصوف وتعدّها للغسل،‏ لم تمض إال أيام قالئل على جزها والبد من غسلها

وتنقيتها.‏ وكانت أمها تعد قصعة الحديد والماء وجذور نبات التيشخشخ التي تستعمل صابونا لتنظيف

الغسيل"‏ . 5 في سياق كتابة الهوية من خالل تسريد المعطى األنثروبولوجي وإخضاعه للفعل التخييلي،‏ فالمادّة

1

م س،‏ ص‎32‎‏.‏

2 ينظر،‏ قاسم ‏)سيزا(،‏ بناء الرواية دراسة مقارنة في ثالثية نجيب محفوظ،‏ ‏)د.ط(،‏ مصر،‏ هيئة الكتاب،‏

0222 ص‎222‎‏.‏

5

3 هويدان ‏)صالح(‏ الهامش االجتماعي في األدب قراءة سوسيو ثقافية،‏

والتوزيع،‏ 0225، ص‎025‎‏.‏

4 جالوجي،‏ ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎32‎‏.‏

م س،‏ ص‎22‎‏.‏

‏)د.ط(،‏ مصر،‏ رؤية للنشر

72


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

المعتمدة في غسل الصوف التي استعملتها ‏"حمامه"‏ هي نبات التيشخشخ وقد حرص السارد على ذكره بالعامية

تأكيدا على واقعية الحدث،‏ وتوثيقا لهذا المعطى الذي يؤشر إلى بدائية الحياة وبساطتها واالعتماد على عطاء

الطبيعة ومخزونها الثّري.‏

حين ننتقل إلى ما يغطي المكان طبيعيا/‏ جغرافيا يبرز ‏"الصوف ‏"مكونا أساسيا في هذا السياق.‏ هذه

المادة األساسية في الحياة المعيشية للشخصيات القائمة على تربية األغنام لتوفر الظروف الطبيعية ‏)األراضي

الخصبة للرعي(‏ لهذا النوع من االقتصاد.‏ وهنا يؤشر السارد إلى الوضع االقتصادي للقرية،‏ حيث كان سكانها

يعتمدون على الرعي بالدّرجة األولى:‏ ‏"كان قطيع األغنام واألبقار قد عاد من المرعى وكان الرعاة يجهدون

أنفسهم في إدخالهم إلى الزرائب"‏ . 1 إنه مشهد تصويري لحياة األغنياء في القرى،‏ ممثال في شخصية القايد

‏"عباس"،‏ الذي كان يمتلك األبقار واألغنام بأعداد كثيرة وكان يشغّل الرعاة لديه.‏

يصف السارد مشهدا سرديا السارد خاصا بعملية البيع والشراء القائمة على المقايضة بين القرويين والتجار

القادمون من أماكن أخرى:‏ ‏"وهو يبيع سلعته مقايضة بالبيض والدجاج وصوف األغنام وشعر العنز"‏ . 2 هذه

المواد هي األكثر وفرة في األوساط القروية بسبب اقتصار األهالي على ممارسة نشاط الرعي وتربية الحيوانات

األليفة.‏ والمقايضة إنما هي تعبير عن الفقر المدقع الذي كان يتخبط فيه أهالي البيئات المحلية التي كانت

تعاني التهميش.‏ وهي أيضا أسلوب تجاري متعلق بمرحلة زمنية قديمة.‏

وقد كان األهالي يجتهدون بأنفسهم من أجل تيسير سُبل معيشتهم،‏ خاصة من حيث توفير الماء:"‏ ساقية

معلقة صنعها أوالد سيدي علي من الحجارة وقصب اليراع وجذوع األشجار لينتقل الماء إلى الضفة األخرى."‏ 3

مجموع الوسائل المستعملة من األهالي والتي ورد ذكرها في النص،‏ هي من وحي البيئة اإليكولوجية،‏ إذ تفرض

جغرافية التضاريس المكانية على النفس البشرية نمط الحياة المناسب.‏ وينماز الشاهد السردي بسيطرة الس رد

التفاصيلي الذي اهتم بالجزئيات من خالل ذكر أهم التفاصيل األنثروبولوجية والمواد المستخدّمة.‏ وبفضل النسق

اللغوي تتحول هذه البيئة اإليكولوجية ضمن بنية النص إلى بنية ثقافية،‏ على الرغم من أنّ‏ هذا الموصوف هو

البيئة نفسها.‏

1

3

م س،‏ ص‎23‎‏.‏

2 م س،‏ ص‎232‎‏.‏

جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎53‎‏.‏

73


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

فضال عن تكتل سكان القرية ومساندتهم لبعضهم البعض وحمايتهم لعروشهم شرفا وأرضا،‏ ‏"فالعربي

الموسطاش"‏ رغم اغترابه عن عرشه،‏ إال أنه هرول إلى مساعدتهم أيام القحط والجفاف واصفا الحياة الصعبة:"‏

كان الطريق إلى بني ورتيالن صعبا شديد االلتواء،‏ يمر عبر الجبال والوديان.‏ وكانت مظاهر الفاقة والبؤس

صارخة في كلّ‏ مكان،‏ أرض مُجدبة وأنعام جف منها ماء الحياة"‏ . 1 يؤشر المقطع

إلى الوحدة الروحية

التماسكية بين أفراد العرش قبل أن يتلوثوا بالمدنية الحديثة.‏ إنّ‏ إحالة النص إلى أماكن تتعين واقعيا هو محاولة

لتسجيل وتسريد المعلومة الحقيقية.‏ ‏"فحين يشعر السارد بأنّ‏ هذا المكان الوطنيّ‏ ‏)الهويّاتيّ(‏ في فضاء السرد

الروائيّ‏ مُ‏ ‏َعرض للخطر على أيّ‏ نحو من األنحاء،‏ يأتي االستغراق في التفاصيل إلى درجة االكتظاظ الهائل

الضّاغط على ممكنات الس رد األخرى نوعا من التّشبّث بكنز ثمين مهدّد بالسرقة"‏ ، 2 دون إغفال القالب الل غوي

الجمالي الذي اعتنى فيه بالجوانب اإليحائية للكلمة.‏

وال يجد سكان القرية مكانا للترويح عن أنفسهم،‏ فيتجهون إلى الباحة:"‏ وسط القرية لاللتقاء كل مساء،‏

يناقشون كلّ‏ شؤونهم ويلعبون ألعابهم الشعبية خاصة لعبة الفلجة،‏ وربما استمعوا إلى حكايات سي الطالب التي

تعوّد أن يقرأها عليهم من كتبه الصفراء"‏ . 3 تشكل هذه اجتماعات يتحاورون فيها عن أحوال القرية أو يمارسون

لعبة الفلجة التي تعّد وسيلة من وسائل التّرفيه أو ينصتون إلى سي طالب ألنه كان أكثرهم إجادة للقراءة.‏ يقص

عليهم القصص وتجذبهم قصص البطوالت كقّصة ‏"عنترة بن شداد"‏ أو غيره من أبطال التاريخ في الشجاعة

والفروسية وهي القصص األقرب إلى ذائقتهم ألنهم

يتميزون بالقوة في مواجهة األعداء وال يخافون.‏ وهو ما يبرر

الحس الثوري الذي تميز به ‏"العربي الموسطاش"‏ عند انتقاله إلى المدينة فقد كان يدعو إلى محاربة المستعمر

وعدم التحاور أو التفاوض معه.‏

لقد غطت هذه المعطيات األنثروبولوجية المشكلة للمعيش اليومي في البيئة المحلية على النص.‏ وتبأرت

سرديا باعتبارها محفزا ومولدا تصهر الحكاية األساس/‏ االستدمار الفرنسي وتزيد توسعها لتجتاح البياض وتتنامى

بنيويا.‏ وعليه ينتصر النص لذلك المعطى،‏ ويجعله مركزيا بحكم أن المادة السردية التي اشتغل عليها السارد تنهل

من المتخيل الشّعبي الجزائري.‏

1

م س،‏ ص‎720‎‏.‏

: 2 صابر ‏)محمد عبيد(‏ سيمياء التّشكيل الروائيّ‏ الجمالي والثقافي في نُظم الصوغ السرديّ،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ عمان،‏

األردن،‏ فضاءات للنشر،‏

: 3 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎227‎‏.‏

0222، ص‎025‎‏.‏

74


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

0.1.0 المعمار التقليدي للبيت القروي في رواية ‏"حوبه":‏

يشكل المعمار التقليدي للبيت القروي والديكور الداخلي له رمزا من رموز ال تأصيل الهوياتي،‏ لذلك

نتوجه إليه بالدارسة في هذا الجزء من الفصل،‏ فمن خالل النصوص الروائية ستنصب دراستنا على النمط

الخارجي للبيت ومواد بنائه والديكور الداخلي للكشف عن الخصوصية الثقافية للبيت القروي الجزائري.‏ وقد

جعل السارد في نص ‏"حوبه"‏ المتشبع ‏"وعيه بعمق أنثروبولوجي من الرموز االجتماعية والثقافية المؤسسة للمعيش

اليومي بالقرية حدثا قويا مثيرا لمخيلة القارئ،‏ خاصة فيما يخص هندسة البيت الريفي،‏ األدوات التقنية والوسائل

المستعملة"‏ . 1

يحيل النص ذاكرة المتلقي إلى صورة القرية التي رغم أنّها متخيلة،‏ إال أنه أصبغ عليها الصفات الواقعية،‏

لتنسحب بذلك على جلّ‏ القرى الجزائرية في ذلك الحين.‏ فباب الغرفة يحتوي على ‏"طاق دائري ال يتجاوز

قطره شبرا واحدا،‏ يُفتح صيفا ويُحشى شتاء بخيش يمنع تسرب البرد،‏ وقد اسود سعف السقف وأعواده".‏ 2

وركز السارد بفعالية على الجانب الوظيفي لهذه النافذة الصغيرة في الباب خالل أطوار السنة.‏ كما بيّن الوسائل

المستعملة في بناء السقف التي تبدو بدائية جدا ومستوحاة من البيئة المحيطة باألهالي.‏ هذه الهندسة الطبيعية

العفوية تؤثثها منجزات بشرية هزيلة ممثلة في الموجودات/طبيعة األثاث،‏ الذي تخبر بغياب الحياة الكريمة

وتهميش القاعدة الشعبية من طرف المستعمر الذي تشكل في عدة صور منها ‏"القايد عباس".‏ يقدم النص إدانة

للنظام االستدماري والتذكير بعدوانيته.‏ كما يحيي البعد الهوياتي التي ظل راسخا في عمق الشخصيات رغم

االكراهات.‏

تتميز غرف االستقبال/الضيوف بديكورها الخاص الذي يعتمد على:‏ ‏"زرابي مزركشة تحيط بهما عشرات

الوسائد"‏ . 3 وتصنع الزرابي من الصوف بواسطة اَلة النّول.‏ وقد كانت هذه الصناعة التقليدية قد لقيت رواجاً‏

واسعا في الزمن الذي تبئره الكتابة الروائية في رواية ‏"حوبة ". وال تخلو الغرف من بعض الوسائل األساسية التي

تُركب بطريقة تقليدية:‏ ‏"ووقف أمام المرآة التي ألصقتها زوجته بالعجين على الحائط"‏ ، 4 يعكس هذا الملفوظ

السردي حاجة ‏"الزيتوني"‏ إلى تدبير سبل عيشه بأبسط الموجودات في محيطه،‏ ‏"ألن االنسان هو الذي يحدد

: 1 أبالل ‏)عياد(،‏ أنثروبولوجيا السرد العربي،‏ ص‎272‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎02‎‏.‏

3 جالوجي،‏ ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎72‎‏.‏

4 م س،‏ ص‎51‎‏.‏

75


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

سمات هذا المكان تبعا لظروفه المعيشية والطبيعية وتكوينه النّفسي واالجتماعي والفكري"‏ ، 1 الذي يبدو فيه

الفقر من سماته األساسية.‏

شكل المظهر المعيشي للغرفة أنموذجا عن فقر البيت،‏ وداللة أولى على البعد الحضاري للمكان،‏ إذ

‏"يعكس األثاث الذي فرش به المنزل مجموعة من القيم االجتماعية المادية والجمالية ذات الدالالت االجتماعية

الخاصة"‏ . 2 و

4 "

‏"يختار الكاتب عناصر المكان التي تشكل خيوط االرتباط بينه وبين العالم ويسميها،‏ تتحدد لنا

كمتلقين نسبيا مرموزاتها ودالالتها النفسية والفنية والحضارية وتتوضح المرامي االجتماعية للخطاب."‏ 3

البعد التوثيقي وصنع خصوصية النّص الروائي ‏"حوبه".‏

ذات

يبدو من خالل المقاطع السابقة والمعلومات األنثروبولوجية التي أثث بها السارد نصه،‏ أنّه أخضعه

‏"لسردية ثقافية واضحة وبارزة تشتغل على مرجعية قومية في توكيد الهويّة والدّفاع عنها،‏ إذ يشكّل المكان البُعد

األكثر قوّة في ضمان إمكانية الحديث عن هويّة،‏ فمن دون مكان ال وجود لوطن،‏ من دون وطن ال وجود لهويّة

ثقافية أو حضارية.‏ واستعراض الطابع الشعبي الرامز إلى نمط المعيش اليومي باالستعانة بالوصف اإلثنوغرافي

جعل رؤية النص تنفذ إلى صميم الحياة االجتماعية وتتمثلها في دينامكيتها العميقة.‏

وإجماال لما تمت معالجته نخلص إلى أن نص ‏"حوبة " لجأ إلى التعاطي مع مختلف التفاصيل

المكانية.‏ ولم يغفل الجزئيات البسيطة،‏ مما فتح نوافذ مشروعه السردي على الخصوصية الهوياتية وتثبيت

حضورها في النسيج السردي.‏ ال يمكن أن نبرح البحث دون عرض صورة عن طقوس الضيافة الشعبية،‏

لذلك

فإننا في المبحث الموالي،‏ نوجه بوصلة الدراسة نحو مختلف طقوس الضيافة واألواني المستخدمة في سياق

إبراز المعطيات األنثروبولوجية لهذا الطقس ومن ثمة إبراز التفرد الهوياتي.‏

2.1.0

أنثروبولوجيا طقوس الضّيافة في المخيال القروي في رواية ‏"حوبه":‏

الضيافة ظاهرة اجتماعية

تحمل رموز تلخيصية للهوية واالنتماء.‏ فلكل جماعة بشرية جملة من

الن واميس

تنفرد بها عن الجماعات األخرى.‏ وتَشمل الضيافة األعراف التي تُلزم المُضيف استقبال الضيف وتوفير له

2112، ص‎72‎‏.‏

1

2

3

بحراوي ‏)حسين(،‏ بنية الشّكل الروائي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ المركز الثقافي العربي،‏

قاسم ‏)سيزا(،‏ بناء الرواية،‏ ص‎220‎‏.‏

سليمان ‏)حسن(،‏ مضمرات النص والخطاب دراسة في عالم حبرا إبراهيم جبرا،‏ ‏)د.ط(،‏ سوريا،‏

منشورات اتحاد الكتاب العرب،‏

: 4 صابر عبيد ‏)محمد(،‏ سيمياء التّشكيل الروائيّ‏ الجمالي والثقافي في نُظم الصوغ السرديّ،‏ ص‎025‎‏.‏

2111، ص‎02‎‏.‏

76


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

الحماية والمأكل.‏ وتتميز الضيافة في األوساط القروية بكرم المُضيف وتختلف هذه الضيافة حسب المستوى

المعيشي،‏ لكنها تعتمد على صنف خاص من المأكوالت تتماشى وخصائص الوسط الطبيعي.‏

ترد طقوس الضيافة في رواية ‏"حوبه"‏ بنسبة أكبر من بقية روايات ثالثية ‏"األرض والريح".‏ يركز النّص على

تفاصيل كثيرة تتسم بها،‏ فال يكاد يغفل أدق الجزئيات،‏ حتى طريقة تقديم هذه الضيافة التي تتمظهر في وليمة

‏"العلجة"‏ زوجة ‏"الزيتوني"‏ على شرف نسوة العرش الآلتي ساعدنها في طّلي جدران غرفة بيتها.‏ فقد أعدت لهم

متكأ برزت فيه الشخشوخة طبقا رئيسيا:‏

الخشبية والفخارية وراحت تسقيها مرقا

نالحظ وصف السرد

‏"كانت العلجة قد أكملت إعداد الشخشوخة فمألت بها المثارد

فزبدا،‏ وتضع عليها قطع اللحم وتغرز

في باطنها المالعق الخشبية".‏ 1

لكل مراحل التقديم بطريقة تصويرية دقيقة،‏ تجعل المتلقي يتمثل صورة الطبق تخييليا.‏ لقد

برزت في الضيافة أكلة واحدة ال غير،‏ وهي ‏"الشخشوخة"‏ التي تبرز كأُكلة شعبية

يتم إعدادها

من تفتيت

الكسرة التي تُعجن من الطحين.‏ وهذا التعريف لطريقة الطهي قد ذكره السارد في هامش الصفحة.‏ وهنا تتعالق

الرواية بالكتابة فقد وجدنا عناية كبيرة بالهوامش في األنثروبولوجيا المعاصرة وال سيما في كتاب كليفورد غيرتز

‏"تأويل الثقافات"،‏ إنّ‏ الدّاللة التي تحيل إليها الرواية من خالل هذا التوثيق لطرق الطبخ أو أشكال

الغذائية،‏ شكل من أشكال األجندة الثقافية للهوية الجماعية ومرجعية تراثية شعبية.‏

األطباق

ومن األكالت الشعبية التي ولجت فضاء الكون التخييلي للنص،‏ نجد الكسكس الذي يقدّم مع المرق:‏

‏"وأسرعت حمامه،‏

السارد على ذكر مرق الشحم

بمثرد الكسكس مع مرق الشّحم ‏...وأحاط الثالثة يلتهمون ما في داخل المثرد"‏ 2 ‏.حرص

مصاحبا للكسكس بدال من اللبن مثال . وذلك أن السياق الطقوسي فرض ذلك.‏

فالعربي وسي طالب جاءا إلى الحاج لكحل لالطمئنان على حالة ابنه الطاهر.‏ إذن السياق هنا احتفالي وعليه

تخضع عملية

يحتم احترامها.‏

واجتماعي"،‏ 3

‏"التحضير والطبخ ومزج األطعمة لقواعد مطابقة داخلية ومالئمة لسياق مكاني وزماني

من الطّقوس المرتبطة بالضّيافة التقليديّة اليوميّة أو االحتفاليّة األكل الجماعي في أوان كبيرة،‏ إن االلتفاف

حول ‏"المثرد"‏ يوحي بالتفافهم حول بعضهم.‏ فالتكاثف يعدّ‏ من أبرز خصائص العروش.‏

وهو ما من شأنه أن

2

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎00‎‏.‏

م س،‏ حوبه،‏ ص‎01‎‏.‏

: 3 ‏)بونت(‏ بيار،‏ إزر ميشال،‏ معجم االثنولوجيا واألنثروبولوجيا،‏ تر عبد الصمد ‏)مصباح(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏

بيروت،‏ لبنان،‏ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،‏ مجد،‏ ‏)د.ت(،‏ ص‎222‎‏.‏

77


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

يقوّي العالقات االجتماعية،‏ ويخلق عالقة الصداقة عند إكرام الضيوف،‏

تفوق بكثير كميّة األطعمة المقدّمة إلى الضّيوف أو نوعيّتها.‏

ويحظى هذا الطّقس بقيمة رمزيّة كبيرة

يبرز ‏"الكسكس ‏"بوصفه الطّبق األساسي رغم وجود صنوف أطعمة أخرى ‏)كالشخشوخة(:‏ ‏"حين دخلت

عليهم أسفار الطعام مترعة بالكسكس،‏ ولحم الخروف الذي ذبح على شرف الشيخ".‏ 1 يالزم لحم الخروف

الكسكس الذي تقتضي العادة أن يكون بقطع كبيرة.‏ وللكسكس رمزية كبيرة لدى األهالي إلى درجة أنه يشكل

‏"هوية إثنولوجية على مستوى أوسع من العائلة أو الجماعة المحلية.‏ تتميز المجموعات اإلثنية بشكل عام

باستعمال طعام ما أو باالمتناع عن بعض أنواع من الطعام.‏ فبعض الفئات اإلثنولوجية قد تمتاز بطبق أو طبخة

أو أكلة معينة"‏ 2 ‏،و التي تشكل بدورها أهمية قصوى في االحتفاظ بالقيمة الثقافية واالجماع الشعبي في مختلف

المناطق الجغرافية.‏ وأهم بنيات التّأصيل الهوياتي للمجتمع وخصوصيته الثقافية.‏ ومن هنا فإن سكان القرية في

نص ‏"حوبه"‏ يقدسون الكسكس ويعدونه طبق الوالئم واألفراح.‏ وبالتالي فإنّه جزء من هويتهم الثقافية.‏

وتحضر األواني التي تُقدم فيها الضيافة رموزاً‏ ووسيلة تُحيل إلى النّسق التّصوري والمعيش اليومي لألوساط

الشعبية.‏ هذا الحضور يتم وفقا لتقنية اإلحالة الرمزية،‏ أيّ‏ عن طريق اإلشارة والتلميح إلى محيطها االجتماعي.‏

يصف السارد األواني التي قدمت فيها"‏ سالفة الرومية"‏ الضيافة إلى زوار زوجها ‏"خليفة:‏ ‏"تحمل في يديها صحنا

ومن هذا المنطلق

فخاريا من حسّاء المقطعة وعادت فأتت بالكسرة ذات قطع صغيرة في طبق من الحلفاء".‏ 3

يستشف القارئ طبيعة الوسط المعتمد على الصناعات التقليدية،‏ منها صناعة األواني الفخارية التي مادّتها

األولية الطين،‏ وبعض األواني األخرى التي تُصنع من الحلفاء.‏ فالشخصيات في هذه البيئة الريفية تستثمر كلّ‏ ما

في الطّبيعة وتشكل عالقة تآلفية مع المكان بهدف التأقلم معه ، ألنه يهيمن عليهم ويخضعهم لشروطه.‏ لذلك

فإن المطبخ هو ‏"الذي ينقل القيم الجوهرية لمجتمع ما،‏ هو أيضا إحدى أساسيات الهوية"‏ 4 واالنتماء،‏ بفضل

تمازج كل تلك التقنيات والتصرفات المتداخلة مع التصورات والمعارف لنتاج قيم اجتماعية وثقافية واقتصادية.‏

تبرز القهوة في ثنايا النّص كإحدى المشروبات التي تعتمد عليها الشخصيات في حياتها اليومية.‏ وتشكل

رمزية ثقافية في المخيال الشعبي،‏ ألنها مرتبطة بالجماعة واألنس.‏ فقد كانت أول ما قدمه ‏"الزيتوني"‏ عندما زاره"‏

: 1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎70‎‏.‏

: 2 ‏)بونت(‏ بيار،‏ إزر ميشال،‏ معجم االثنولوجيا واألنثروبولوجيا،‏ ص

3 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎221‎‏.‏

( بونت بيار(،‏ إزر ‏)ميشال(،‏ معجم االثنولوجيا واألنثروبولوجيا،‏ ص‎222‎‏.‏

.025

4

78


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

تؤشر القهوة في هذا المقام

‏"الشيخ لكحل"‏ ليخبره عن حال المحصول:‏ ‏"ووصلتهما القهوة،‏ ومعها ماء بارد".‏ 1

إلى سمات الجود وحفاوة االستقبال،‏ سواء في الضيافة أو االحتفاالت الشّعبية أو الزيارات اليومية،‏ كزيارةة ‏"سي

هي

ربح"‏ ل ‏"الزيتوني":‏ ‏"تدخل مسرعة باإلبريق والفناجين،‏ فاندفعوا يشربون القهوة وقد علّت الفرحة وجوههم".‏ 2

هنا عنوان للفرحة والبهجة،‏ خاصّة أنّ‏ شرب القهوة اصطبغ بعادات البدو وتقاليدهم وقيمهم وممارساتهم اليوميّة،‏

لذلك أصبحت عنوانا ألكثر القيم تقديسا واحتراما في المجتمع.‏ وهي الكرم والشّجاعة.‏ ف ‏"يتماهى أفراد تلك

الجماعة مع هذا الطعام فيعتبرون مناسبة وطريقة تحضيره واستهالكه جزءا من هويتهم"‏ 3 الثقافية.‏ وجانبا من

الخصوصية المجتمعية العربية.‏

ومن هنا تأتي أهمية تسرب طقوس الضيافة والترحاب إلى المتون الروائية التي تمثلت في أنواع األطباق

التي تُقدّم األواني المستعملة لهذا الغرض في إبراز التفرد الثقافي للمجتمع الجزائري ورمز تلخيصي لهوية

االنتساب للفرد والجماعة،‏ وثق له الكاتب بإتقان تقنية الوصف االثنوغرافي وموسوعية ثقافته التي أبانت عن حبه

العميق لهوية يخاف تالشيها بفعل رياح النسيان،‏ وأسهمت بذلك روايته المدروسة في إغناء المتخيل الفني

وإبعاد الملمح التقريري عن النص الذي شكل التراث مصدره الرئيس.‏

3. األبعاد الحضارية للمدينة في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏

جاءت روايتا ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ مرتبطة ارتباطا جوهريا بالمدينة الجزائرية،‏ وبهويتها التاريخية

وبمعالمها وتراثها متمثال الرؤى والتصورات التاريخية الماثلة في وجدان أبنائها من خالل الشخصيات المصطنعة.‏

سجل السارد بمختلف صوره أسماء المواقع والشوارع والمعالم،‏ ذات الحموالت الثقافية إلبراز هوية المدن

وإشهار وجه الرفض لالحتالل الذي حاول طمس الهوية الجزائرية.‏ في هذا السياق سنحاول مقاربة المدينة

أنثروبولوجيا من خالل أبعادها:‏ التاريخية،‏ والثقافية والتجارية،‏ وذلك انطالقا من تحريكنا لإلشكالية التالية:كيف

تتشكل الهوية الجزائرية من خالل مدنها وفق ما أبانت عنه النصوص الروائية؟

2

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎12‎‏.‏

م س،‏ ص‎722‎‏.‏

: 3 كناعنة)شريف(،‏ دراسات في الثقافة والتراث والهوية،‏ تح:‏ كنانة ‏)مصلح(،‏ ‏)د.ط(،‏ رام الله،‏ فلسطين،‏

مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديموقراطية ،0222، ص‎020‎‏.‏

79


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

1.2

البعد التاريخي:‏

تنبجس الهوية من رحم التاريخ ‏"وتتجذر هوية الجماعة في تاريخها،‏ ويبرز تاريخ الجماعة وآثاره في صيغ

ومن

مكتوبة...‏ وينطوي ذلك التاريخ أيضا على األحداث الفردية والجمعية،‏ وعلى صورة أبطالها التاريخيين."‏ 1

هذا المنطلق عاد السارد في نصوص ‏"حوبه"‏ و"‏ عناق األفاعي"‏ إلى التاريخ لينتقي مادته األدبية دون أن تشكل

وثائقه عبئا على النص الروائي الذي أعاد أنسنة الحدث التاريخي وبعثه من جديد على مستوى المتخيل الفني.‏

فالرواية عنده لم تبق وفية للتاريخ لكنها لم تغادره أبدا،‏ بل حاورته وساءلت بنياته وألغت بعض قوانينه واستبدلت

فالمتخيل وحده من يستطيع إكمال التاريخ

أخرى بقوانينها ‏"ليكتسي واقعيته ويستوي نموذجا إنسانيا".‏ 2

المقصي/‏ المهمش.‏ والنص عندما عاد إلى تاريخ هذه المدن الجزائرية ‏)سطيف،‏ وهران،‏ معسكر،(‏ إنما إلثبات

هويتها وأصالتها وارتباطها بهذه األرض/‏ الجزائر.‏

يستلم ‏"سي رابح"‏ السرد في نص

" حوبه"‏

ليسرد ل ‏"لعربي تاريخ مدينة ‏"سطيف "، المدينة الضاربة في

التاريخ.‏ ف " قامت هنا أول دولة شيعية في العالم وهي دّولة الفاطميين"‏ . 3 يقول ‏"سي رابح"‏ ذلك بكثير من الثقة

وهو العارف بكل خبايا تاريخ المدينة ومحيط بماضيها.‏ هذه المدينة التي انتقل للعمل فيها مذ كان شابا.‏

يضايف ‏"سي رابح"‏ بنيات معرفية تاريخية أكثر عن هذه المدينة شارحا:‏ ‏"ومن هنا انطلق جوهر الدين

تشكل عودة النّص إلى هذه

الصقلي مع اآلالف المتطوعين،‏ فاستولوا على مصر وبنوا القاهرة وجامعها األزهر"‏ 4.

األحداث دون غيرها تذكير وترسيخ لقدرة المدينة على إنجاب الثوار لخوض الحروب،‏ فمنذ القدم تعودوا على

المعارك.‏ والثورات ال تشكل عائقا أمام السكان فقد اعتادوا عليها وبإمكانهم تكرارها أمام المحتل الفرنسي.‏

يبدو السارد حذقا ومتعمدا وهو ينتقي أحداثا تاريخية لصهرها في نصه،‏ مركزا على أحداث النهوض ‏)قيام الدولة

الفاطمية في مصر(‏ للتدليل على قدرة شعبه على النهوض من جديد.‏

1

مكشيللي ‏)أليكس(،‏ الهوية،‏ تر:‏ وطفة ‏)علي(،‏ ص‎02‎‏.‏

2 محمد إبراهيم)رزان(،‏ الرواية التاريخية بين الحوارية والمونولوجية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ عمان،‏ األردن،‏ دار جرير،‏

0220، ص‎22‎‏.‏

4

: 3 جالوجي ‏)عزالدين(،‏ حوبه،‏ ص‎702‎‏.‏

م س،‏ ص

.222

80


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

يقحمنا السارد في فضاء جماعي برزت فيه المدينة/‏ سطيف مقاومة لالستعمار في عالقة جدلية بين

المكان بكل جزئياته والحرية التي تجندت لها الشخصيات.‏ في تصوير مشهدي يخاطب ‏"العربي الموسطاش"‏

الجميع:‏ ‏"خذ مكانك ستنطلق المسيرة بعد لحظات...وتعالت الزغاريد من البيوت والشرفات وراحت الشوارع

الفرعية تصب في المسيرة...ونظر إلى الخلف كان العدد هائال يقدر باآلالف...قال العربي وهو يتأمل الفتى

حامال الراية بفرح غامر إنه سعال بوزيد ‏...ثم أسرعوا يتفرقون يطاردهم الرصاص وأزير الطائرات وقرع أجراس

الكنيسة"‏ . 1 تشهد سطيف حدثا تاريخيا مصيريا/مسيرة ‎8‎ماي

44

السلمية لتذكير االستعمار بالوعد الذي قطعه

في منح الجزائريين االستقالل إذا نجح/‏ الحلفاء في اإلطاحة بألمانيا في الحرب العالمية الثانية ليتلقى الرد

الوحشي من االحتالل.‏ يستعين المقطع السرد بشخصية تاريخية/‏ سعال بوزيد وهو استدعاء غير اعتباطي،‏ إذ

أنه يعكس رؤيا السارد المتطلع إلى هذه الشخصية في المرحلة الحالية من تاريخه . 2

تبدو العالقة الحميمية للمكان واألهالي وتبدو سطيف/‏ المدينة الرمز للوطن والحرية.‏ ومن هنا تأتي أهمية

استحضار الممارسات التاريخية في صياغة النص من أجل تفعيل الذاكرة التاريخية المشحونة ضد اآلخر

لمحاربة تشظي الهوية الوطنية في الواقع وملمحاً‏ من مالمح المقاومة التي اتجه إليها بوعي ‏"أدب ما بعد

االستعمار".‏

في رواية ‏"عناق األفاعي"‏ تتجاذب الفضاء النّصي مدينتين جزائريتين ‏)وهران ومعسكر(.‏ يرتحل السرد إلى

‏"وهران"‏ التي لم تركن لإلسبان رغم محاوالته االستيالء عليها.‏ يتنحى السارد عن الحكي مفصحا المجال

لشخصية ‏"الجنرال بوير"‏ لتقديم أحداث سقوط وهران في يد اإلسبان:‏ ‏"كانت وهران جزءا من مملكة الزيانين

اآليلة للسقوط،‏ مما حرك شهوة ملك اسبانية فيرديناند الحتاللها...االسطول اإلسباني باالنطالق يوم

01

أغسطس‎0421‎ ‏...فوصلت يوم ‎00‎سبتمبر ليخوض معركة مع السكان دامت خمسين يوما انتهت بسقوط

المدينة وتحويل جامعهم الكبير إلى كنيسة...وظل االحتالل اإلسباني جاثما على وهران طيلة ثالثة قرون ‏...ثم

انتقلت إلى حكم العثمانيين بعد هجومهم عليها بقيادة صالح باي"‏ . 3

،2123

2

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه ص‎525-527-522‎‏.‏

ينظر،‏ الساعفين)إبراهيم(،‏ تطور الرواية في بالد الشام،‏ ‏)د.ط(،‏ بيروت،‏ دار المناهل،‏

ص‎200‎‏.‏

3 جالوحي ‏)عز الدين(،‏ عناق األفاعي،‏ ص‎037-030-032‎‏.‏

81


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

إنّ‏ إسناد دور السرد إلى الجنرال بوير الذي يمثل صورة اآلخر/‏ المستعمر هو محاولة لجعله يعترف

بجرائمه االستعمارية االستيطانية.‏ وقد أيد النّص منطلقنا هذا عندما سمح بتوظيف التواريخ بالدقة الشهر واليوم

والسنة.‏ وهي لعبة سردية تخترق حدود التجاوز في التأويل.‏ وال تسمح بمغالطة تاريخية،‏ هذه اإلشارات للعناصر

الخارج نصية تعمل على إجالء الغموض عن بعض األحداث التاريخية.‏ وتؤيد مسعانا القرائي/األنثروبولوجي

الذي لجأ إليه النص الروائي الستجالء البعد الهوياتي للمدينة/‏ وهران من خالل استدعاء التاريخ من مكمنه

وتوظيفه نسقيا.‏ كما يعمد المقطع السردي إلى ذكر حادثة تحويل المسجد إلى كنيسة،‏ معتبرا ذلك إغارة على

هوية المكان،‏ ودحض مقولة ‏"الحضارة"‏ التي يدّعي الغرب أنه جاء بها إلى الشرق والمغرب.‏ فوجود المسجد

تأكيد على الهوية االسالمية لمدينة وهران.‏ ويعود تاريخ تأسيسه إلى سنوات طويلة جدا أقدم من مدن إسبانيا

وفرنسا.‏

نستشف من خالل المقبوس السردي السابق أن الكاتب ‏"عز الدّين جالوجي"‏ ينطلق من رؤية قائمة على

تفكيك االستعمار.‏ ولعل الظروف الراهنة إلنتاج النص/‏‎0202‎م ‏)تشظي الهوية الوطنية لدى بعض الجزائريين،‏

وتمجيد اآلخر واالنبهار بمدنيته والممارسات اإلرهابية والتغريب الثقافي وغيرها(‏ العامل الرئيس لعودة رؤيا

المقاومة لالستعمار منطلقا للكتابة باستدعاء الذاكرة التاريخية والتذكير بممارسات اآلخر.‏ فالتاريخ لم يعد

يكتب من الجهة االمبريالية فحسب،‏ بل أصبح يُكتب من وجهة نظر الضحايا أيضا أولئك الذين هُمّشوا من

طرف السالطين لحظة تدوين الحادثة.‏ وخير من مثّل هؤالء الضحايا هم الروائيون ووسيلتهم الرواية ‏"ألنها أكثر

نظم التمثيل اللغوية قدرة في العالم الحديث،‏ من حيث إمكاناتها في إعادة تشكيل المرجعيات الواقعية والثقافية،‏

وإدراجها في السياقات النصية"‏ . 1 والكاتب الروائي يجتهد في ابتكار وضعيات يصبّ‏ فيها سيولته السردية،‏

مستثمرا حقوال معرفية متاخمة لألدب مثل التراث والتاريخ ...

يستشعر ‏"جالوجي"‏ جوانب عدّة في التاريخ الجزائري تلك التي تبعث الفخر في الفرد في الحاضر.‏

وعلى لسان الشيخ األمير عبد القادر يتم استحضار حادثة تأسيس ‏"معسكر"‏ عاصمة لمقاومته:‏ ‏"يجب أن

نتخذ لنا عاصمة،‏ فقد اخترت هذه المدينة المباركة،‏ مدينة أمّ‏ العساكر،‏ معسكر المصونة"‏ ، 2 جسد النص

المرجعية التاريخية لمدينة ‏"معسكر"‏ في أفق تأصيل أنثروبولوجي للهوية المكانية التي بدأت تفقد مالمحها بفعل

الزمن،‏ وبفعل سياسات التغريب الثقافي الممارسة،‏ ومحاوالت طمس التاريخ الحقيقي.‏ يأتي النص الروائي

1

إبراهيم ‏)عبد الله(،‏ السردية العربية ‏-تفكيك خطاب االستعمار وإعادة تفسير النشأة-،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏

لبنان،‏ المركز الثقافي العربي،‏

: 2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ عناق األفاعي،‏ ص‎022‎‏.‏

0227، ص‎22‎‏.‏

82


0.2

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

لتسجيل الخصوصيات الحضارية وحفظها،‏ رغم أن الميثاق الروائي يحتم تلقي النص كبنية متخيلة.‏ لكن النص

ينفلت إلى استدراج المعطيات الهوياتية.‏ وهنا تبرز القيمة التاريخية وأثرها في إبراز الدور الحضاري لمدينة

معسكر،‏ الحاضرة في النص لسانيا وعالماتيا وبوصفها مكونا ثقافيا وأداة من أدوات الهيمنة على النسق

المسيطر)االستدماري(‏ الذي يمتد بطرق أخرى إلى راهن الروائي.‏

البعد التجاري:‏

يصاحب االختالف الطبوغرافي بين المدينة والقرية اختالف اجتماعي وثقافي بالضرورة،‏ فالقرية ذلك

المكان المنغلق على نفسه وأهل عشيرته والمدينة/‏ سطيف في النص هي مكان يتميز باتساع مساحته وانفتاحه

على مختلف التشكيالت التجارية وهو ما يبرزه السارد عند ولوج ‏"العربي الموسطاش"‏ لسطيف ألول مرة:‏ ‏"وقف

وهو يدخل المدينة ‏...كان الحشد كبيرا واألصوات المتداخلة المرتفعة تصك اآلذان.‏ وكان هرج الناس أمواجا

متالطمة يبتلع كل شيء أمامه،‏ إنه السوق"‏ . 1 يمكن القول أنّ‏ السوق هو معطى أنثروبولوجي رمزي يحيل إلى

الجزء التجاري للمدينة والسمة المميزة لها.‏ لذلك فإنه:‏ ‏"يمتد على مساحة واسعة"‏ ، 2 لكثرة الباعة والمبتاعين

ووفرة وتنوع المنتوجات المعروضة.‏ ومن هنا فإنه صورة مصغرة عن الجو العام المشكل لمدينة سطيف

‏)االقتصادي،‏ الثقافي(‏ ومؤشرا رمزيا للمساحة الجغرافية.‏

وتتميز المدينة بحركة نشاطها االقتصادي الذي عرض السارد إلى بعض أشكاله التجارية:‏ ‏"عنده محل

كبير تباع فيه الثياب القديمة"‏ . 3 ومحالت أخرى تختص بالمجوهرات:"‏ في الداخل دكاكين أخرى تعرض

الفضة".‏ 4

فهذا التنوع هو سمة من سمات التطور التجاري الذي تشهده المدينة/‏ سطيف عكس ما وجدنا عليه

القرية التي تكاد تكون خاوية على عروشها.‏

تختلف وضعية المرأة االجتماعية في المدينة عن الريف،‏ إذ أنها تشتغل خارج منزلها عكس ما يحدث

في القرية.‏ حيث تكتفي برعاية األبناء والقيام بشؤون البيت اليومية.‏ ومنذ انتقال ‏"العربي"‏ إلى سطيف أخبره ‏"سي

رابح"‏ عن نمط الحياة فيها واقترح عليه عمال لزوجته:‏ ‏"حمامه ستشتغل مع خالتها تركية في الحمام كل صباح،‏

4

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

2 م س،‏ ص‎222‎‏.‏

3 م س،‏ ص‎222‎‏.‏

م س،‏ ص‎223‎‏.‏

83


م‎2‎

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

ستضمن مهنة وأجرة " 1 ، وبذلك فإنها تقاسم زوجها متاعب الحياة المادية.‏ وتتمايز المهن التي يعملها الرجل

وتكون غالبا في التجارة على النقيض من سكان القرية التي سبق وأن أشرنا إلى أنهم يمتهنون الزراعة والرعي.‏

يبرز أيضا الجانب التجاري في كثرة المحالت التجارية،‏ وتنوع السلع التي تباع فنجد:"حييم...يبيع

وسي

الثياب المستعملة...‏ هذا محل شمعون المونشو...زار أمقران في محله،‏ واكتشف معه مهنة الحدادة".‏ 2

رابح صاحب الحمام ويوسف الروج الذي فتح محال لبيع الصوف وغيرهم الكثير من الشخصيات التي

استقى/السارد مهنها من الواقع االجتماعي للفرد،‏ مؤسسا بذلك البعد الهوياتي للمدينة سطيف من خالل

الجوانب االقتصادية والتجارية خالل الفترة التي تضطلع الرواية بسردها،‏ مبرزا بذلك بعدا من أبعاد المكان/‏

البطل في نص ‏"حوبه".‏ ويأتي االشتغال الحثيث على تسريد هذه األبعاد متقاطعا قصديا مع الكتابة

األنثروبولوجية.‏ فقد عني األنثروبولوجيون بالجوانب التجارية واالقتصادية للمجتمعات التي عاشوا فيها.‏ ولطالما

شكلت هذه الجوانب محط تأمل وتفكير،‏ فنجد مالحظات مالينوفسكي في رحلته إلى جزر التروبرياند على

الزراعة واالقتصاد وأسلوب العيش.‏ كما قدم راد كليف براون في كتابه ‏"التنظيم االجتماعي للقبائل األسترالية سنة

0130

" قام بإجراء تحليل وتصنيف معطيات تتعلق بالمهن وامتالك األراضي لدى هذه القبائل.‏

2.2

البعد الثقافي:‏

يسعى نص ‏"حوبه"‏ تمثيل مدينة/سطيف سرديا متوخيا في ذلك البنى الفكرية ‏/الثقافية التي سادت

وتسيدت الحقبة التاريخية المبأرة.‏ من خالل شخصية ‏"سي رابح"‏ الذي يعري النص ويفضح ممارسات الهيمنة

االستعمارية/‏ المسيحية لتغيير مالمح الهوية العربية / اإلسالمية وإحالل هوية غربية ال تتوافق والمنطلقات الفكرية

للمخيال الشعبي.‏ يقول ‏"سي رابح":‏ ‏"هذا المسجد الوحيد في المدينة،‏ بناه األتراك قبل أن يرحلوا عن هذه

األرض،‏ وتوجد كنيستان وكنيس لليهود"‏ . 3 يؤشر المقطع السردي على الهوية الثقافية للمسجد الذي بناه

األتراكومازال راسخا في المدينة رغم مرور قرابة القرن من رحيلهم بالنظر إلى الزمن الذي يبئره النص.‏ وهنا إحالة

إلى الطابع المعماري التركي الذي طغى على أغلب الساجد،‏ مكتسحا الطابع المعماري المغاربي،‏ فاالحتالل

رغم اختالف سياسته وأهدافه وجهته إال أنه يسعى دائما إلى دحض هوية البلد المحتل.‏ كما يؤشر ذكر نوع

طابع المسجد إلى صورة ذهنية لدى المتلقي تحيل ذاكرته إلى البعد الواقعي لهذا المسجد.‏

1 جالوجي

س،‏ ص -225 -222 .252

3

‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎223‎‏.‏

جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

84


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

يستلم السارد الحكي ويصف أكثر:"‏ كان المسجد من الحجارة يتربع على مساحة كبيرة،‏ يمد منارته

عاليا إلى السماء " 1 . يحيل هذا الوصف اإلثنوغرافي إلى الخصوصية الثقافية للفن المعماري ألحد المساجد في

الجزائر عبر " قصص األشياء التي تحكي حضورها إلى المكان وتصنّعه"‏ . 2 وهي قصص حرص النص على

إيرادها ألنها تعكس ثقافة المكان وأصالته.‏ ومدى ارتباطه بهوية الجماعات اإلثنية التي سكنته ذلك الحين،‏

فالمكان يتشكل بقاطنيه.‏

وتبعا لذلك فإن وجود كنيستين للنصارى هو رمز يؤشر إلى أنّ‏ الحكومة الفرنسية احتالل صليبي،‏ يحمل

أهدافا تبشيرية.‏ وما يؤكده ‏"سي رابح:‏ ‏"وفي الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية"‏ . 3 وهذا معطى دالّ‏ على تواجد

المعمرين المسيحيين الذين ينتمون إلى المذهب الكاثوليكي واَخرون ينتمون إلى المذهب البروتستانتي.‏ وهدفها

‏)حكومة االحتالل(‏ مساعداتهم على أداء طقوسهم الدّينية.‏ أمّا وجود مسجد وحيد بالمدينة،‏ فيحيلنا إلى القيم

التي كانت تفرضها فرنسا لطمس الهوية الجزائرية والنظرة الدونية التي عدّتهم قلة يكفيهم مسجدا واحدا.‏

ودون

تختص مدينة سطيف بوجود عين الفوارة يقول ‏"العربي الموسطاش ":" ووقفا عند عين الفوارة "، 4

أن يترك سي رابح المجال للمتلقي للتساؤل عن التمثال الموجود فوق هذه العين،‏ راح يستعين بالتاريخ الثقافي

للمكان ليسرد لنا حقائق التمثال:‏ فقد ‏"نُصب هذا التمثال منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة،‏ أبدعه النّحات

الفرنسي دو سانت فيدال

Saint Du Fidel Francis

هل تعرف لماذا يا العربي؟،‏ ألن النبع قريب من

لقد

المسجد،‏ وقد أزعج الحاكم الفرنسي وجود المصلين للوضوء منه فجراً،‏ فأمر بوضع تمثال يخدش الحياء".‏ 5

تعالق في هذا المقطع السردي الزمن ‏)التقريبي لوضع التمثال(‏ أمام ‏)المسجد(.‏ وما يعنينا الصّراع العقائدي بين

2

3

4

5

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

م س،‏ ص‎215‎‏.‏

م س،‏ ص‎752‎‏.‏

م س،‏ ص‎222‎‏.‏

م س،‏ ص‎222‎‏.‏

85


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

األنا/المسلم واالَخر ‏/المسيحي.‏ وغطرسة االَخر في فرض منطقه ألنه المتفوق ماديا وعسكريا.‏ ممّا ولّد لديه

الرغبة في السيطرة على األنا المستعمر المسلوب حقه في التمتع بأرضه والخاضع بالضرورة لآلخر.‏

وقد استطاع الحاكم

الفرنسي " الشخصية المتطرفة ذات المرجعية الدينية أن تقدم تمثيال للواقع يجمع ما

بين المتخفي الشخصية الروائية والمرجع الخارجي الدّيني الذي تحيل إليه"،‏ 1

في بناء الحدث النصي.‏ ومن هنا

أصبحت هذه العين رمزا للتدليل عن الصراع القائم بين الشرق والغرب.‏ لكن اآلخر/‏ المستعمر لم يستطع أن

يجرد األنا من هويتها فقد أصر األنا/‏ المسلم على الوضوء في ‏"عين الفوارة"‏ رغم االكراهات.‏

سعى النص وباستراتيجية مضادة للنسق االستعماري / الفرنسي إزاحته سرديا باعتماد التاريخ لفضح وتعرية

الهيمنة االستعمارية التي مارست أسلوب القوة والهيمنة الثقافية بقمع الثقافات األصلية وجعلها هامشا يدور في

فلك مركزتيها،‏ مما أضعف األنا في المواجهة.‏

في

شكل فضاء ‏"سطيف"‏ مسرحا هذا الصراع.‏ وأصبح شاهدا على المقاومة.‏ ف ‏"المكان ال يكتسب دالالته

السطحية والعميقة والرمزية إال حين يصبح حيزا للقوى الفاعلة بصراعاتها ورغباتها وأحداثها " 2 ، التي تنطبع في

الذاكرة الثقافية للمكان.‏ ولهذا عمد النص إلى التعبير عن تصوراته عن اآلخر/‏ المستعمر بواسطة ‏"سي رابح"‏ من

خالل رؤيته وتصوراته الذهنية وتجاربه.‏ فهو يمثل الجزائري المحب لوطنه والعارف بخبايا التاريخ.‏ رغم أنه لم

يتلق تعليما،‏ بل احتكاكه بالمتعلمين وتنقله بين المدن أكسبه معرفة كبيرة وثقافة شاسعة.‏ استطاع النص ضمن

هذا االشتباك الداللي أن يقدم مادته في نسيج تصويري موحي يحيلنا إلى الخصوصيات الهوياتية ألماكن

واقع تاريخي واجتماعي وإنساني وثقافي متوسال بالتاريخ لإلقناع والتأثير.‏

ذات

سطيف يعيش القلة من الجزائريين ويسطو الفرنسيون النّصيب األكبر من المدينة:‏ ‏"كلّ‏ هذا الشارع

هو ملك للفرنسيين،‏ فيه منازلهم وحاناتهم"‏ . 3 ليبقى للجزائريين جزء قليل من المدينة يعيشون فيه مثل الغرباء.‏ فيه

من منظور السرديات اآلخر هو"‏ الذي يختلف عن األنا تفكيرا أو ثقافة أو جنسا أو دينا"،‏ ‏)عبد الله(‏

إبراهيم،‏ السرد النسوي الثقافة األبوية والهوية األنثوية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ المؤسسة العربية للدراسات والنشر،‏

عمان،‏ األردن،‏

حرب ‏)علي(،‏ تواطؤ األجداد،‏ اآللهة الجدد وخراب العالم،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الجزائر،‏ منشورات االختالف،‏

0227، ص‎22‎‏.‏

1

0222، ص‎202‎‏.‏

2

أوريدة ‏)عبود(،‏ المكان في القصة الثورية،‏ دراسة بنيوية لنفوس ثائرة،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الجزائر،‏ دار األمل

للطباعة والنشر،‏

3 جالوجي،‏ ‏)عز الدّين(،‏ ص‎222‎‏.‏

0221، ص‎25‎‏.‏

86


3

الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

بيوتهم ومقهى وحيد يرتادون إليه في أوقات الفراغ أو لمناقشة أوضاعهم:‏ ‏"دخال بعدها مقهى واط السقف،‏

ينزوي في ركنه األيسر محسب مسود،‏ يقف خلفه عامل منشغل بإعداد المشروبات الحارة على نار خافتة،‏ على

فالمقهى مكان شعبي اجتماعي

أرضيته فراش حلفاء وبعض الكراسي والطاوالت...هذه مقهى العرب"‏ 1

لالستراحة واللقاء بين مختلف الشرائح.‏ وهو خاص بالعرب أيّ‏ ال يرتاده الفرنسيون.‏ ويبدو تقليدي وبدائي من

خالل المعطى األنثروبولوجي الذي استخدمه ‏)فراش الحلفاء(‏ الذي أسهم في رسم الحدود االجتماعية ألفراد

المجتمع.‏ وهو إحالة رمزية إلى كل ما يمتلكه الجزائريون في المدينة،‏ فصفته بدائية/تقليدية،‏ فالمحتل يسيطر

علىكل شيء ويستغل البالد.‏ أما الجزائري فإنه يعيش على هامش الحياة.‏

المقهى في عمقه رمز من رموز الحرية الفكرية،‏ من خالل رصد السارد/‏ آلراء شخصياته،‏ من مختلف

الفئات االجتماعية في مختلف جوانب حياتهم:‏ ‏"سي الهادي داخال،‏ أعادهما إلى المقهى...يجب أن نظهر

للفرنسيين أننا لن نرضى بتواجدهم بيننا وهذا يقوم منذ االَن على مقاطعة العمل عندهم ومقاطعة سلعهم وقاطعه

االَخر غاضبا:‏ الثورة،‏ الثورة ..." 2 ، وعليه المقهى ليس مجرد مكان لالستراحة،‏ وإنما أصبح نقطة تجمع

للجزائريين ليعبروا عن آرائهم السياسية المناهضة لالحتالل.‏ فهو لم يتقصد المكان الهندسي بلّ‏ بعده

السوسيولوجي والشعور الذي يكنه الناس ضمن أبعاد هذا المكان.‏ ومن هنا تنشأ عالقة حميمية مع المكان

فالمقهى متنفس منح ‏"سي الهادي"‏ وأمثاله

‏"للتأثير المتبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه".‏ 3

الرافضون لالستعمار الحرية وهم منحوه رمزية اجتماعية جديدة.‏

كما تمتاز المدينة بوجود قاعة سينما،‏ وهي مؤشر يحيل إلى الثقافة الغربية ووجه من أوجه الغزو الثقافي

الذي جاء به ورمزية لالستيطان.‏ فغرضها توفير حياة الرفاهية للمعمرين:‏ ‏"قاعة سينما فارييتيvarietie لصاحبها

ماران"‏ . 4 يشير النص إلى صاحب القاعة واسمها باللغة الفرنسية لفسح المجال لنصه لالنفتاح على مختلف

اللغات حتى األجنبية منها.‏ وهو الميثاق الذي زكته الرواية الجزائرية في ارتيادها عوالم التجريب.‏

نستخلص مما تقدم أن هوية مدينة ‏"سطيف"‏ سرديا قد تشكلت من خالل التمازج والتعالق بين مختلف

الهويات التي تتوطن بها.‏ ف ‏"فرانكوا"‏ صاحب مجموعة أراضي وعقارات استولى عليها من الجزائريين،‏ و"ماران"‏

صاحب السينما المسيحيان،‏ ‏"شمعون المونشو"‏ الذي يشتغل في التنقيب عن اآلثار في المقابر وسرقتها،‏

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎222‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎722‎‏.‏

‏)أوريدة(‏ عبود،‏ المكان في القصة الثورية،‏ ص‎72‎‏.‏

4 جالوجي،‏ ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎221‎‏.‏

87


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

و"حييم"‏ صاحب محل المالبس المستعملة،‏ و"سي رابح"‏ صاحب الحمام،‏ و"أمقران"‏ صاحب المكتبة،‏

و"فرحات عباس"‏ الصيدلي والسياسي من دعاة االدماج وغيرهم الكثير...يختلفون في معتقداتهم بين مسلم

ومسيحي ويهودي ويختلفون في أنشطتهم التجارية ويختلفون في ثقافتهم.‏ وكلهم يعيشون في مدينة سطيف.‏

فقد"‏ أتوا من مشارب مختلفة...‏ ومعهم ثقافاتهم،‏ وقاموا بتصنيع خصوصية ثقافية جديدة وأساسها

المكان...بذلك يتصنع المكان اقتصاديا وسياسيا وثقافيا"‏ 1

ألنها ملتقى الناس من جميع االنتماءات والتوجهات.‏

وهو ما يساهم في بناء الهوية الحضارية للمدينة،‏

يعي جالوجي أن الرواية حين تشتبك بتاريخ الهويات،‏ فإن الهدف ليس كتابة تاريخ حقيقي،‏ ألن لكل

حقل معرفي خصوصيته وتقاليده العلمية في الكتابة،‏ لكن التحبيك الروائي يعيد ترتيب المواقف التاريخية في

نسق سردي يحفظ طبيعته السردية/‏ التخيلية والتاريخية معا.‏ فالهوية كيان يتشكل على مجرى التاريخ.‏ وهي

عرضة للتغير والتقلب والتحول.‏ فجاء تعامل جالوجي معها وفقا لهذه الرؤية.‏ فقد شهدنا انتقاالت الشخصيات

من أوطانهم األصلية إلى مدن أخرى.‏ واندماجهم مع أهلها

وغيرهم على نحو ما مرّ‏ معنا سابقا(.‏

تبنت

الرواية الغربية.‏

الرواية الجزائرية المعاصرة نموذجا

جديدا في الكتابة،‏

‏)العربي الموسطاش وسي رابح وفرانكوا وماران

سمته التجريب والمغايرة،‏

للخروج من شرنقة

والتوجه صوب التأصيل للكتابة الروائية/‏ الجزائرية التي تنطلق من واقع المجتمع الجزائري لتبني به

عوالمها التخيلية.‏ والعودة إلى المجتمع تعني بالضرورة العودة إلى البيئة الشعبية/المحلية إلبراز هوية الفرد.‏ انطالقا

ومن هنا تأتي ثالثية ‏"األرض والريح"‏ إلعادة صياغة القضايا التي تنبثق عن عالقة األنا باآلخر كجدلية الهوية،‏

واالنتماء،‏ والتغريب،‏ والهيمنة الثقافية.‏ وقد طرحتها هذه الثالثية طرحا مناقضا للخطاب اإلمبريالي ومقاوما له،‏ إذ

اعتمد خطابها على إبراز الخصائص النوعية التي تؤصل للهوية.‏

وصفوة القول في ختام هذا الفصل،‏

فإننا

ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏ و"عناق األفاعي"‏

سعينا إلى إبراز التجليات األنثر وثقافية الواردة في روايتي"‏ حوبه

من خالل تركيزنا على أحد أهم مباحث األنثروبولوجيا

الثقافية،‏ وهو مبحث التأصيل والهوية.‏ فقد تعرضنا لنسق القرابة المؤسس للمجتمع الروائي،‏ الذي تشابكت وفقه

الشخصيات الروائية،‏ معتمدين في ذلك على منجزات سوسيولوجيا األدب.‏ وفي سياق إبراز التميز الثقافي الذي

يميز هوية النص الثقافية حاولنا دراسة مختلف تجليات الهوية على

مستوى المعيش اليومي في القرية من خالل

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎215‎‏.‏

88


الفصل الثاني:‏ أنثروبولوجيا التأصيل والهوية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

طقوس الضيافة،‏ والهندسة المعمارية التقليدية للبيت ودورها في بناء التفرد الهوياتي معتمدين في ذلك على

األنثروبولوجيا التأويلية،‏ وبانتقال الشخصيات إلى المدينة تعرضنا إلى األبعاد الحضارية للمدن الجزائرية من خالل

األنساق األنثربولوجية النصية.‏ ونتهيأ لولوج الفصل الموالي في ضوء التصورات النقدية األنثربولوجية مستفهمين

عن األنماط المشكلة للمخيال الشعبي في الرواية؟ ودالالتها األنثروبولوجية؟

89


الفصّل الثّالث

هندسة المخيال الشَّعبي في

‏"حوبه"‏ رواية

و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار وعشتار"‏


تمهيد

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

ينهضُ‏ المخيال الشعبي للفرد على جانبين اثنين.‏ يتمثل األول في مجموع التصورات الماثلة في الالوعي،‏

ومتصلة بأشياء مقدسة عنده:‏ كائنات بشرية،‏ أشياء،‏ حيوانات...‏ أما الجانب اآلخر فيتمثل في الطقوس،‏ وهي

الجانب االنفعالي والعملي لتلك التصورات.‏

وتَظهر في ‏ُسلوكات

الناس من قبيل االحتفاالت مثال.‏ ف ‏"الط قس

والمُ‏ عتقد يتبادالن االعتماد على بعضهما بعضا،‏ فرغم أن الطقس يأتي كنتاج لمعتقد معين فيعمل على خدمته،‏

إال أن الطقس نَفسه ما يلبث حتى يعود إلى التأثير على المعتقد فيزيد تماسكه"‏ . 1 والطقوس هي شأن شعبي

يتيح عمل الناس على تحويلها

إلى عادة راسخة.‏ 2

ورغم تكرارها،‏ إال أنها تبدو جديدة بفضل األداء المشترك لها . 3

يتم تداولها عبر األجيال،‏ وتتميز بإجراءات منظمة ومنسقة.‏

وترتبط بالمشكالت الحياتية لألفراد،‏ تلك

األزمات تستوجب منهم استعطاف القوى بشعائر جماعية لمساندتهم على التخلص من هذه األزمات.‏ 4 ومن هذا

المنطلق تمتعت الطقوس الشعبية في الدراسة األنثروبولوجية بحضور مميز.‏ 5

شك ل المخيال الشعبي محور االشتغال الفكري والجمالي لروايات عز الدّين جالوجي،‏ من منطلق أنه

يشكل أحد روافد البنية الثقافية المتجذرة في الن صوص الروائية موضوع الدّراسة.‏ ومن هنا يروم هذا الفصل تقفي

األبعاد األنثروبولوجية للمعارف والط قوس الش عبية الموَظفة في روايتي ‏"حوبه ورحلة البحث هن المهدي المنتظر

وعناق األفاعي"‏ ورواية " هاء وأسفار عشتار".‏ وعليه نلج الفصّل الث الث في ضوء إشكاالت معرفية صغناها

على الن حو التالي:‏ ما هي طبيعة الطقوس الشعبية الموظفة في النصوص الروائية المعالجة؟ ما دالالتها

األنثروثقافية؟ فيم تمثلت طقوس السحر؟ وما مقاصدها الجمالية؟ ماهي الد واعي الجمالية لألسطورة؟ دوائر هذه

االستفهامات ستشكل قلق هذا الفصل اإلجرائي وتوجه مساره البحثي.‏

1 السواح)فراس(،‏ دين اإلنسان بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الدّيني،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دمشق،‏ سوريا،‏

منشورات دار عالء الدين للنشر والتوزيع،‏

2 ينظر،‏ خزعل ‏)الماجدي(،‏ بخور اآللهة،‏ دراسة في الطب والسحر واألسطورة والدين،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ شركة

الطبع والنشر اللبنانية،‏ ‏)د.ت(،‏ ص‎22‎‏.‏

3 ينظر،‏ م س،‏ ص‎22‎‏.‏

4 ينظر،‏ العشماوي ‏)مرفت(،‏ دورة الحياة دراسة العادات والتقاليد الشعبية،‏ ‏)د.ط(،‏ مصر،‏ دار المعرفة

الجامعية،‏ ‏)د.ت(،‏ ص‎72‎‏.‏

0220، ص‎55‎‏.‏

91


ص،‏

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

أنثروبولوجيا الولي في الطقس الشعبي

في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏

.1

غد ت الرواية تأويل رمزي للواقع بجمعها بين ثناياها،‏ الخيالي والمحسوس المتمثل في العناصر األنثروبولوجية

المجسدة في الطّقس الشّعبي ولوازمه.‏ ومن هنا اشتغلت روايات ‏"جالوجي"‏ على توظيف بنيات الفكر الغيبي التي

تمظهرت في ممارسات أنثروبولوجية،‏ كاإليمان بقدرات األولياء في حلّ‏ المشكالت،‏ وإغاثة الناس.‏ تنتشر هذه

المعتقدات في األرياف والمدن وبين الفقراء واألغنياء.‏ وهي ممارسات طقسية تِرد تحت غطاء مصطلح الدّين الشّعبي،‏

الذي يبرز عندما يشعر اإلنسان بالعجز والحاجة إلى وسيط بينه وبين خالقه.‏ فيأتي ‏"الولي"‏ ليجسد هذا الوسيط.‏ تتم

عملية صُنع هذا المقدّس الشّعبي باتباع مجموعة من الط قوس النّابعة من معتقد صنعه المخيال الش عبي.‏

نُذكّر أن قراءتنا األنثروبولوجية تتغيّا وصف المعتقدات في تشابكها مع البنى السردية من داخل النص.‏ ثم

تفكيكها وتأويلها بعد ربطها بالسياق الثقافي/‏ الخارج نصي.‏ واشتغالنا سيتم في هذا المحور من البحث على رواية

‏)حوبه،‏ عناق األفاعي(.‏ إذ سننطلق من معاينة الطقوس الشعبية الممارسة من قبل الشخصيات في تعاملها مع نسق

الولي.‏ ثم نتحول صوب الدالالت األنثروبولوجية لظروف إقامة األضرحة.‏ لنتدرج نحو أنثروبولوجيا وظائف الولي في

المخيال الشّعبي.‏ ومنه إلى أنثروبولوجيا الدراويش في المعتقد الشعبي.‏

الدالالت األنثروبولوجية لظروف إقامة األضرحة في رواية ‏"حوبه ورحلة البحث عن المهدي

: المنتظر"‏

1.1

يعرض نّص ‏"حوبه"‏ لعز الدّين جالوجي ضمن تالفيفه ظروف إقامة األضرحة التي تبدأ بوفاة الشّخص

صاحب الكرامات وفضله على أهالي العرش.‏ يطالب الحاكم أو كبير العرش ببناء مقام لهذا الرجل يخلد ذكره

جيال بعد جيل.‏ ويتمتع ‏"القايد عباس"‏ في عرش ‏"أوالد النش"‏ بهذه السلطة.‏ فعند إبالغه بخبر وفاة ‏"البهلي

لخضر":‏ ‏"أمر القايد عباس بإقامة قُرابة على قبره،‏ مرددا بين الناس:‏ الب هلي لخضر ولينا الصالح،‏ من العار أن

يكون لكلّ‏ العروش ق رابة ولي وليس لنا ذلك"‏ . 1 يتماهى الن ص قصديا مع النّسق الثقافي لمجتمع الشخصيات

المتمثل في الدّعم الذي قدمه ‏"القايد عباس"‏ وتشجعيه على بناء األضرحة لكسب حظوة أكبر عند أهالي

عرشه.‏ وتأتي جملة ‏"القايد عباس":‏ ‏"لكل العروش قرابة"‏ في سياق داللي تداولي على اللّسان الشعبي لتثير

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ‏)د.ط(،‏ دار المنتهى،‏ الجزائر،‏ 232

0202

92


م‎2‎

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

فالمخيال 1

قضية

جوهرية لطالما تناقلتها األوساط الشعبية،‏ وهي ضرورة وجود مقام للولي.‏

يختزل الشعبي

مكانة العرش في وجود المقام كمعادل موضوعي لتميزه بين العروش األخرى.‏

عام،‏

الضريح.‏

تلقى عرش

‏"أوالد النش"‏ ضوابط

بناء الضريح:"‏ فتّم ‏"القايد"،‏

يرفعون الرّايات ويصنعون الطعام ويضربون الدفوف"‏ . 2 يقوم الس ارد

وتلك

الممارسات الط قسية

التي تمارسها الشخصيات ابتغاء

يذكر السارد نوع القرابين التي تقدّم،‏ ولكن في الغالب"‏ أكثر

ومذ ذلك صار الضريح مزاراً‏ للناس كل

بعرض

تفاصيل الوالئم التي تقام عند

اتصالها بالمقدس)الولي(‏

ولم معتقدهم.‏

القرابين قيمة رمزية هي الذبائح التي تراق دماؤها".‏ 3

وتُصنف القرابين من النّاحية السيكولوجية بأنها وسيلة فضلى إلعادة التوازن الداخلي للفرد،‏ فبتقديمه للقربان

يغشاه شعور الطمأنينة اتجاه حاجته التي يرغب في تحقيقها أو يخاف فقدانها.‏

إن

إقامة هذا الجو الطقوسي

يجعل الشخصيات تفرغ الشحنات النفسية المكبوتة التي سبّبها الواقع الذي تعيشه فالطقس أو ال ‏ّشعيرة ال يكون

له إيحاء المقدس،‏ إال إذا ارتبط باالحتفال الجماعي المنظم.‏

استعان السارد بالد ال اللغوي:‏

الضريح".‏ فالكلمة هنا طقوسية،‏

فطقوسية الكلمة فيها استدعاء حاذق

‏"كلّ‏ العام"‏

ألنها تساعد المقدس

لإلشارة إلى الزمن المقدس لتحيين الحادثة األسطورية ‏"بناء

الد نيوي

وتشي باالستلذاذ الفكري والذهني

يحيل إلى أنّ‏ االحتفال في كنف المقام عاد ة سنوية عند عرش

للقارئ،‏

‏"أوالد

النّش"‏ يجب أن تُقام.‏ فتتعزز لدى األجيال قدسية الولي.‏ وي صنع من الشخص المدفون أسطورة مقدسة.‏ فالسّمة

الرئيسة لهذه االحتفاالت أنها مرتبطة بالزمن والمواقيت والقوة التي تفرض االمتثال االجتماعي لها.‏

األنثروبولوجيا الفرنسية مفهوم المخيال الجماعي وعرفته على النحو اآلتي:‏ المخيال الجماعي هو

مجموعة من التمثالت Représentation األسطورية للمجتمع.‏ فالمخيال هو اإلطار الجماعي الذي

يوجه ويحدد طبيعة مسيرة المجتمعات وحضاراتها كما يحدد ما يسمى في العلوم االجتماعية بالشخصية

مسار الفرد وسلوكه.‏ زندري عبد النبي،‏ الخلفية االجتماعية وبناء

الموروث الثقافي الالمادي-‏ در اسة مونوغرافية لبعض التعابير الشعبية في آهڤار وطاسيلي ناجاز،-‏

مذكرة لنيل شهادة دكتوراه،‏ تخصص:‏ علم االجتماع الثقافي،‏ كلية العلوم االنسانية واالجتماعية جامعة

الجزائر،‏‎0‎

س،‏ ص‎232‎

3 موسى الحسيني ‏)خالد(،‏ سالم كناوي عباس.‏ )0222(. أثر القربان الوثني في العشاء الرباني المسيحي

‏)المجلد 20(. العراق:‏ مجلة مركز دراسات الكوفة.‏ ص‎73‎

القاعديةPersonnalité Bas

،0220-0227 ص،‏‎25‎‏.‏

93


اللغة تأتي

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

في الملفوظ الس ردي

راسمة بوضوح

الشعبي.‏ الطقس أجواء

الموازي األدبي الذي يخترق النسيج النّصي دون وساطة،‏ فتَنكسرُ‏ أحادية الص وت الواحد،‏

خلف كُل تلفظ طبيعة اللغات االجتماعية بمنطقها الداخلي وضرورتها.‏

األفق االجتماعي للعينة

االيديولوجية Idéologème

فتقدم الفكر الش عبي في دور

إذ يستشعر القارئ

وصورة هذه الل غة في الرواية هي

االجتماعية ملحومة بخطابها وبلغتها.‏

صورة

تقدم رواية ‏"حوبه"‏ نفسها رواية بوليفونية تتداخل فيها األصوات.‏ فالشخصيات لديها مساحة كافية للتعبير

عن رأيها،‏ فتقل بذلك وصاية السّارد عليها لتتكلم بحرية أكثر،‏ وتعبر عن وعيها الثقافي اتجاه الحياة التي

تعيشها.‏ ومن هنا تبنت هذه الرواية الرؤية الحوارية التي أسس لها ميخائيل

الرواية باختين

ذات أصول شعبية

تتمثل في اللهجات الشعبية والر وح الكرنفالية ألنها تفرعت عن أجناس شعبية تحيل إلى طبقات اجتماعية دنيا

وعامة،‏ لذلك فهي ليست جنسا أدبياً‏ متكلفا،‏ بل تنمو باالستناد إلى أساس شعبي كرنفالي.‏ فالروائي ‏"ال يمكن

أن يفلت من مالمسة آالالف االسالك الحوارية المنسوجة من لدن الوعي االجتماعي"‏ 1

إن الرؤية الباختينية

تتوافق مع فلسفة الن ص/الخطاب كونه غير صاف ال تهيمن عليه فرادة الصوت،‏ وإنما هو خطاب صوغي تخترقه

أصوات أجنبية وتتفاعل معه فيتشكل إثر اندماجه في الت اريخ والمجتمع.‏

ينبثق الصّوت المُضاد في مجرى نّص

‏"حوبه"‏

مشككا ومفككا لعالمات السلطة.‏ وتمثّل هذا الصوت

في شخصية ‏"سالفة الرومية"‏ أرملة ‏"السعيد"‏ أخ ‏"القايد عباس"،‏ وهي تتحدث إلى ‏"خليفة"‏ زوجها حين كانا

يتابعان أهالي عرش ‏"أوالد النش"‏ وهم يقيمون ق رابة ‏"الب هلي لخضر".‏ تقول:‏ " وأخيراً‏ أصبح لنا ولي،‏ ردّ‏

خليفة

ممعنا في السخرية وأصبحت لنا قرابة بقدرة القايد عباس"‏ . 2 حملت ‏"سّالفة"‏ منظورا خاصا معبرا عن موقف

أيديولوجي نابع من داخل كيانها وعاكس لفلسفتها الرافضة ألوامر ‏"القايد"‏ التّسلطية.‏ يأتي هذا الرفض ترميزا إلى

كل ما يصدر عن هذه السلطة.‏

تجتاح روح السخرية

ُ

‏"خليفة"‏ ليشاركها ذات المنظور.‏ وهما الذوات المقموعة

لفقرهما.‏ ومن هنا ‏"تترائ وراء هذه اللغات كلها صور المتكلمين في لباسهم االجتماعي".‏ 3

وتمثل قّوة نّقدية

تنطلق من الهامش وانتهاكه لقواعد التحكم واإلجماع،‏ إذ يكشف الملفوظ السردي أعاله عن المساحة الواسعة

للشخصيات في

التعبير عن رفضها للق رابة.‏ فهذا الرفض يختزل د الالت الس خط لكل ما يأتي من الس لطة

1 باختين ‏)ميخائيل(،‏ الخطاب الروائي،‏ تر:‏ برادة)محمد(،‏ ‏)د.ط(،‏ ‏)د.ب(،‏ دار األمان،‏ 2123، ص‎22‎

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎235‎‏.‏

3 باختين ‏)ميخائيل(،‏ الكلمة في الرواية،‏ ترجمة:‏ حالق)يوسف(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دمشق،‏ منشورات وزارة الثقافة،‏

2122، ص‎222‎‏.‏

94


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

الحاكمة/‏ ‏"القايد عباس".‏ وعليه ال يصطنع نص ‏"حوبه"‏ شخصيات مسطحة فارغة،‏ وإنما يجعلها فاعلة،‏

لتكْوِين أيديولوجية عمله.‏

تتيح هذه العملية الخطابية/‏ البوليفونية تحرير األصوات

المقموعة،‏ وإعادة نقشها في الحكاية،‏ إذ يسمح

الس رد التّخييلي بتعايش"‏ العديد من الرؤى والمنظورات األيديولوجية والحياتية،‏ التي تمتلك حقها في الوجود

والصراع بمعزل عن المنظور األحادي المهيمن"،‏ 1

األصوات حق

على ن سقية الرواية في سنوات تبلورها األولى.‏ وأعطى لكل

التعبير بالرفض.‏ فالنّص لم ينتصر ألي من الص وتين.‏ والقارئ يتابع اآلراء المتضادة/‏ المتصارعة

دون أن يدرك رأي ‏"الكاتب"‏ ألنه ‏"يكون من المتعذر تماما تحديد الموقف الذي يتبناه...مادام يدير الصراع

األيديولوجي في شبه حياد تام"‏ 2 إذ ال يمكن معرفة موقف الكاتب هذه القضية أو تلك ألنه يتخفى وراء

الشخوص.‏

يبرز نّص ‏"حوبه"‏ رأي شخصية أخرى تميزت بقوتها وجاهها في ‏"مدينة سطيف/"سي رابح وهو يتحدث

إلى ‏"خليفة"‏ وهما يشاهدان

تعتقد أن األموات يمكن أن يفيدوا

احتفاالت االستمطار يقول:‏ ‏"انتقل سيدي الخير عن الفانية منذ قرن تقريبا،‏ فهل

األحياء؟"‏ 3

مساحة للقارئ للتدخل واستكناه المسكوت عنه.‏

وانتهى الحوار دون تقديم إجابة،‏ فقد تكتم النص عنها،‏ وترك

1 فاضل ‏)تامر(،‏ المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دار المدى،‏ دمشق،‏ ‏)د.ت(،‏ ص‎72‎‏.‏

2 لحميداني ‏)حميد(،‏ النقد الروائي واأليديولوجيا،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النّص

الروائي،‏ بيروت،‏ المركز الثقافي العربي،‏

3 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎723‎

2112، ص‎72‎‏.‏

95


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يَبدو جليا االختفاء الت ام للسّارد،‏ ومنحه لألصوات األخرى حرية الت مظهر والفعل.‏ وعدم التّسلط على

مجريات الس رد واستقالل كل صوت وبروزه سرديا

بَعيدا عن هيمنة الس ارد وتجاوزاته.‏ ليؤكد الن ص على تبنيه

لمنحى البوليفونية وانفتاح السّرد على تعددية الرؤية.‏ وهو انفتاح يكشف عن التناقضات الحادة داخل البنى

والكاتب

االجتماعية.‏ ‏"فالرواية ‏...هي األنموذج األمثل لبث فكرة الصراع األيديولوجي والثقافي واالجتماعي."‏ 1

بعد أن غدا هذا الفن يمتح من

برهافة حسه يستشعر هذه الهموم،‏ فال ‏"يرضى غير التعبير عنها بالرواية بديال".‏ 2

الطّبقات الش عبية ثيماته ومضامينه.‏

يفسح السّرد المجال لهذه األصوات المهمشة لإلدالء بالحقائق الخفية التي تكت م عنها الس ارد سابقاً،‏

فتأتي ملفوظاتهم لتمأل الفراغات الحكائية.‏ ومن ذلك حقيقة ‏"البهلي لخضر":"‏ الب هلي لخضر ليس من عرشنا،‏

كيف يتحول ولياّ‏ لنا؟ وكيف نقيم له قُرابة ونزوره ونفاخر به؟ منذ سنوات جاء غريبا واستقر هاهنا معززاً‏ مكرماً‏

خاصة بعد أن ظهرت كراماته"‏ . 3 يتولى ‏"خليفة"‏ تقديم هذه الحقيقة نسب

يقدمها السّارد.‏ وهذا يؤشر على احتفاء نص ‏"حوبه"‏ بك ل األصّوات المشاركة في القص.‏

‏"الب هلي لخضر"‏ للقارئ التي لم

ف " خليفة"/‏ صوت

شعبي مهمش في عرشه يسعى إلى مواجهة الس لطة ممثلة في بعض رموزها ‏"القايد عباس".‏ لكن التعبير الس ردي

جعله يعبر عن منطقه الفكري.‏ ف " خليفة"‏ ال يملك سلطة المال والجاه.‏ واألمر سيان ل ‏"سالفة"‏ التي توفي

زوجها ‏"السعيد"‏ بعد إنجابها البنهما ‏"يوسف الرُوج"،‏ الذي ما فت يتم العشر سنوات حتى أرسلته إلى المدينة

ليعمل وتخلصه من مكائد ‏"القايد عباس".‏

استعان الس ارد بكل ما من شأنه أن يجعل نصه منسجما مع المُعطى األنثروو ثقافي،‏ مما جعله يستعين

بكل ما تجريبي ويبتعد عن الطّرح الكالسيكي.‏ فعلى مكونات الن ص أن تبدو منسجمة حتى يألفها القارئ الذي

سيجد الصالت بين النص والواقع.‏ ومن ذلك ما نجده في نص ‏"حوبه"‏ حيث يَعمدُ‏ الس ارد إلى إقامة صالت

1 صابر عبيد)محمد(،‏ البياتي ‏)سوسن(،‏ معمارية النص الروائي التعدد الداللي وتكامل البنيات،‏

االن ناشرون وموزعون،‏

شاهين)محمد(،‏ آفاق الرواية...البنية والمؤثرات،‏ ‏)د.ط(،‏ دمشق،‏ اتحاد الكتاب العرب،‏

ص‎202‎‏.‏

3 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎235‎

0202، ص‎233‎‏.‏

2

‏)ط‎2‎‏(،‏

،0222

96


لغوي ة مع

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

فيصبح الن ص فسيفساء لغويا طافحا بالتعبيرات العامية/‏ الشعبية.‏ فالرواية ال تحاكي

اللهجة العامية 1

لغتها العامة اللهجات المحلية بل وعي الروائي"‏ ونظرته الفكرية واألدبية والتي ضمنها متخيله...وأملت عليه

االختيار بالهجرة إلى هذه النصوص دون غيرها،‏ مفرزة عالقات تناصية"‏ 2

تسبر

آفاق تأويله.‏ هذا ما كانت تلهج به ألسنة"‏ أوالد النش"‏ أثناء زيارتهم لقرابة ‏"الب هلي لخضر":‏

‏"الحَمْدُ‏ لله القَهَارُ،‏ رَب الظُلمهْ‏ والنُورْ‏

وصَلَى الله عْلَى سيدْنا مُحَمدْ‏ ضَيّْ‏ لْبْدُورْ‏

جينَاكُمْ‏ زايرين يا سيدْنَا خَضُوْر

باركنّا حياتنا ماتْخيبْ‏ وال تبُورْ"‏ 3

المعطى الجمالي للنّص وتفتح

الخلفية

إلى الخصائص المعجمية والصوتية للبيئة المحلية.‏ كما أنها جسدت

خضعت مفردات األغنية الشعبية

الثقافية 1

للشخصيات التي لم يتعد مستواها الت عليمي الكتاتيب.‏ تؤدي هذه األغنية عددا من الوظائف

اللَّهجة هي مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة...‏ التي تسير اتصال أفراد هذه

البيئات بعضهم ببعض"،‏ إبراهيم أنيس،‏ في اللهجات العربية،‏ ‏)د.ط(،‏ القاهرة،‏ مكتبة األنجلو المصرية،‏

0227، ص‎22‎‏.‏

2 دودين)رفقة(،‏ توظيف الموروث في الرواية األردنية المعاصرة،‏ ‏)د.ط(،‏ عمان،‏ وزارة الثقافة واالعالم،‏

2113، ص‎22‎‏.‏

3 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎232‎

تعرف األغنية الشعبية بأنها " قصيدة شعرية ملحنة مجهولة المؤلف كانت تشيع بين األميين في

األزمان الماضية ولبثت تجري في االستعمال لفترة ملحوظة ‏"ألكسندر هجرتي كراب،‏ علم الفلكلور،‏ تر:‏

صالح ‏)أحمد(،‏ القاهرة،‏ دار الكتاب العربي،‏ وزارة الثقافة المصرية 2123، ص‎057‎‏.وهناك رأي آخر

" األغنية هي التي أنشأها الشعب وليست هي األغنية التي تعيش في

تعريق بوليكافسكي

Bolokavaski

جو شعبي"‏ Bolokavaski, the commun , habits, eds new view, london ;1985 ,p102

والغناء هو " من الوسائل التعبيرية التي تنطوي على مفهوم عام للفنون الشعبية،‏ والتي مهما كان نوعها

أو شكلها تبقى مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبيئة التي ولدت في أحضانها وترعرت فيها لذلك كانت الموسيقى

التي يبدعها الشعب تراثا يعبر عن البيئة في أصالتها أكثر مما كانت تعبيرا من االبداع الفردي الذي هو

من أهم خصائص األعمال الموسيقية الكبرى"،‏ فاألغنية الشعبية ترتبط بوجدان األمة وحضارتها وعاداتها

وتقاليدها أكثر من ارتباطها الفردانية،‏ هذا هو العامل المباشر في نجاح هذا الفن الشعبي واعتناء الدراسات

األنثروبولوجية به إنما جاء للقيمة التي تحملها فقد عدت األغنية الشعبية إحدى مظاهر الموروث الثقافي

للشعوب.‏

الشعبي،‏

بولرباح ‏)عثماني(،‏ دراسات نقدية في األدّب الشعبي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الجزائر،‏ الرابطة الوطنية لألدب

0221، ص‎22‎‏.‏

97


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

المنوطة بها،‏ نجد منها الوظيفة التعبيرية،‏ والتي تتمثل في مشاعر الحب للولي والخضوع واالذعان لسلطانه،‏ بغية

تحقق المراد.‏ نجد الوظيفة التأثيرية التي تستهدف المستمع المجازي ‏/الولي لهدف

Symbolic

Representation

التأثير عليه.‏ وأخيرا نجد الوظيفة الشعرية التي تتمثل

في التمثيل الرمزي

ألفاظ األغنية في

التي تعبر عن المعاني الثقافية لألصوات وتحمل في ذات الحين الرمزية العميقة للولي في المخيال الجمعي،‏

باإلضافة لكون هذه األغنية جاءت مكّملة لطقس الخروج إلى زيارة الولي وهذا معتقد ثقافي يالزم الزيارات

الجماعية.‏ وتحمل كلمات األغنية معان اإليمان

جّو

بوحدانية الله،‏

وبنبيه

محمد عليه الصالة والسالم،‏

يجعلون الولي وسيطا بينهم وبين الله فيتوجهون إليه بالدّعاء بدال من التوجه المباشر إلى الله بالدّعاء والصالة.‏

أقحم السارد المتلقي في

االحتفال الشعبي الرتكاز لغته

على أيقونات لغوية شعبية،‏

حيث

لكنهم

جعل

ملفوظات األغنية تبدو بأنها مستقاة من اللهجة المحلية.‏ فكسرت صرامة الل غة الفصيحة،‏ وصنعت تالحم النص

لتناسب األغنية مع السياق الن صي.‏ ومن هذا المنطلق يبرز وعي السارد بآليات توظيف النصوص الموازية وجعلها

منسجمة مع النص.‏ فبمجرد اندراج"‏ األغنية الشعبية"‏ في جسد النص أصبحت بنية من بنياته،‏ تفاعلت مع بنياته

األخرى ‏)الزمكانية،‏ الشخصيات واللغة(‏ على مستوى المبنى والمعنى.‏ أما على مستوى الت لقي البصري،‏ فتبرز

جمالية األغنية في

ذلك الفاصل الغرافيكي الذي صنعه شكل األغنية على بياض الصفحة،‏

القراءة لدى القارئ ما يجعله يتوقف للحظات يتأمل أبعاد الصفحة.‏

لنسف بروتوكول

من هذا المنطلق نستخلص أن رواية ‏"حوبه"‏ استدرجت التّعدد اللّغوي داخل أتونها وأخضعته ‏"لتشييد

أدبي وتنظير لألصوات االجتماعية والتاريخية التي تمأل اللغة ‏)جميع كلماتها،‏ وجميع أشكالها(‏ وتغطيها

بدالالتها الملموسة والمحددة،‏ في نسق أسلوبي منسجم مترجمة الوضعية االجتماعية واأليديولوجية المميزة

للكاتب"‏ . 2 ما ساعد على تماسك نسيجها وشيد خصوصيتها،‏

وكشف عن عمق استيعاب

لهذا ‏"جالوجي"‏

التعدد اللغوي الذي يضفي دينامية وتوالد على الشكل الروائي،‏ واالحتمالية والقابلية لتعدد القراءات والتأويالت

على مستوى الداللة الممكنة.‏

" وما هو جدير بالذكر أنَّ‏ ‏"القسط الثقافي ألي مجموعة بشرية يرتبط ارتباطا وثيقا،‏ بالنموذج اللغوي

المميز المتميز لتلك الجماعة،‏ مما يجعل التقطيع المفاهيم وتوزيعها في ثقافة من الثقافات يختلف باختالف

اللّغات"،‏ فاللغة هي الحامل الثقافي،‏ فعن طريق اللغة تجسد األمم نصيبها من الثقافة ومن اإلرث

الحضاري.‏ بشر ‏)كمال(،‏ علم اللغة االجتماعي،‏ ‏)د.ط(،‏ القاهرة،‏ دار غريب،‏

2 ميخائيل ‏)باختين(،‏ الخطاب الروائي،‏ ص‎222‎‏.‏

2115، ص‎22‎‏.‏

98


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

وعليه يأتي

تعدد اللغات واألصوات في

نص

انشطار المحكيات وتقطع السرد وتناوب المتكلمين،‏

االجتماعي للشخصية ومركزها ثقافيا،‏ ومرجعية تلك البوليفونية،‏ الذاكرة

المشترك الثقافي.‏

‏"حوبه،‏ رحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏

وهذا االنسجام له أبعاد اجتماعية

التي قوامها األغاني واإلرث

مع منسجما

منسجمة مع الوضع

أو الشعبي

الدَّالالت األنثروبولوجية لطقوس زيارة

األضرحة في رواية ‏"حوبه":‏

0.1

ينضوي تحت بند تقديس األضرحة بعض الممارس ات الش عبية،‏ كالصّمت الذي يساعد الشخصية على

اإلغراق في التأمل.‏ وهو ما حرصت عليه ‏"أمّ‏ العربي"‏ أثناء زياراتها لض ريح ‏"أوالد سيدي علي".‏ في لحظات

ارتدادية يستذكر ‏"العربي"‏ الحّدث بكثير من الحبّ‏ واالحترام للولي:‏ ‏"تدعوه أمه أن يلزم الصمت حينما يقتربان

منه.‏ تشده بقوة من يده الصغيرة،‏ تخفف من خطوها وترتفع تمتماتها ال يدري الصغير معناها،‏ تطأط رأسها

وتدخل المكان المكسو هيبة وجالال،‏ تجلس عند الضريح المغطى بالقماش األخضر،‏ تشعل البخور والشمع"‏ . 1

يقدّم الس ارد ص ورة االرتهان لسطوة الولي،‏ بجعله محل تقديس.‏ والحذر من إيذائه والسعي الرضائه كواسطة تعلم

الغيب وتستطيع التحكم فيه.‏ هذا االرتهان استوجب من األم ترديد تراتيل أو أدعية أو جمال،‏ مبهمة تناقلتها

الشخصيات في الوسط الشعبي،‏ لم يُفصح السّارد عن فحواها وترك مجال استكناهها للمتلقي.‏

تنتمي البخور والشموع سيميائيًا إلى مُحفزات االستهواء أي الت أسيس واالستعداد للهوى.‏ وهو الحزن

والكرب.‏ ومن ثمة يبدأ الفعل السيميائي بانبثاق الهوى ف : ‏"تنتحب،‏ تستمد العون منه،‏ على هم الزمان"‏ . 2

فتنفعل الذات / األم،‏ ويؤشر إلى ذلك لفظة ‏"تنتحب"،‏ التي تحيلنا إلى أعلى مراتب البكاء الذي يصدر بصوت

عال.‏ ثم تخرج وهي مطمئنة واالطمئنان هو مرحلة التّهذيب بعد الهوى.‏

قد اشتغل السرد في نص ‏"حوبه"‏ على طقوس األم التي تمثل الجانب المتشدد والمؤمن بقدرات الولي

‏"سيدي علي".‏ وبأرها بالتركيز على المكانة التي يمتلكها الولي لدى األم،‏ التي ال تملك إال تمثالت

واستيهامات توارثتها هي أيضا.‏ وتحولت عبر الزمن والممارسة إلى عقائد ثابتة وحقائق جامدة.‏

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص

2 م س،‏ ص‎22‎‏.‏

.22

99


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يمكننا الت فكير األنثروبولوجي

من ردّ‏ زيارة األم إلى الضريح لكي تلتمس

ذلك الضُعف في نفسها وفي

سلطة مجتمعها.‏ وبالمقابل فإنها تَتقوى به إليمانها بقدرته على المنح والمساعدّة.‏ وقوته أعظم من كلّ‏ القوى

المحيطة بها،‏ إنه فضاء الراحة النفسية يمنحها الحرية مذ تنوي زيارته فال أحد يعارضها إذا كانت وجهتها

الضريح.‏ وهي دوما تجيد إقناع من حولها بسبب الزيارة المفاجئة،‏ ويشكل فضاء الضريح حرية مؤقتة تتخلص فيه

الش خصية من قيود اآلخر.‏ وتعبر عن بعض مكبوتاتها النفسية . وتعود منه وهي تشعر بارتياح وسكينة.‏ ومن هنا

يبرز تمكن المعتقد الشعبي من مركزية الثقافة المتحكمة في تشكيل الوعي الرمزي بالحياة ومحدودية المستوى

المعيشي.‏

هذه الخطاطة توضح مخيال األم اتجاه الولي ‏"سيدي علي"‏

الحاجة زيارة الولي الطمأنينة

ومن الط قوس األنثروبولوجية التي يمتح منها نص ‏"حوبه"‏ مكوناته التيماتية،‏ الط قوس التي جسدها ‏"العربي

الموسطاش"‏ عندما ألّم به خبر طلب ‏"القايد عباس"‏ الزواج من ‏"حمامه"،‏ ‏"فالعربي"‏ لم يجد مرفأ يظهر فيه ضعفه

وقلّة حيلته،‏ فلجأ إلى ضريح جدّه ‏"سيدي علي":‏ ‏"تل مسَ‏ قبر سيدي علي،‏ داهمته قشعريرة،‏ مزع عمامته بيسراه،‏

جثا على ركبتيه،‏ قبل الضريح وراح يصيح مجهشا بالبكاء كطفل صغير:‏

سيدي علي...‏ البرهان يا

البرهان يا

سيدي علي

... البرهان يا

سيدي علي..."‏ . 1 يحتفي الن ص بإبراز السيكولوجية التي عاشها ‏"العربي"‏ داخل

الضريح والضعف الذي ساوره.‏ كما يعب ر عن االنهيار الذي أصاب ‏"العربي".‏

وهذا االنهيار هو نجاح رغبة

‏"الهو"‏ الدفين في التحرر من المسؤولية والسيطرة التي يفرضها عليه األنا العليا الذي يلملم الشخصية في ذاتية

متسقة أمام اآلخرين،‏ بغضّ‏ النظر عما يدور في الداخل.‏

الوظيفة ذات النوع االجتماعي النّفسي ركز عليها فريزر وتايلورولكنها تتجلى بصورة أوضح عند

إن هذه المقاربة تؤكد

مالينوفسكي في كتابه السحر والعلم والدين

على حالة االتزان العاطفي وكيفية المحافظة على الشعور الداخلي باألمن في وجه الظروف المتغيرة.‏

ينظر:‏ كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ تر:‏ بدري)محمد(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ المؤسسة العربية

للترجمة،‏

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎27‎

Magic , Science and Religion

0221، ص‎722‎‏.‏

100


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

لقد فسح مقام ‏"أوالد سيدي علي"‏

وتمكن من إظهار هذا الضعف وممارسة كل سلوكياته كالبكاء والنحيب

مساحة شاسعة لخروج مشاعر الكبت التي عانى منها ‏"العربي"،‏

تتداعى في هذه اللحظات الطارئة،‏ إذ ال يمكن الت حكم بها لغياب سيطرة العقل الواعي.‏

ومن هنا تأتي أهمية زيارة

نتيجة األفكار والصور الذهنية التي

الض ريح في إخراج المشاعر السلبية من حالة الكمون إلى حيز الفعل المجسد

في ‏"البكاء"‏ أما على المستوى السيكولوجي،‏ فإنها تعمل على"‏ تحفيز الطاقات اإلنسانية وتدفعها نحو نشاطات

هادفة لتحقيق حياة أفضل على المستوى الشّخصي واالجتماعي"‏ . 1 وعليه فقد أعاد الضريح إلى ‏"العربي"‏ توازنه

النّفسي وحافظ على نظرة المجتمع إليه الذي يرفض رفضا مطلقا ضعف الرجل.‏ جسد المقطع السردي لوحة

سيكولوجية اتسعت فيها مساحات الهوة بين األنا العليا والهو الدفين في األعماق عبر طاقة الحالة االنفعالية في

تلك اللحظة التي ولدت العاطفة المتأججة مترجمة الدموع والنحيب.‏ تشكل هذه الطقوس وسيلة لالتصال،‏

ذات فاعلية.‏

غذت الخرافات المتوارثة معتقد الت عامل مع ن سق األضرحة واالستنجاد بهم بسبب تلك التبريرات التي

تقبع في الالوعي الجماعي المؤثرة على األفراد جيال بعد جيل.‏ ‏"فالعربي"‏ كان يزور األضرحة برفقة والدته في

صغره.‏ فترسخت في الوعيه مالمح الزيارة.‏ ولدى كبره،‏ أصبح يُداوم على الزيارة في حاالت الضيق والكرب.‏

وهنا يضمر الن ص قدرة الخرافات على الت وارث،‏ واألهمية المعطاة من طرف األجيال لألشياء الخارجة من النسق

الثقافي الشعبي،‏ خاصة إذا تعلق األمر بنتاج األجيال السابقة اآلباء واألجداد.‏ يقصد الفرد مكان الضريح ‏-بفعل

هذه الموروثات-بهيبة.‏ ويتواصل معها بقدسية ويعاملها بحميمية.‏ ودون أدنى تفكير،‏ فمخالفة السلف

وتخطيئهم يؤدي بالفرد إلى العقوبات.‏ ‏"وهذه الضوابط تضع االنسان في قالب معين تتماشى مع ما يريده

المجتمع ويفضله".‏ 2

الموسطاش"،‏

العقاب.‏

فتغيب اإلرادة والقرارات الشخصية،‏ إذ أن الالوعي مسيطر على تصرفات ‏"العربي

فبدال من التّوجه إلى الله بصالة استخارة،‏

لضعف إلى الولي اتجه

وازعه الديني،‏ وخوفه من

1 ريفيير ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا ‏-االجتماعية لألديان،‏ تر:‏ نبيل)أسامة(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ المركز القومي

للترجمة،‏

2 محمد حسن)إحسان(،‏ موسوعة علم االجتماع،‏ ‏)د.ط(،‏ لبنان،‏ الدار العربية للموسوعات،‏ ‏)د.ت(،‏

ص‎522‎‏.‏

0225، ص‎253‎‏.‏

101


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

2.1

أنثروبولوجيا وظيفة

االستمطار في المخيال الشعبي في رواية ‏"حوبه":‏

تأتي وظيفة االستمطار،‏ ضمن مجموع الوظائف التي يعتقد الفكر الشعبي في قدرة األولياء تحقيقها.‏

وكي يتحقق مرادهم يمارسون مجموعة من الطقوس لطلب المطر.‏ وقد قدّم السارد في رواية ‏"حوبه"‏ بعض هذه

الطقوس التي مورست عند ضريح ‏"سيدي الخير"‏ عندما حلّ‏ على سكان سطيف الجفاف وجدبت األرض.‏

تبدأ الطقوس باإلعداد لهذه الزيارات التي تتم جماعيا:‏ ‏"المئات يعدّون أنفسهم للخروج إلى ضريح الولي

الصّالح سيدي الخير،‏ هو وحده يملك بقدرته إغاثة النّاس،‏ حامي المدينة وأهلها"‏ . 1 تكت م الن ص عن العادات

الشعبية التي ترافق اإلعداد إلى الخروج.‏ واكتفى بالتأشير إلى العدد الكبير لهؤالء:"‏ المئات"‏ يؤشر الرقم إلى

القيمة الرمزية التي يحظى بها ‏"سيدي الخير"‏ في نفوس الشخوص الساكنة في المدينة وضواحيها.‏

تحيلنا الداللة العميقة للملفوظ اللغوي ‏)حامي المدينة(‏ إلى المعتقد الطوطمي،‏ الس ائد قديما لدى

الشّعوب القديمة،‏ التي اعتقدت في ‏)حيوانات،‏ نباتات...(‏ أصلها منها خلقت وهي تنتمي إليها لذلك وجب

تقديسها بعبادّتها والتقرب إليها بالقرابين ‏)الحيوانية،‏ أو البشرية(‏ . 2 وتحريم قتلها أو مس ها بأذى.‏ ومن هذا

المنطلق فإنه يغلب على الشخصيات االيمان الجازم بقدرة الولي على تحقيق المطر،‏ حتّى إنّهم ال يملكون

غيره،‏ فهو من يوفر الحماية للمدينة وأهلها.‏

تقوم شخصيات نص ‏"حوبه"‏ خالل ‏"طقس الخروج:‏ " بحمل ‏"رايات مختلفة األلوان،‏ يرددون ابتهاالت

وطقوسا،‏ يعزفون على القصبة ويضربون على الدّف،‏ عندما تجمعوا هناك،‏ راحوا يذبحون األنعام،‏ وينصبون

القدور لطهو الطعام،‏ سيأكل الجميع أمام الضريح،‏ وسيولى باألكّل الفقراء والضعفاء"‏ . 3 لتحقيق رغبتهم وهي

2

1 جالوجي ‏)عز الدّين(،‏ حوبه،‏ ص‎722‎‏.‏

فرويد ‏)سيغموند(،‏ عرف الطوطم"‏ هو في العادة حيوان يؤكل لحمه مسالم،‏ أو خطر مخيف،‏ وفي النادر

‏)شجرة أو قوة طبيعية(...‏ فالطوطم هو األب للعشيرة ومن ثم الروح الحامية لها والمعين"‏ سيغموند فرويد،‏

الطوطم والتابو،‏ تر:بو علي ‏)ياسين(،‏ راجعه:‏ كبيبو ‏)محمد(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ دار الحوار للنسر،‏

2127، ص‎07‎‏.‏ والطوطم حيوان أمريكي شبيه بالخنزير...والطوطم هو شعار يرسم على أعمدة وأسلحة،‏

أو على الجسد،‏ وحيوان أو شيء تسمى به العشيرة ويكون ذا صلة بأحد الجدود األسطورية لها"‏

والطوطمية عند جون مكلينان Johonهي Mclenan مبدأ الدين البدائي القائم على عبادة

الحيوانات والنباتات وأشياء أخرى مرتبطة بسلف العشيرة ريفيير ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا االجتماعية

لألديان،‏ ص‎52‎‏.‏

3 جالوجي ‏)عز الدين(‏ حوبه،‏ ص 722.

totémisme

102


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

المطر.‏ فحمل الرّايات وممارسة بعض السلوكيات كالعزف على القصبة وضرب الدّف لصنع جو مهيب يليق

بالولي يشير إلى عظمته في قلوب المؤمنين به،‏ وصدّق محبتهم له إلزاحة العوامل العارضة لسقوط المطر التي

تكون في الغالب خطايا الناس وسيئاتهم وظلمهم لبعضهم.‏

تُفصح هذه الط قوس عن"‏ محدودية السلوك الفردي الذي تتحكم فيه تلك العادات والتقاليد،"‏ 1

التي

أسستها تصورات األجداد التي تتمتع بالتقديس عند السلف،‏ فتبحث الجماعة عن المُحجاجة النّصية في إقناع

أعضائها بالنّسق الثقافي الذي تتمثّله.‏

تشكل هذه الطقوس وسيلة لالتصال بالمقدّس الدنيوي ذات فاعلية رمزية تحيل إلى تلك المعتقدات

الماثلة في الالوعي الجماعي،‏ حيث ‏"تختار كلّ‏ ثقافة،‏ حسب تقاليدها وخرافاتها،‏ نوع الطقوس وتفضله عن

آخر"‏ . 2 فهي تخضع لعوامل جينالوجية تالئم وضعها المادي والثقافي.‏ انخراط الشّخصيات في هذا الطقس

‏"ولد لديهم حالة ذهنية من جيشان المشاعر الجماعية وفورانها.‏ فالممارسات الجماعية والطقوسية...تدخلهم

في الحالة الجماعية...فثمة حرارة وعاطفة يولدها الفعل الطقوسي الجماعي"‏ . 3 تجعلهم يفرغون المكبوتات

والضغوطات الدفينة.‏ وهذا ال يتأتى إال في جو تحياه الذاكرة الجماعية فارضة أنماطها الثقافية وسلوكياتها،‏

فتخرج الرواسب القابعة دون وعي.‏ ويتم تقاسم هذه

غيرها من الجماعات.‏ 4

المظاهر الثقافية المشتركة التي يتم إبرازها لتأكيد تميزها عن

ال ينتهي االحتفال الش عبي باالستمطار دون تقديم القربان للتقرب إلى الولي/‏ سيدي الخير.‏ وأكثر هذه

القرابين قيمة هي األضاحي التي تُراق دماؤها أمام الضريح.‏ وتتعدد أنواع األنعام بين اإلبل والبقر.‏ وقد شكلت

الكباش أكثر القرابين تخليدا لدى الشعوب القديمة ‏)المصرية،‏ الهنود،‏ اليونان(.‏ وحتى في الدّين اإلسالمي

عندما أوحى الله إلى سيدنا إبراهيم بذبح الكبش بدال من ابنه.‏

2

1 بورايو ‏)عبد الحميد(،‏ منطق السرد:‏ دراسة في القصة الجزائرية الحديثة،‏ ‏)د.ط(،‏ الجزائر،‏ ديوان

المطبوعات الجامعية،‏ 2122، ص‎207‎‏.‏

ريفيير ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا االجتماعية لألديان،‏ ص‎22‎‏.‏

: 3 المحواشي ‏)منصف(،‏ الطقوس وجبروت الرموز:‏ قراءة في الوظائف والتّحوالت،‏ مجلة إنسانيات،‏

العدد

ينظر،‏ سبيال ‏)محمد(،‏ مدارات الحداثة،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ الشبكة العربية لألبحاث والنشر،‏

ص‎253‎‏.‏

،0221

،21 المجلد ،0222 ،22 ص‎02‎‏.‏

4

103


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

وباالستناد إلى هذه المرجعية الثقافية،‏ يمكننا الجزم بأن أنواع الذبائح التي أشار إليها السارد في نص

‏"حوبه"‏ هي الكباش.‏ فمن لحومها تُصنع األطعمة وتقدم صدقة للمحتاجين والحاضرين في هذا االحتفال.‏

والهدف الذي ترمي إليه هذه الطقوس هو تحقيق البعد الترابطي بين الشخوص ونبذ الخالفات.‏ ‏"فأول ما ترمي

الذبيحة إلى إبطاله هو الفتن والمنافسات واألحقاد والشجارات بين ذوي القربى.‏ فبالذبيحة يتحقق االنسجام

بين أفراد الجماعة وتتوثق أواصر الوحدة االجتماعية"‏ . 1 وتجعل الفرد قادراً‏ على الشعور بأبعاد إنسانية واجتماعية،‏

فتصبح هذه الممارسة مناقضة لكل الصراعات وتجعل المجتمع في نص ‏"حوبه"‏ في حالة تضامنية حميمية في

مواجهة الحالة التصادمية.‏ وتحول دون الوقوع في مخاطر الت فسخ االجتماعي.‏

من خالل قراءتنا لهذه الممارسات،‏ نخلص إلى أنّ‏ الخطاب الشعبي باعتباره إحدى أنواع الموروثات

الثقافية يشكل كوابح اجتماعية تمنع من سلوكيات ناشزة تودي بالفرد أو المجتمع.‏ فتتبدى لنا الشحنة الروحية

والن سق المعماري والقيمي للمعتقد الشعبي داخل مجتمع ‏"نص حوبه".‏ وتتبدى مميزات الطّقس في أنها ‏"شبكة

دقيقة ومركبة حيث كل عنصر وموضوع وذات وعالقات عابرة وكلّ‏ األحداث المهمّة وكلّ‏ فكر وفعل...‏ ال تأخذ

قيمتها إال بارتباطها بالكلّ‏ وال تأخذ معناها إالّ‏ في الشمولية وبها."‏ 2 ويؤمن االحتفاء الجماعي بهذا الطقس

استمرارية هذه المعتقدات عند المؤمنين بها،‏ وتوارثها بين األجيال وإثبات وجودها.‏ ‏"ولتحقيق الحاجات النّفسية

للتماسك الفكري واالستقرار العاطفي...كما أنها صورة التعاضد االقتصادي والسياسي بين هذه

العائالت".‏ 3

تشكل هذه الطقوس روح الجماعة ‏)‏Ethos‏)التي انبثقت عنها.‏ فكل جماعة تؤسس طقوسا تتوراثها أجيالها

تصنع خصوصيتها بين الجماعات األخرى.‏

1 جيرار ‏)رينيه(،‏ العنف والمقدس،‏ تر،‏ سميرة ريشا،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ المنظمة العربية للترجمة،‏

،0221

0225، ص‎35‎‏.‏

ص‎01‎‏.‏

2

مافيزيولي ‏)ميشيل(،‏ تأمل العالم الصورة واألسلوب في الحياة االجتماعية،‏ تر الزاهي ‏)فريد(،‏ ‏)د.ط(،‏

القاهرة،‏ المجلس األعلى للثقافة،‏

3 كليفورد ‏)غيرتز(،‏ تأويل الثقافات،‏ ص‎702‎‏.‏

في الدراسات األنثروبولوجية الحديثة يشار إلى القيم الجمالية/‏ األخالقية في ثقافة ما بمصطلح روح

الجماعة...‏ وهي الخاصية التي تميز شعب ما والذوق الجمالي والمزاج العام،‏ ينظر:‏ كليفورد غيرتز،‏

تأويل الثقافات،‏ ص‎012‎‏.‏

104


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يتقاطع التوصيف اللغوي لهذه الطقوس في المتن الروائي مع الكتابة األنثروبولوجية،‏ وكأن السارد هو

األنثروبولوجي الذي يعيش بين الجماعة البشرية ويالحظ ويشارك معهم حياتهم اليومية.‏ وينقل في مذكراته تلك

العادات،‏ ونص ‏"حوبه"‏ يقدم نفسه للقارئ بوصفه وثيقة إثنوغرافية

Ethnography

تمكنه

من الوقوف على

البنى الثقافية المشكلة للفكر الشعبي للمجتمع الذي يرصده،‏ وللحقبة التاريخية التي يضطلع بتسريدها.‏ وفي

النص تأشير إلى الطرق التي تضمن للمعتقد رسوخيته وانتقاله من جيل إلى آخر.‏

من خالل قرآءتنا لهذه الممارسات نقف على مسألة مهمة،‏ هي أنّ‏ الخطاب الشعبي يشكل كوابح

اجتماعية تمنع من سلوكيات

ّ

ناشزة تودي بالفرد أو المجتمع.‏ فتتبدى لنا الشحنة الروحية والن سق المعماري

والقيمي للمعتقد الشعبي داخل المجتمعات.‏ وتتبدى مميزات الطّقس،‏ في أنها ‏"شبكة دقيقة ومركبة حيث كل

عنصر وموضوع وذات وعالقات عابرة وكل

األحداث المهمّة وكلّ‏ فكر وفعل...‏ ال تأخذ قيمتها إال بارتباطها

مما يسمح ويفرض البقاء االجتماعي واستمرارية الجنس البشري

بالكلّ‏ وال تأخذ معناها إالّ‏ في الشمولية وبها".‏ 1

لهذه الجماعة االثنية تاريخيا.‏ كما يؤمن االحتفاء الجماعي بهذا الطقس استمرارية هذه المعتقدات عند المؤمنين

بها وتوارثها بين األجيال وإثبات وجودها أمام األغيار.‏

إذن تشكل زيارة األضرحة ومختلف الطقوس المصاحبة لها،‏ حيزا هاما في مجال الممارسات الش عبية.‏

وقدراً‏ كبيرا من الموروث الثقافي للشخصيات توارثته عبر أجيال.‏ وقد أبدت روايتا ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

حنكة واقتدارا معرفيا في انتخاب الممارسات الشعبية التي وظفتها داخل متنيهما.‏ حيث ابتعد ‏"جالوجي"‏ بذلك

عن عبثية االختيار وتقديس الماضي وموروثاته دون تمحيص،‏ ونهل مما يصوّر نظرته الخاصة وما يخدّم واقعه

خاصة في ظل العودة إلى هذه الممارسات في اآلونة األخيرة.‏ وقد شهد المجتمع الخارج النصي إقبال الجهات

الرسمية التي تشجع مثل هذه االحتفاالت،‏ فال يكون المسؤول ذا مكانة في المجتمع،‏ إال عندما يدّعم ويسعى

جاهداً‏ إلى االحتفال بالوعدات مما يعكس احترامه لولي هذه المدينة وأهلها.‏

تدين روايتا ‏"حوبه"‏ وعناق األفاعي"‏ تلك القيم الني ساهمت ‏"في بناء ذهنيّة عامّة ال ترفض ظلم السّلطان

واستبداده،‏ بل تنمي الصّبر على مكارهه وتحث على االمتثال واإلذعان"‏ 2

لظلمه.‏ ومن هذا المنطلق أس س

1

مافيزيولي،‏ ‏)ميشيل(،‏ تأمل العالم الصورة واألسلوب في الحياة االجتماعية،‏ ص‎35‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(‏ حوبه،‏ ص‎220‎

105


جالوجي

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

ل ‏"إنتاج خطاب يعمل على تغيير البنية الثقافية المشوهة المبنية على أفكار بالية وبدائية الطابع".‏ 1

ومساءلة الماضي وإعادة قراءته ونقده بكل حيادية واستلهام الحلول للحاضر.‏

إن الت مثيل الرّمزي في نصي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ للقيمة الروحية التي يكنها الفرد الجزائري للولي،‏

من خالل شخصية ‏"العربي".‏ تكمن تلك القيمة في المعاني الروحية القدسية التي تسري في دمه،‏ رغم وفاة

‏"الولي سيدي علي ". ومرور السنين على ذلك هي التي دفعته إلى االعتقاد في حمايته،‏ إذ يقول محاورا

‏"عيوبه":‏ ‏"ال،‏ طبعا العفريت يُالزم بيوتنا وودياننا منذ األزل لكنه ال يؤذينا ألننا أوالد الولي الصالح سيدي

علي"‏ . 2 هذا الفكر المتجذر في الالوعي الجمعي،‏ يمثل إحدى آليات الن سق في الدّفاع عن رسوخيته وفي

مواجهة الزمن أو المعتقد المخالف.‏

تمثل خطاب ‏"جالوجي"‏ في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ معتقدات المجتمع الجزائري باألولياء

الصالحين.‏ ونقل من خالل ملفوظه السردي مختلف مظاهر التبرك باألضرحة بوصفها ظاهرة أنثروبولوجية.‏ هذه

المادّة الثقافيّة التي بنت المتخيل الفني للنّص،‏ حاول الروائي رصدها عبر هذا الفضاء الجغرافيّ‏ من الجزائر ممثال

في مدينة سطيف وما جاورها.‏ تفاعلت هذه النصوص الروائية مع الممارسات الشعبية وجعلتها قناعا لنقد

الماضي من أجل إعادة دراستها واستلهام الحلول،‏ فالرواية الجديدة تقيم مشروعها على نقد مشكالت المجتمع

وتبني أشكاال سردية جديدة أكثر جذبا للقراء وإغناء ألفق التلقي،‏ ولعل نصي ‏"حوبه وعناق األفاعي"‏ قد أبانا

عن قدرتهما على كشف هذه األنماط الثقافية،‏ بفضل انفتاحهما على األجناس األخرى.‏ وقدرتهما على صهرها

ضمن نسيج خطاب سردي واحد،‏ دون أن يفقد أي من هذه األجناس األدبية هويته أو قيمته الفنية والجمالية،‏

بل على العكس قد أغناهما وفتح ل ‏"جالوجي"‏ مصراع المغايرة وارتياد عوالم للتجريب.‏

1 عبد الرحمن ‏)تبرماسين(‏ وآخرون،‏ السرد وهاجس التمرد في روايات فضيلة فاروق،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الدار

العربية للعلوم،‏ ناشرون،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(‏ حوبه،‏ ص‎22‎‏.‏

0220، ص‎22‎‏.‏

106


ضبع

2.1

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

الدّراويش في المعتقد الشعبي في رواية ‏"حوبه":‏

يعدّ‏ الدّرويش ظاهرة أسطورية تشبعت بروح التّقديس والتّبجيل في الثقافة الشعبية،‏ العتقادهم أنّ‏ الله خلق

بداخله الوحي والنبوّة،‏

روحيا من فضاءات الحضرة

الدراويش بدور البطولة:‏

وأيدهم بالمعجزات الخوارق.‏ ويصنع السارد في نص ‏"حوبه"‏ من اللغة الصوفية فضاء

راح ‏"وقد

التي أقامها سكان مدينة سطيف عند مقام ‏"سيدي الخير".‏ حيث تستأثر

بعضهم يلتهم الجمر كما التمر،‏

وتساقط بعضهم مغمى عليه وقد ظهرت عليه عالمات الموت،‏

يتمزق،‏ وأسلم

المتتبعون أمورهم لما

يقع،‏ مؤمنين

وراح بعضهم يقذف من فمه طيبا ونقودا،‏

وتراقص

هم فوق جلد الدف دون أن

بوالية هؤالء الدّراويش وكرامتهم"‏ . 1 لجأ السارد إلى اصباغ

صفات الخوارق على الدراويش،‏ مستجيبا في ذلك إلى تصورات المخيال الشعبي عنهم.‏ وشدّة إيمان الحاضرين

من السكان بالكرامات الخارقة التي يعتقدون أنّ‏ الله تعالى خصّ‏ بها الدراويش.‏ وال يمكن تفسير هذه

التصرفات سوى بأنها أمور غيبية ال تقع ألي فرد،‏ فيكتفي هؤالء الحاضرون بالدّهشة واالنبهار،‏ لما يحدث أمام

أعينهم.‏

وشكّل الرقص أهم جزئيات هذا الطقس.‏ ويندرج ضمن رقصات الطريقة الصوفية التي ينتمي إليها

الدراويش والولي ‏"سيدي الخير".‏ وتتعالق هذه الرقصات مع نوع آخر من الرقصات تدعى رقصات الخصب

التي كانت تؤدى قديما طلبا للمحصول الجيد.‏

حقق التلوين الفانتستيكي

لهذا الحدث طابعا صوفيا أكسب نص ‏"حوبه"‏ لعز الدين جالوجي هويته،‏

ويطمح النّص من خالل هذه البنيات الحكائية التي تتصل بسجالت نصية غير روائية الممثلة في الطقس

الحضرة وهي تحلق الجمهور ويكون أغلبهم من المريدين أتباع الطريقة الصوفية للولي حول موقد نار

يقمون باإلنشاد وضرب الدفوف والغرض من ذلك التعبير عن حبهم للولي وتعلقهم بالكرامة وطرد

األرواح الشريرة،‏ قد تحدث فيها بعض الخوارق كأكل الجمر.‏ ينظر:‏ زغب ‏)أحمد(،‏ الفلكلور،‏ المنهج بين

النظرية والتطبيق،‏ ص‎232‎‏.‏

الرقص الشعبي من إبداع الناس أنفسهم هو نتاج الحياة انبثق من نشاطاتهم وطقوسهم وهو يهب الفرح

لحياتهم فعندما يرقصون تنمو المحاصيل بصورة طيبة وقد اعتاد الفالحون في مصر قديما على الرقص

عند تقديم بواكير المحاصيل إلى المعبود ‏"مين"‏ وكما كانوا يرقصون أيام االحتفاالت بأعياد الفرح

والسرور التي كانت تقام للمعبودتين ‏"حتحور"‏ و ‏"باسنت"‏ كما كانت بعض القبائل الهندية ترقص من

أجل جلب أمطار الربيع مبكرا.‏ العنتيل ‏)فوزي(،‏ الفلكلور ماهو؟ دراسات في التراث الشعبي،‏ ‏)د.ط(،‏

مصر،‏ دار المعارف،‏

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎723‎‏.‏

أول ظهور لهذا النوع من الرقص في cogulفي الشمال الشرقي في اسبانيا حيث يقضي االعتقاد

برقص مجموعة من النساء حول التمثال المذكر لدرأ مهلكات المحصول ينظر م س،‏ ص‎223‎‏.‏

2125، ص‎227‎‏.‏

107


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

الصوفي إلى ‏"تشيد فضاء روائي دينامي ذي انسجام تكويني عميق مع عالم الرواية ". 1

األجناسية

فال تظهر الفوارق

وال تبدو هذه المحكيات خارجة من صلب النص.‏ وهذا يعود لثقافة النص وقدرة سارده على دمج

الخطابات المجاورة له داخل أتونه،‏ دون أن تضعف جماليته،‏ بل تقذف به صوب المغايرة والتجريب.‏

نخلص في ختام هذه الجزئية التي خصصناها للبحث في الدالالت األنثروبولوجية لتصرفات الدراويش

إلى:‏ أنّ‏ ارتباط الدراويش بالطرق الصوفية،‏ هو ما ساعد على انتشارها.‏ وأكسبها حظوة عند شخوص نص

‏"حوبه".‏

لقد أتقن المخيال الشعبي رسم صورة تقديسية للدروايش توارثتها األجيال،‏ واقترب من حياة هذه الفئة

لتجسير لغة المتخيل وعجائبيته،‏ إلى حدّ‏ التماهي مع الخطاب الكرامي.‏ فقد عمد في استدعائهم إلى تلبيس

لغة الحكي خرقة التصوف وحدث الكرامة أو روحانيته،‏ قصد إشباع الحدث المحكي الصوفي األسلوب

الصوفي.‏ فمن هنا يتضح جليا درجة امتصاص الرواية لعجائبية النصوص الصوفية الكرامية للتأسيس لنص سردي

مغاير.‏

4.1

رمزية الولي في الحكايات الخرافية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي":‏

انتخبت نصوص جالوجي

‏"حوبه وعناق األفاعي"‏

الظاهرة الشعبية ‏)الولي(‏ وبعض الطقوس المصاحبة

لها،‏ فأكسبها طابعا شعبيا أضفى أسلوبا مغاير على خطاب الحكاية وأحداثها ونسيجها اللساني المعجمي.‏

فقد " اعتبر البعض الحكايات الخرافية إنتاجا ثقافيا"‏ 2

للمجتمع الذي أنجزها،‏ من خالل إنتاج تمثيالت ثقافية

تختزل شخوصه في تنميطات معينة.‏ ومن هذه األنماط نجد سيطرة الن سق العقائدي على الحكايات الشعبية

التي نسجتها روايتي " حوبه وعناق األفاعي ". تسعى الشخصيات إلى أن تحف كاريزما الولي حتى تظل تلك

الصورة تستنخ ذاتها عبر الزمن بكل ما يمكنه أن يجعلها راسخة في الالوعي الجمعي.‏

ذكرنا أن الحكاية الشعبية التي وظفها السارد تحمل صورا ورموزا

تكوّن

المتخيل الفني للنص،‏ لذلك

ستدخل دراسة هذه الصور والرموز ضمن شعرية المتخيل أي ما تقدمه هذه الحكايات من صور جمالية تضيء

1 عقار ‏)عبد الحميد(،‏ الرواية المغربية واللغة،‏ تحوالت اللغة والخطاب،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الدار البيضاء،‏ المغرب،‏

المدارس للنشر والتوزيع،‏

2 بورايو ‏)عبد الحميد(،‏ البعد االجتماعي والنفسي في األدب الشعبي الجزائري،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الجزائر،‏

منشورات بونة للبحوث والدراسات،‏ 0222، ص‎221‎‏.‏

0222، ص‎25‎‏.‏

108


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

النص الروائي.‏ وقبل ذلك سنقوم باستخالص هذه الصور والرموز في بعدها الثقافي الذي يؤسس لمكانة الولي

في المجتمع.‏ فماهي أبعاد هذه الصور؟ وما هي دالالتها األنثروبوثقافية؟

علي".‏

يرد في تضاعيف نص ‏"حوبه"‏

القصص الخرافية التي شاعت بين شخصياته المتعلقة بالولي ‏"سيدي

يتعمد السارد تقويض منطق الحكي الروائي بممارسة لعبة الحكاية داخل الحكاية،‏ وتخترق هذه

الحكايات النص متخذة مسارا غرائبيا يفتحه على أفق الخارق والمدهش،‏ ويقذف به على المستوى

اإليستيطيقي بمجموعة من الوظائف ك ‏"تعدد الساردين وتداخل األزمنة وانتهاك الحدود بين الواقعي والتخييلي"‏ 1

ما يجعل هذه الحكايات وسيلة من وسائل زيادة حيوية النص.‏

‏"الزيتوني"‏ يستذكر

واصفا ‏"سيدي علي":‏

في نص ‏"حوبه"‏

الحكاية هذه

التي رواها له والدها الذي

" لقد زار بيت الله الحرام طائرا،‏ وكل مه الرسول من وراء قبره أمام الناس

لم يذكر اسمه،‏

فيقول

جميعا،‏ ويأتيه

الضيوف بالمئات ليس له طعام فتفيض الصحون واألواني بكلّ‏ الخيرات،‏ يأكل الجميع ويأخذون معهم إلى

بيوتهم،‏ وتجذب األرض وتشح السّماء،‏ ويمتنع الماء عن الناس فيضرب الصخر بعصاه فيتفجر ماءا فراتاً"‏ . 2

‏ّدالالت ال تتمركز

األنثروبولوجية في هذا المحكي ضمن

القدرات الخارقة لألولياء التي يؤمن بها المعتقد الشعبي

ويضيف عليها من مخياله لصنع مجده بين األجيال.‏ كما يحيلنا إلى حضور ثالثة أجيال في توارث هذه القصّة.‏

وهذا يؤشر إلى أهمية تناقل هذه القصص بين األجيال،‏ وللمباهاة بها بين النّاس والتّأكيد على صدق معجزات"‏

سيدي علي"‏ وقدرته في المّنع والعطاء.‏

وتنماز القصة ببساطة حدثها وقلة الشخصيات المشاركة في الفعل السردي،‏

وهذه إحدى خصائص

القصة الشعبية.‏ أما على المستوى الشعري فتستند القصة إلى جماليات التغريب وفتح فضاءات الدهشة

فالشخصية في بعدها الباطني/‏ النفسي تميل إلى كل ما هو عجيب وسحري.‏ وبفعل ذلك تخلق مسافة بين

الواقعي والتخييلي وتهدف هذه القصة إلى تصوير نماذج بشرية حينما صورت عالقة الولي ‏"سيدي علي"‏ مع من

حوله،‏ حيث يمكننا القول إنها صوّرت أمرا في السياق الخارج نصي،‏ ولكن باستعمال التغريب والتعجيب لشدّ‏

السامع وتشويقه.‏ وصنع من ‏"الولي سيدي علي"‏ أسطورة.‏ ‏"فهو بطل شعبي من العامة يمثل بيت الحكاية،‏ كما

1

بوعزة ‏)محمد(،‏ سرديات ثقافية من سياسات الهوية

دار األمان،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎702‎‏.‏

إلى سياسات االختالف،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الرباط،‏ المغرب،‏

0222، ص‎232‎

109


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

لو كان ال بديل له...‏ فالمبالغة على إضفاء صّفات خاصة على هؤالء تنقلهم من وضع ما إلى وضع آخر"‏ ، 1

غير الوضع الدنيوي البشري.‏ وهو وضع يجعلهم يتفوقون على البقية.‏

وتصديقيها.‏

تعبر هذه الحكاية

‏"بدون شك عن

فيحرم على كل منهم الطعن في صدق الحكاية بل

ضمير الجماعة،‏ إنهم يتشاركون جميعا في صوّغها " 2 . ونشرها

يغذونها

من خيالهم.‏ فهي

" ثمرة المخيلة

الجماعية الشعبية ... ثمرة من ثمرات العقل اإلنساني العامل،‏ فكانت حاملة للخبرة اإلنسانية عبر التاريخ...وما

حكاياته إال إحدى الممارسات الثقافية لنقل خبرة األجيال العاملة".‏ 3

لهذا تحمل الحكايات الشعبية في

أعماقها خبرات األمم التي دونتها وتناقلتها،‏ واالنسان القديم لم يجد غير الحكي أو الغناء وسيلة يحفظ بها

تاريخه ومعارفه.‏

ترد في تضاعيف نص ‏"حوبه"‏ حكاية أخرى تشكل حلقة

في سلسلة من الحكايات الشعبية التي يحضر

فيها الولي الشخصية األقرب إلى الفئات الشعبية.‏ وحين يحضر يطغى المتخيل على الواقعي والخرافي على

المنطقي.‏ ويتم استثمار العنصر العجيب الذي يتغلغل في عمقها حكائيا.‏ جاء على لسان أحد الشخصيات

الشهود لم يحدد اسمه:"‏

‏"أبادت قوات الجنرال بيجو كل متحرك وأحرقت حتى الجماد،‏ حاولوا قتل سيدي

الشريف محمّد بن عبد الله بومعزة،‏ لكنهم لم يلقوا عليه القبض،‏ رآه شهود عيان يركب فرسا طائرا ويتجه إلى

الشرق،‏ قال بعض العارفين:‏ إنّ‏ الله حمله ليجاور جدّه المصطفى في بيت الله الحرام."‏ 4

تثيرنا الداللة العميقة

للملفوظ السردي ‏"قال بعض العارفين " إلى أنها ترادف بعض العبارات النمطية التي ترد في الحكايات الخرافية

من قبيل ‏"زعموا".‏ تحيل إلى حمل مجتمع ‏"الحكاية الشعبية كالم غيره ويضمن استمراريته ويقوم باالستشهاد به

ألنه يمثل الحقيقة المطلقة"،‏ 5

التي ال يصح الطعن في مصداقيتها،‏ ألن هذه الحكاية ترتبط بالمقدس ارتباطا

وثيقا،‏ وألنها عبارة عن كالم يتخذ طابعا مقدسا ألنه متوارث عن األجداد واألسالف الذين تبجلهم الجماعة

وتحترمهم.‏ فكالمهم صادق وإن اتخذ طابعا خرافيا.‏ وتؤدي هذه العبارة:‏ ‏"قال بعض العارفين"‏ وظيفة

اإلنجاز

1

النصير)ياسين(،‏ المساحة المختفية قراءات في الحكاية الشعبيّة،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الدار البيضاء،‏ المركز الثقافي

العربي،‏

2 صالح ‏)إبراهيم(،‏ أزمة الحضارة العربية في أدب عبد الرحمن منيف،‏ ‏)د.ط(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ المركز

الثقافي العربي،‏ 0222، ص‎225‎‏.‏

3

النصير)ياسين(،‏ المساحة المختفية قراءات في الحكاية الشعبيّة،‏ ص‎22‎‏.‏

4 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ عناق األفاعي،‏ ‏)د.ط(،‏ الجزائر،‏ دار المنتهى،‏ ص،‏

النصير)ياسين(،‏ المساحة المختفية قراءات في الحكاية الشعبيّة،‏ ص‎02‎‏.‏

.523

0202

2115، ص‎25‎‏.‏

5

110


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

فالنطق بهذه العبارة خالل الحكي لها مفعول سحري على السامع الذي سيتلقى الحكاية بكثير من االحترام.‏

وتعكس في ذات الوقت األوضاع االجتماعية والثقافية التي تسيطر على المخيال الشعبي المبجل لكل ما يأتي

من السلف.‏

كما تنطوي الحكاية على ثيمة الرحلة العجائبية ‏"ركوب الفرس الطائر"‏ إذ تشكل"‏ فكرة االرتحال إطارا

مناسبا لبعث حركة سردية شائقة،‏ وهذه الفكرة راسخة في الموروث السردي العربي...وفي معظم الحكايات

ألنها تشي المتلقي باللذة والمتعة.‏ وتضفي على الحكاية هذا البعد الفانتازي الذي يميز الحكاية

الخرافية عن بقية الفنون النثرية األخرى والزمة من لوازمها.‏

الخرافية"،‏ 1

والبعض اآلخر من القصص يكون القاص شاهدا عليها أو يوهم السامع بذلك ليثبت صحتها.‏ وهو ما

فعلته زوجة ‏"الشيخ لكحل في نص ‏"حوبه"،‏ حيث زار ‏"الب هلي لخضر"‏ عائلة ‏"الحاج لكحل"‏ وبعد مشاهدته

لحمامه نطق قائال:‏ ‏"حمامه حيرانه،‏ للشرق نرميها،‏ للشرق نرميها،‏ سيد القوم يحميها،‏ سيد القوم يحميها".‏ 2

وهو هنا يقصد ‏"القايد عباس"‏ الذي كان قد طلب من الحاج لكحل الزواج من حمامه.‏ مما يعني أن ‏"الب هلي

لخضر"‏ يعرف بهذا األمر،‏ ألنه يتمتع بالكرامة التي تجعله على دراية بما يحدث في عرشه والعروش المجاورة.‏

جعلت هذه الجملة األم تظن خيرا في زواج ابنتها رغم رفضها لسوء سمعته،‏ مما حذا بها إلى محاولة

إقناع ‏"الحاج لكحل"‏ أن ساورها ال ‏ّشك في صحة كالم ‏"البهلي"‏ مستعينة في عملية اإلقناع باستذكار قصة

قديمة تحكي إحدى كرامات ‏"الب هلي لخضر"‏ فحواها:‏ ‏"كالم البهلي ال يمكن أن يخط ‏...حين تعرض له

السعيد باألذى،‏ كيف نزع برنسه غاضبا ودسّه في ثغر النّبع الذي كان يسقي منه النّاس،‏ وصاح:‏ يا نبع تدفق

ويحيلنا

شهرا ونم دهرا،‏ وغاض الماء إلى غير رجعة ‏...ولم يرض حتى قبل السعيد القايد يده وهامته."‏ 3

المحكي إلى كرامة من كرامات ‏"الب هلي لخضر"‏ التي أوقفت نبع الماء بمجرد أن دّس برنسه فيه.‏ وهذا غير

1 إبراهيم ‏)عبد الله(،‏ السردية العربية الحديثة:‏ تفكيك الخطاب االستعماري وإعادة تفسير النّشأة،‏ ج‎2‎‏،‏

‏)ط‎2‎‏(،‏ ‏)د.‏ ب(،‏ مكتبة الفكر الجديد،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎35‎‏.‏

0227، ص‎022‎‏.‏

3

م س،‏ ص‎32‎‏.‏

111


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

منطقي ال يقبله العقل،‏ لذلك فالمعتقد الشّعبي مبني على الالمعقول والخارق الذي يُكسب الشخص

سمواً‏ اجتماعيا ويُكسب متبعيه رضا نفسياً.‏

.

يبدو جليا

أن لدى ال ‏ّسارد وعيا

بمكون

فتبدو منسجمة مع سالسة الحكي.‏

لألسطورة جاهز دائما البتداع الحكاية التي تالئم الحدث

الروائي

والحكاية هنا تمجد البطولة المبنية على فعل الخير كالولي.‏

إن

ايراد مثل هذه الحكايات هو إدّانة للثقافة التي نقلتها.‏ وأبانت أيضا عن قدرة النص على صنع الحكاية الخرافية،‏

وبالتالي هناك وعي بأدبياتها في التراث المحلي.‏ فيتبادر إلى المتلقي وكأنها حقيقة مأخوذة من التراث.كما أنها

أو

أصبحت ‏"وسيلة فنية،‏ تعتمد عليها الرواية في كشف مختلف المظاهر االجتماعية،‏ سواء مظاهر احتفالية"‏ 1

غير ذلك.‏ هذه الوظائف األنطولوجية المنوطة بالحكاية تؤكدها المطابقة االستعارية التي يصوغها المتخيل.‏

أدرج السارد القصة على لسان األّم،‏

الشفاهي"،‏ 2

الشخصيات.‏

‏"البُهلي

لإلشارة إلى أهمية تناقل هذه القصص بين األجيال إلثبات صدق

الولي

و"تمرير القيم والمثل االجتماعية إلى الناشئة الجترارها من جديد في حلقات محكمة من التواصل

ومما يسترعي االنتباه أن المفردات وسبك عبارة ‏"يا نبع تدفق...دهرا"‏ تماثل إلى حد كبير لغة

ومن هنا بدا

النّص أقرب إلى الواقع اليومي،‏

لخضر"‏ الذي صوّره في صورة ولي،‏

وقد وفق

له كرامات وشخصية شعبية أميّة.‏

الملفوظات،‏ مُوهِمة للمتلقي بواقعية الحدث وبتفاصيل هذه القصة الشعبية ومنبعها.‏

تتبدى القيم الجمالية للقصة في تواشجها مع السياق النّصي.‏ وفي

التعالق بينها وبين قصة سيدنا موسى الذي أمره الله أن يضرب الصخر

السّارد في إسناد هذه الجملة إلى شخصية

فال غرو أن تصدر

تناصها تحيل في بنيتها

عنه

العميقة

هذه

إلى

بعصاه فانفجر منها الماء عيونا.‏ كان

استدعاء النص ‏"آلي القرآن الكريم أو ألفاظه،‏ أو قصصه،‏ أو أحداثه،‏ أو شخصياته،‏ أو معانيه أحد السّبل

واألسباب في االنتقال بالنّص من العقم

إلى

اإلنتاجية من نص مليء بالتجارب والحقائق،‏

نصّ‏ خصب إلى

1 عمار)مهدي(،‏ المرجعيات التراثية في الرواية الجزائرية

دكتوراه،‏ جامعة المسيلة،‏ 0222-0223، ص‎17‎‏.‏

2

م س،‏ ص‎03‎‏.‏

‏-فترة التسعينات وما بعدها-،‏ أطروحة

112


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

منفتح على آفاق علوية مشرقة مكتنزة برؤى متعددة االنفتاح الدّاللي"‏ 1 ومغتني بمضامين جديدة وسياقات لغوية

تثري النص وتزيد جاذبيته القرائية.‏ ومن هنا شكل القرآن الكريم منبعا من منابع التأسيس لخصوصية النص الروائي

وهو المسعى الذي يؤسس له عز الدين جالوجي في نص ‏"حوبه".‏

وباالستناد إلى المقاربة األنثروبولوجية التي ‏"ترى

جماعة متميزة،‏

أنّ‏ الحكاية الشعبية تسجل تاريخ ساللة معينة وقيم

تضفي على هذه الجماعة خصوصية إثنية"‏ ، 2 تنتقل بين األجيال بواسطة قناة الحكاية الشعبية

ويتمثل الجيل الجديد هذا السياق السوسيوثقافيSocial-cultural

دون شعور.‏ فالحكاية تكشف عن

إحساس شعبي،‏ لذلك فهي مرتبطة بالجماعة في نسجها وفي تداولها.‏ فالجماعة هي الشريان الحيوي لكل قصة

شعبية ‏"حملت روح المبالغة،‏ والمبالغة سمة شعبية تفرضها طبيعة القاص نفسه،‏ فالمخيلة الشعبية بما تمتلكه

حفظا

من تراث ملموس في البطولة والمغامرة والشجاعة واإليثار أسبغت على الصفات البشرية سمات الخرافة"‏ 3

لهذه الشخصية في ذاكرة األجيال المتعاقبة،‏ فالالوعي الجمعي يختزن مظاهر العجائبي بل ويضيف عليها بفعل

التقادم والتداول.‏

تبدو هذه الحكايات الخرافية أكثر حرصا ‏"على مراعاة القيم المثالية االجتماعية...فهي أداة من أدوات

الضبط االجتماعي بين أفراد الجماعات التي تتداولها...‏ إلى جانب ذلك تَصْدُر السلوكات في الحكايات

الخرافية المدروسة عن قيم يؤمن بها مجتمع القصّ"‏ 4

مكونات المخيال الشعبي لهذا المجتمع.‏

برز من خالل هذا االستدعاء الفطن للموروث

وبالتالي فهي ليست أمرا طارئا بل مكونا ثقافيا من

الشعبي مسعى

‏"عز الدين جالوجي"‏

في التأسيس

لخصوصية الرواية العربية في الجزائر،‏ من خالل استثمار عناصر البيئة المحلية وتحويلها داخل النص الروائي إلى

بنيات جمالية تنصهر معه،‏

وتمثل موقفه من الماضي في ظل معطيات الحاضر.‏

تنشطر هذه الحكايات عن

1

عطا ‏)أحمد(،‏ التناص القرآني في شعر جمال الدين بن نباتة المصّري،‏ بحث مقدم للمؤتمر الرابع لكلية

األلسن،‏ جامعة المينا،‏ مصر،‏ أبريل

2 فخر الدين ‏)محمد(،‏ الحكاية الشعبية المغربية بنيات السرد والمتخيل،‏ ‏)د.ط(،‏ ‏)د.ب(،‏ دار نشر المعرفة،‏

‏)د.ت(،‏ ص‎2‎‏.‏

فخر الدين ‏)محمد(،‏ الحكاية الشعبية المغربية بنيات السرد والمتخيل،‏ ص‎22‎‏.‏

بورايو ‏)عبد الحميد(،‏ البعد االجتماعي والنفسي في األدب الشعبي الجزائري،‏ ص‎227‎‏.‏

0223، ص‎27‎‏.‏

3

4

113


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

المحكي األصلي مدشنة مسارات انتهاكية منفتحة على الخرافي والعجائبي محققة الوظيفة اإلستيطيقية وهي

انفتاح المتخيل على العوالم الممكنة.‏

0. أنثروبولوجيا السّحر في روايتي ‏"حوبه"‏ و"هاء وأسفار عشتار":‏

يعرف مجال السحر والشعوذة امتدادا نحو مختلف األوساط االجتماعية،‏ مما جعل عدداً‏ من الروائيين

يتخذ منه ثيمة ألعمالهم الروائية.‏ وفي إطار تتمة قراءة نصوص جالوجي أنثروبولوجيا سوف نقوم بقراءة تجليات

السحر باعتباره عصب الدراسات األنثروبولوجية.‏

وقد خصص له علماء األنثروبولوجيا على غرار فريزر في كتابه

‏"الغصن الذهبي"‏ 1 جزءً‏ هاماً‏ من البحث والت قصي.‏ ومن هنا سنحاول استنطاق مختلف رموزه الثقافية وطقوسه

المتجلية في النّص الروائي.‏

إنّ‏ البحث في أنشطة السّحر وطقوسه كما وردت في روايتي ‏"حوبه"‏ و"‏ هاء وأسفار عشتار"‏ لعز الدين

جالوجي"‏ قد اقتضى منّا أّوال القيام بعمليّة استقراء دقيقة للنّص الستقصاء تلك الممارسات القوليّة أو الفعليّة

الدّالة على ظاهرة السحر.‏ ساعدنا في ذلك ما عجت به الروايات من تعدد صوتيPolyphony تجسّم من

خالل أصوات المتكلّمين الممثّلين ألصوات المجتمع بمختلف فئاته من الرّجال والنّساء.‏ وقد بدت لنا هذه

األصوات دالة كاشفة عن السّحر،‏ ألنّها تنقل تفاصيل المعيش المشدود إلى السحر،‏ لذلك فدراسة السحر

بوصفه ظاهرة أنثروبولوجية يحيل إلى شبكة متداخلة من األنساق والممارسات الفاعلة في ثقافة من الثقافات.‏

وتبدو سردية ‏)السحر(‏ في روايات جالوجي محاولة قصدية ليس للعودة إلى المخيال الشعبي فحسب،‏ بل

الستكناه المعنى الذي يختفي وراء ممارستها.‏ وهو ما يظهر لدى مقاربتنا التالية:‏

1 ينظر،‏ عمر حمادة)مصطفى(،‏ دراسات أنثروبولوجية في المجتمع والثقافة،‏ ‏)د.ط(،‏ مصر،‏ دار المعرفة

الجامعية،‏ اإلسكندرية،‏

0220، ص‎002‎‏.‏

114


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

ورد تعريف السحر حسب النظرة العقالنية التي يمثلها كل من فريزر وتايلور وسبنسر بأنه ‏"نظام استقراءات

مسبق يتم التوصل إليه تحت ضغط الحاجة.‏ يتألف السحر إذا من علوم ومعتقدات وممارسات مشتركة وحتى

مسارية أيضا.‏ تتولد عن حاجة التأثير عن قوى غامضة ومجهولة،‏ مالزمة للطبيعة أو لبعض األشخاص.‏ ويتم

لتحقيق الغايات.‏ فالحاجة للتغلب على الطبيعة هي الدافع

العمل على هذه القوى أو اإلمساك بها وتسخيرها"،‏ 1

األول لإلنسان البدائي إلى تعلم السحر قصد تسخير قوتها/‏ الطبيعة إلى صالحه ودرأ ضررها.‏ يتفرع السحر إلى

عدّة أنواع:‏

السّحر التعاطفي

‏)قانون التعاطف(‏

السحر التعاطفي التجانسي

سحر العدوى

‏)قانون التشابه(‏ ‏)قانون االتصال(‏ 2

السّحر التعاطفي التجانسي أو سحر المحاكاة:‏

ويعتمد على ترابط األفكار بالتشابه ويخط بافتراضه أن األشياء التي تتشابه هي متطابقة...ويمكن

ممارسته بشكل منفصل عن سحر العدوى.‏ 3

سحر العدوى

يعتمد على ارتباط األفكار باستمرارية

، ويعابر األشياء

سحر العدوى نجد أنفسنا نطبق مبدأ التجانس أو المحاكاة 4

التي كانت على اتصال ستظل على اتصال،‏ وعند تطيبق

2

1 ‏)بيار(‏ بونت،‏ ‏)ميشال(‏ إيزار،‏ مم االنثروبولوجيا،‏ ص‎527‎‏.‏

فريزر ‏)جيمس جورج(،‏ الغصن الذهبي دراسة في السحر والدين،‏ تر:‏ الخوص ‏)نايف(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ سوريا،‏

دار الفرقد،‏

م س،‏ ص‎72‎‏.‏

4 ينظر،‏ م س،‏ ص‎70‎‏.‏

0222، ص‎72‎‏.‏

3

115


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

المكونات

البنائية للسحر

المعرفية

عقائد وتقاليد ونصوص قديمة

داللية

رموز وأسماء وممتلكات

محركة

أنشطة وصياغات وطقوس

1

وقد استأثرت روايات جالوجي بنوعين منه السحر:‏ سحر

‏"حوبه"‏ والسحر الذي ورد في نص ‏"هاء وأسفار عشتار".‏

الت مائم والحروز،‏

الذي وردت سرديته في نص

1.0 الرمزية األنثروبولوجية للتمائم والحروز في رواية ‏"حوبه":‏

بذل جالوجي في رواية ‏"حوبه"‏ جهداً‏ في تصفيف وتقديم التمائم والحروز للقارئ من خالل شخصية

‏"سي الطالب"‏ الذي برع في صناعتها وإيهام زبائنه بفائدتها،‏ لهذا استغاث به ‏"العربي"‏ مرارً‏ ليكتب له هذه

خطبة حمامه.‏ جمعت العربي والحروز عالقة

الحروز:"‏ ليكتب له حرزا يصرف به الناس جميعا عن التّقدم إلى"‏ 2

رغبة فهي طريقه لتحقيق هدفه إلبعاد العرسان عن ‏"حمامه".‏ يأتي هذا الفعل نتيجة حتمية العتقاده في قدرة

الحروز على تحقيق المطالب.‏ ففعالية الحرز تكمن في اإليمان المسبق بتأثيره.‏ أمّا ‏"السي الطالب"‏ فهو عامل

في

مساعد للشخصيات.‏ والحرز هو وسيلته لتحقيق رغبات زبائنه."‏ ويعتمد النجاح على مهارة الساحر وقدرته"‏ 3

كتابته هذه الحروز ويقينه ‏"في أن األسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها،‏ وأنّ‏ أداء الطقس بشكله المناسب

فالعملية تسير بشكل آل،‏ يقوم الساحر بأداء

والمصحوب بالرّقية المناسبة سيعطي حتما النتيجة المطلوبة".‏ 4

الطقس كما ويتلو التعويذة المناسبة لذلك وينتظر النتيجة اإليجابية.‏

1 ريفيير ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا االجتماعية لألديان،‏ ص‎002‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎05‎‏.‏

3 ريفيير ‏)كلود(،‏ األنثروبولوجيا االجتماعية لألديان،‏ ص‎023‎‏.‏

4 ‏)جيمس(،‏ الغصن الذهبي دراسة في السحر والدين،‏ ص‎33‎‏.‏

116


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

علق ‏"العربي"‏ آماله على

الحرز في تحقيق هدفه وهذا يعكس مساحة كبيرة من تفكيره الخرافي

الميثولوجي الذي يحتكم إلى النسق التصوري الشعبي المعتقد في الحرز قدرته"‏ الخارقة على التأثير في المصائر

والمستقبل،‏ فالتميمة...‏ ترميز لالستالب والخوف من اآلخر والغد.‏ كما ترمز لوضع أنثرو اجتماعي

Anthro-Socialيشكل التفكير الخرافي بنيته األساسية"‏ . 1 كما تحيلنا إلى مراحل بدائية من حياة اإلنسان

على الكرة األرضية.‏ فقد عدّ‏ فريز السحر بأنه علم اإلنسان البدائي الذي لم يكن يفقه شيئا في العالم من حوله،‏

فاتجه إلى اإليمان في األشياء وقدرتها على المساعدة أو العقاب،‏

عندما كان إنسان تلك الحقبة يفتقد اإليمان

بوجود خالق.‏ فسيطرت عليه هذه المعتقدات أنه بإمكانه أن يقنع ويستميل"‏ تلك القوى القادرة على أن تعطف

وتتحكم بتيار األحداث لمصلحتنا وتحرفه عن مساره الطبيعي،"‏ 2 وتسخيره إلى مسار رغبات الشخص.‏

يقدم نّص ‏"حوبه"‏

المرأة تقبل على

الحروز

ف ‏"حمامه"‏ تشارك ‏"العربي"‏ نفس التّصرف وتطلب من

‏"سي الطالب"‏ هذه الخدمة:‏ ‏"ظلّ‏ سي الطالب يكتب لها هي أيضا المرّة تلوى أخرى حروزا تلهب قلب العربي

وتصرف نظره عن األخريات " 3 بغية الزواج منه وإثبات الذات Selfفي Assertive مجتمع ال يعترف بالمرأة وال

برغباتها فخوفها من زواج ‏"العربي"‏ بأخرى جعلها تتجه نحو هذه الممارسة من أجل تفريغ شحنتها

السيكولوجية،‏ وينتمي هذا النوع من السّحر إلى " السحر الشخصي أي الطقوس السحرية والرقيات أو التعويذات

التي مورست بهدف تحقيق مصلحة أشخاص"‏ 4

مع تنامي الحدث السردي نجد

وليس ألذيتهم.‏

أن هذه األمنية قد تحققت،‏ وتزوج ‏"العربي"‏ ب ‏"حمامه"،‏ وهذا يعني أن

نتيجة السحر قد تحققت.‏ لكن ذلك من قبيل الصدفة كما أورد ادوارد تايلور عندما تحدث عن دوافع اإليمان

بالسحر ذكر أن بعض النتائج المرجوة تتحقق،‏ لكن ذلك يحدث مصادفة ، 5 وهو أحد نفس أسباب انتشار هذه

الظاهرة.‏

ص،‏

: 1 أبالل ‏)عياد(،‏

.225 0222

أنثروبولوجيا األدب دراسة أنثروبولوجية للسَّرد العربي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ روافد للنشر،‏

2 فريزر ‏)جيمس(،‏ الغصن الذهبي دراسة في السحر والدين،‏ ص‎22‎‏.‏

3 جالوجي ‏)عز الدين(‏ حوبه،‏ ص‎03‎‏.‏

4 ‏)جيمس(‏ فريزر،‏ الغصن الذهبي دراسة في السحر والدين،‏ ص‎22‎‏.‏

5 الخطيب ‏)محمد(،‏ األنثروبولوجيا دراسة في المجتمعات البدائية،‏ ‏)د.ط(،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ منشورات دار

عالء الدين،‏

0222، ص‎250‎‏.‏

117


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

تظهر لنا ثيمة الحرز والتميمة في نص ‏"حوبه"‏

أنه مجال للصراع بين امرأتين ثالثهما رجل موضوع

الصراع.‏ كما تبرز العالقة التي يتموضع فيها هؤالء ‏)الساحر والمعني بالسحر(‏ والتي تؤسسها جاذبية كبير من قبل

المعني بالسحر التي أحدثتها الجماعة،‏ التي وضعت ‏"ضوابط تحكم الفعل االجتماعي وهي تظل قائمة وراسخة

إذ ال يمكن تغييرها أو التمرد عليها.‏

في المجتمع"،‏ 1

يواصل النّص الحفر في الموروث الشعبي في نسقية السّحر،‏ منها ما نجده في المصفوف السردي التالي

الذي يصف حالة ‏"زكية بنت البغدادي"‏ وهي تستعمل التمائم للزواج من ‏"سالم":‏ ‏"الرّسالة كلمات حب وشوق

رفعتها إلى فارس أحالمها سالم ومعها هدية من حلوى وبيض مسلوق أخذته منذ أسبوع إلى سي الطالب فقرأ

عليه من طالسيمه لتوقع سالم في حبها"‏ . 2 يطالعنا النص على تفاصيل أكثر عن طقوس السحر الذي يمارسه

‏"سي الطالب"‏ وهذه التفاصيل هي القراءة على

األشياء التي سيأخذها الضحية.‏ وهي هنا مأكوالت ورسالة

حب.‏ والدّافع هنا هو الخوف على ضياع ‏"سالم"‏ وزواجه من أخرى أدى بها إلى االستعانة بهذه التمائم التي هي

ترميز إلى مضمون اجتماعي يهدف إلى ‏"الحماية ودرء األخطار غير المتوقعة...وكانت تستخدم ألعمال

السحر...‏

قد ترمز وتعبر عن ثقافة الشعب وعاداته ورمز ثقافي للمجتمع كله"‏ 3

األسطوري المؤسس على الموروث من األجداد والمقدس لديهم.‏

الذي يدين بالتفكير الخرافي

ال يعرض نص ‏"حوبه"‏ إلى تفاصيل أكثر عن طبيعة هذه الحروز ومادتها والكتابات المنقوشة عليها أو

الحبر المستخدم في ذلك أو أنه دّم،‏ ألن الشخصية لم تعلم بذلك فهذا سرّ‏ من أسرار ‏"سي الطالب"‏ الذي

يُمنع على المستفيد معرفته.‏ تمكننا المقاربة األنثروبولوجية من إدراك أسباب اإلقبال على التمائم ألن ‏"وظيفة

التميمة أبدي ال يقيده زمن،‏ فهو فأل خير ودرء عين وحجاب واق ضدّ‏ األتي والمجهول"‏ . 4 وطريقة مثلى وغير

مؤذية لآلخر.‏

يأخذنا اإليمان بقدرة التمائم والحروز إلى الفترة البدائية عندما كان ينتشر التدين اإليحائي فقد كان

يؤمن إنسان تلك الفترة بأن لكل شيء روح يمكنه التأثير والتأثر.‏ وهذا االعتقاد مرده إلى طبيعة هذا اإلنسان

1 عبده محجوب)محمد(،‏ االتجاه السوسيو أنثروبولوجي في دراسة المجتمع،‏ ‏)د.ط(،‏ الكويت،‏ وكالة

المطبوعات،‏ ‏)د.‏ ت(،‏ ص‎02‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎22‎‏.‏

3 قريطم ‏)عبير(،‏ األنثروبولوجيا والفنون الشعبية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ المجلس األعلى للثقافة،‏

ص‎275‎‏.‏

أبالل ‏)عياد(،‏ أنثروبولوجيا األدب دراسة أنثروبولوجية للسَّرد العربي،‏ ص‎222‎‏.‏

،0222

4

118


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

الطقوسية واآلداتية أيّ‏ أنه يؤمن بقدرة األدوات وفاعليتها فاستخدمها لتسخير قدرات الطبيعة وفقا لمتطلباته.‏ وقد

ساعدت الخرافة في الثقافة الشعبية على انتقال هذا المعتقد بين األجيال خاصة الثقافة الشفهية في بعدها

األنطولوجي فالخرافة خزان الشعوب ومستودع مكبوتاتها الجمعية.‏

يقدم السارد في ذات المتن الروائي ‏"حوبه"‏ المقابل المادي لهذه الخدمات التي يقدمها ‏"سي الطالب":‏

‏"وال حرج عند سي طالب ألن يعيد الحرز تلو اآلخر مادام يحظى ببيض كلّ‏ دجاجتها " 1 . وهي الهدية الفضلى

" التي يمكن ل

حمامه"‏ أن تقدمها بالنظر إلى

الظروف االجتماعية التي تعيشها وال يمانع ‏"سي الطالب"‏ في

قبول هذه الهدية ألنه هو اآلخر يعيش ظرفا صعبا والبيضات بالنسبة له بمثابة المال والذهب،‏

عطفا على ما

سبق يمكن أن نقول أنْ‏ المقابل المادي يصاحب ويطابق الوضعية االجتماعية ‏/االقتصادية للجماعة التي تمارس

السحر وهو في ذات الحين إحدى المداخل المالية للساحر.‏

من خالل التعاطي مع هذه الظاهرة االجتماعية/‏ كتابة الحروز والتمائم تتبدى لنا مسألة أساسية وهي

االعتقاد الراسخ في التأثير األوتوماتيكي للسحر بمختلف أدواته وآلياته،‏ فاللجوء إليه ألحت عليه الجوانب

النفسية والحاجة

إلى االطمئنان وإبعاد الخوف اتجاه تلك الغايات الثمينة عند كل من ‏"العربي الموسطاش"‏ و

‏"حمامه"‏ و"زكية".‏ وقد اقتصرت/الغايات على الزواج فجميع شخصيات هذه الرواية مارسوا السحر لغرض الزواج

أو حجز الزوج وهذا راجع إلى البيئة االجتماعية التي تزكي فكرة الزواج المبكر والزواج الداخلي،‏ فزكية في المقطع

السابق ليست من أهل سالم لهذا كانت خائفة أن يتزوج ابنة خالته/سروله،‏ وكذلك األمر ينطبق على ‏"حمامة

و"العربي"،‏ ومن هنا نستنتج دور " شفرات الثقافة بوصفها قوى تهيمن على الفرد ضمن ثقافته تجعله معبراً‏ عن

تلك الثقافة مدافعا عن مصالحها العليا"‏ 2

ضمير الجماعة.‏

خوفا من زوالها أو اضمحاللها،‏ وهي شفرات متوارثة وراسخة في

،0223

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ حوبه،‏ ص‎15‎‏.‏

2 الخضراوي ‏)إدريس(،‏ األدب موضوعا للدّراسات الثقافية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الرباط،‏ جذور للنشر،‏

ص‎73‎‏.‏

119


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يمثل المخطط اآلتي تموقع الحرز والتميمة ضمن الرؤيا السّردية

المقابل

المادي

الخوف

المدنس

الرغبة

الحرز

والتميمة

السرية

الصراع

الطمأنينة

0.1

التنبؤ

. أنثروبولوجيا الممارسات السّحرية في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

انجذب اإلنسان إلى

ممارسات سحرية قصد معرفة أمور غيبية.‏ تندرج هذه الممارسات ضمن سحر

وهو أكثر أنواع السّحر انتشارا بين الناس،‏ ويتجه إليه المعني إذا أراد استباق أحداث من حياته أو غابت

عن معرفته أمور.‏ وهو ما فعلته والدة البطل في رواية ‏"هاء

أسفار وعشتار"‏ بعد غياب خاتم زواجها.‏ فالفضول:‏

‏"هو ما دفع بها إلى االستنجاد بأصحاب القدرات الخارقة تستقدمهم إلى البيت وتغدق عليهم األموال ليمارسوا

طقوسهم"‏ . 1 ففي نظر األمّ‏ ال أحد يمكنه المساعدة غير هؤالء بمقابل مالي.‏ يبرز النّص الوضع السوسيو

اقتصادي

من

Social-economic

لألم الذي مكنها من إغداق المال على هذه الفئة التي وصفها االبن "

أصحاب القدرات الخارقة"‏ طمعًا في تحقيق مطلبها.‏ من خالل حركة سردية استرجاعية يكشف السارد/‏ االبن

‏_الذي لم يحدد اسمه في النص_‏ عن هوية هؤالء ويزيل الغموض قائال:‏ ‏"ليس إال عرافا جاءت به أمي لتعرف

سرق الخاتمين،‏ وما الهدف من فعلته"‏ . 2

العراف على التأثير في مصيرها.‏

تتمظهر حقيقة األم بوصفها متعاطية للسحر ومعتقدة في قدرة

‏"يجمع العلماء على أنّ‏ أهم نوعين من السّحر األبيض في كلّ‏ ألنحاء العالم هما السحر الخاص بالتنبؤ

بالغيب والسحر الخاص بالعالج"‏ واعراب ‏)مصطفى(،‏ المعتقدات السّحرية في المغرب،‏ ‏)د.ط(،‏ الدّار

البيضاء،‏ منشورات األحداث المغربية،‏

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ‏)د.ط(،‏ الجزائر،‏ منشورات المنتهى،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎03‎‏.‏

0200، ص‎21‎‏.‏

0227، ص‎20‎‏.‏

120


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يرمز هذا االقبال لألم على السحر إلى االستالب والخوف من اآلخر والغد.‏ وجعلها تتوهم أنها سيدة

نفسها،‏ إذ ‏"يعوق اإليمان بالسحر،‏ عن إمكانية الوصول إلى الحقيقة،‏ يردّ‏ المؤمن به علل األحداث

والمشكالت عبره،‏ إلى الغيب،‏ فال يكلف نفسه عناء البحث عن مسبباتها الحقيقية والمنطقية"‏ . 1 والجهل هنا

هو السمة األساسية لألم وترميز لوضع اجتماعي/‏ ثقافي يشكل التفكير الخرافي بنيته األساسية،‏ كما لب لجوء

األم إلى

الع راف حاجة نفسية وهي نشدان للطمأنينة وطرد القلق الذي سببه غياب الخواتم.‏ تمظهر الساحر

عامال مساعدا لألم في تحقيق هدفها.‏ والسحر األداة والوسيلة إلى ذلك.‏

ينتمي السحر الذي مارسه العراف إلى السحر التعليمي،‏ الذي يتضاد مع السحر البدائي.‏ وهو ما يؤشر

عليه السارد/‏ االبن في قوله:‏

‏"كان يحمل حافظة وضعها على األرض وأخرج منها كتابا كبيرا ، فتحه وراح يقرأ

منه بصوت يرتفع وينخفض بلّكنه لم يكن مفهوما ثم راح يمارس حركات بهلوانية،‏ مندفعا إلى كلّ‏ االتجاهات،‏

ويعوي كذئب جائع"‏ . 2 شكلت المعطيات األنثروبولوجية المتمثلة في ‏)الحافظة،‏

الكتاب الكبير،‏ القراءة بصوت

مرتفع أو منخفض،‏ الحركات البهلوانية،‏ العواء...(‏ جزءا من الممارسات الطقوسية التي يقوم بها الساحر أثناء

عملية السّحر،‏ والتي استقاها السّارد من الواقع الحقيقي عن عالم السحر والسحرة وممارساتهم لكشف السّحر

وعوالمه.‏

1 صالح ‏)إبراهيم(،‏ أزمة الحضارة العربية في أدب عبد الرحمن منيف،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الدار البيضاء،‏ المغرب،‏

المركز الثقافي العربي،‏

وفقا للمعتقد الشعبي الغربي فإنّ‏ السحرة ‏"يعيشون في منظومة ليلية:‏ مكان مظلم،‏ وفي حجرة في كهف

محاطة بقوارير الكيميائيين وكتب بالية ويمكن التعامل مع األجواء المناخية"‏ ‏)كلود(‏ ريفيير،‏

األنثروبولوجيا االجتماعية لألديان،‏ ص‎002‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎03‎‏.‏

0222، ص‎221‎‏.‏

121


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يبرز لنا السارد/‏ االبن أنّ‏ هذه المهمة لم يقم بها العراف وحدّه،‏ بل ساعده األب

والدي يجر جديا

في ذلك:‏ ‏"وقد أقبل

أسود أسرع إليه العراف قتّله أرضا،‏ ثم أحكم تقييد أطرافه،‏ وظل يضغط على رقبته بركبته

ويتفلت إلى كلّ‏ االتجاهات المختلفة مشيرا بإصبعه إلى زوايا السور،‏ ثم استقر باتجاه الزوايا التي دفنت بها

الخاتمين،‏ ورأيت إصبعه ترتجف ثم تدور بسرعة،‏ أشبه ما تكون بعقرب بوصلة عمالقة"‏ . 1 استعان النّص

بتفاصيل هذه الطقوس السحرية من خالل تفكيكها إلى رموز وسيلية/‏ أدوات،‏ فبعض العمليات السحرية كذلك

تستخدم ‏"األحجار والنباتات والصور للتأثير على تلك القوى الطبيعية وإخضاعها لقوى اإلنسان واتقاء شرها"‏ . 2

وجذب الطاقات اإليجابية التي تمتلكها.‏ وتتنوع األدوات التي يستعملها الساحر في طقس السّحر،‏ فنجد "

األحجار والنباتات والحيوانات والنجوم واألشكال والصور والتراتيل..."‏ 3

المنشودة.‏

يتقرب بها إلى الشيطان ليحقق غايته

بادر النّص إلى خلخلة رمزية سردية من خالل استثمار تقنية البحث االثنوغرافي أكثر من الوصف

السّردي،‏ محافظا على أبعاد العالم المعطى في بعده الواقعي أثناء سرد االبن تفاصيل طقوس العملية السّحرية:‏

‏"استل العراف خنجرا كبيرا وذبح الجدي األسود بخفة عجيبة،‏ ثم احتضن الخنجر بأسنانه وحمل الجدي فقرب

رقبته من إناء جمع فيه بعضا من دمه،‏ ثم حمل اإلناء وراح يرش قطرات منه في زوايا مختلفة من الحديقة،‏

توقف طويال حيث ركزت الخاتمين ورسم دائرة كبيرة بالدّم"‏ . 4 ورد الدم مؤشرا إلى أداة استخدمها الساحر ‏-وهو

مادة ثمينة جدا عند السحرة

-

للكشف عن مكان الخاتمين.‏ وتظهر

على الفعل السّحري وألداء مهمتها طلبت دّم الجدي المذبوح.‏

الجن المستحضرة أهم الفواعل المهيمنة

02

2

" الساحر المفترض،‏ والذي يستخدم كبش فداء في عملية التطهير التي تحقق الشفاء"‏ ‏)كلود(‏ ريفيير،‏

األنثروبولوجيا االجتماعية لألديان،‏ ص‎002‎‏.‏

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎02‎‏.‏

الجوهري ‏)محمد(،‏ علم الفلكلور دراسة في المعتقدات الشعبية،‏ ‏)د.ط(،‏ القاهرة،‏ مصر،‏ دار المعارف،‏

ص،‏

3 الحوهري ‏)محمد(،‏ الدراسة العلمية للمعتقدات الشعبية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ مصر،‏ دار الكتاب،‏

ص‎22‎‏.‏

4 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎02‎‏.‏

،2132

2122

122


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

تبرز لنا سردية السحر محدودية قدرات ‏"األم"،‏ لذلك فإنها توسلت ‏"إلى القوى العليا كاآللهة

والشياطين...بها للحصول على البركة لتحقيق أغراض من العمليات السّحرية..."‏ 1

لتفسير بعض الظواهر أو

لتحقيق مطالبها وأهدافها بوصف السحر إحدى الطرق التي رّسخها المعتقد الشعبي في تحقيق المطالب.‏ نبع

هذا االعتقاد بفعل انتقاله بين األجيال ومحافظة الذاكرة الشعبية.‏ و"‏ لم تزله تطورات الحياة وال تداول

الحضارات"‏ 2 فالفكر الشعبي من الصعوبة بما كان تغيير بنياته خاصة،‏ أنه يدين للتفكير الميثولوجي بوجوده

وبعض مقوماته.‏

ينتهي الط قس عند معرفة من قام بسرقة الخاتمين،‏ حيث يمارس االبن سلطته على فعل الحكي:‏ ‏"في

حين عاد العراف ليقترب منهما.‏ حدّق في والدتي طويال ورسم على األرض خطوطا وحروفا ومالمح لوجه امرأة

منفوشة الشعر،‏ وإلى جانبها صورة طفل صغير"‏ . 3 رسم المحكي الجو الطقوسي الذي تآلفت فيه المحسوسات

بالالمحسوسات،‏ وكأنه عالم من الخوارق،‏ تحول فيه المستحيل إلى ممكن.‏ والغيب إلى معلوم،‏ من خالل

بعض الرموز نبه السّاحر الوالدين إلى الفاعل.‏ ومن هنا نستنتج أن لغة السّحر تعتمد على التلميح ال التصريح

لذلك فهو يتطلب من األم نباهة وفطنة كبيرة بكنه هذه الرموز.‏

تنفتح ذاكرة السارد/االبن على الماضي،‏ فتأتي مسروداته مثخنة بالتفاصيل التي تمظهرت على اللوحات

الوصفية التي تؤشر إلى المظهر الخارجي للعراف:‏ ف " كانت مالبس الرجل غريبة بعض الشيء،‏ وكان يغطي

رأسه وبعضا من وجهه الملتحي"‏ . 4 يقدم الملفوظ السردي الكينونة الفيزيائية للعراف من خالل مالبسه التي

استغربها االبن وتشكل هذه المالبس أيقونة تميزه عن بقية األشخاص وتؤشر إلى بعد أنثرو/اجتماعي

Anthro_Socialحيث يعرف بها وتدّل على مهنته داخل الجماعة المنتمي إليها.‏

اكتفى نص

‏"هاء وأسفار عشتار"‏

بذكر الد وال اللغوية الرمزية من قبيل ‏)خطوطا،‏ حروفا(،‏ ولو أنه وضع

نماذج عنها لشكلت فاصال غرافيكياً‏ على مستوى البياض،‏ ينسف بروتكول القراءة لدى القارئ،‏ لكنه فضل ترك

مجال استكناهها للمتلقي وطبيعة تكوينه الثقافي ومدى اطالعه على الثقافة الشعبية إغناءً‏ ألفق التلقي وتوسيعا

4

1 الجوهري)محمد(،‏ الدّراسة العلمية للمعتقدات الشعبية،‏ دليل العمل الميداني الجماعي للتراث الشّعبي،‏

ج‎2‎‏،‏ ‏)د.ط(،‏ القاهرة،‏ مصر،‏ دار الثقافة والنشر،‏ 1983، ص‎22‎‏.‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار،‏ ص‎23‎‏.‏

3 م س،‏ ص‎02‎‏.‏

م س،‏ ص‎03‎‏.‏

123


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

لمساحة التأويل.‏ مثلت التفاصيل التي عضد بها االبن حكايته كلمات مفتاحية للنص السردي ليوضح باحترافية

واطالع عميقين بعالم السحر وطقوسه،‏ خاصة أنه يستمد مقوماته من لغة خاصة تمكن النّص من استدراجها

واستحضارها من مكمنها ليحاكي نصه عوالم السحر المتخفية،‏ محافظا على نفس سردي جمالي ورمزي.‏

ويتلخص المحكي الروائي لثيمة السّحر في ثالث وضعيات:‏

أ_‏ وضعية ابتدائية:‏ اضطراب األمّ.‏

ب_‏ وضعية وسطية:‏ محاولة الوصول إلى الحقيقة.‏

ج_‏ وضعية ختامية:‏ انفتاح تأويالت األم واألب وعدم التّوصل إلى سارق الخواتم.‏

ويعود ت شكل هذه الفئة/السّحرة في المجتمع إلى أسباب سوسيو/‏ ثقافية واجتماعية نتجت عن محيط

اجتماعي وطبقي ولد ته الظروف االقتصادية،‏ التي نشأ فيه السّاحر.‏ خاصة أن السّحر أصبح حرفة كما رأينا

يتموقع في مثلث يتكون من الساحر الضحية والجمهور الزبناء بما فيهم تجار األعشاب وباقي المستحضرات.‏

وإذا افترضنا وجود وسطاء يعملون لصالح السّاحر،‏ فالسّحر اتخذ أبعادا عديدة وانتشر بين أوساط واسعة من

الناس.‏

ورد السّحر مكونا بنائيا في نصي

" حوبه"‏ و ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

المصائر،‏ والغاية منه إدهاش القارئ باستدعاء بعض طقوسه

بغية معرفة األسرار أو التحكم في

من مكمنها ‏"كتب السحر"‏ وتسريدها وفقا

لميكانزمات الكتابة الروائية.‏ لقد تمكن جالوجي جماليا من وصف طقوس السحر ومقاربة عوالمه وأدواته

المتمثلة في الحيوانات واألدوات المستعملة في مجال السّحر التي تحضر في إطار المتن الحكائي،‏ باعتبارها

رموزا تخدم قصدية النص.‏ ما يثير القارئ استلهام القاموس الشعبي ليجعل من اللغة وسيطا بين نصه السردي

وسياقه االجتماعي.‏

شهدت

نصوص جالوجي قيد الدّراسة

على مخيال المجتمع الجزائري،‏ الذي يتأرجح فيه الفرد أحيانا

بين الفكر الغيبي الذي سيطرت عليه العادات المتوارثة ذات الطقوس،‏ والواقع المادي الضاغط.‏ واستمرار هذا

التأرجح لمحاربة االستالب والقهر،‏ وبالتالي استمرار حاالت االغتراب تلك،‏ لذلك شكلت المعتقدات الشعبية"‏

124


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

كوكبة تاريخية وحيوية من لغات تنطق كل منها بمصالح فئات خاصّة،‏ فيما بينها بطريقة إثباتية أو

نقدية"‏ 1 ألوضاعها الثقافية أو االقتصادية.‏

2. أنثروبولوجيا األسطورة في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

شكلت األسطورة الصورة الفطرية لعقيدة االنسان البدائي.‏ حاول من خاللها فك الغموض المستغلق

للطبيعة وما يجري حوله من ظواهر كونية،‏ ومن هنا فقد عبرت األسطورة عن قلق وجودي وجسدت معاناة فكرية

ونفسية التصقت بالوعي

الجمعي لمؤلفيها ‏"فهي تعبير ثقافي،‏ ورؤية للعالم،‏ ابتكرها اإلنسان األول وأصبحت

ومحلّ‏ تقديس لألجيال الالحقة.‏ ومن هنا تفطّن لها األدباء بعدما أدركوا قيمها الفنية في صنع الحدث والداللة

للتعبير عن تطلعاتهم الفنية والفكرية بعيدا عن الرقيب.‏

لقد استثارت األسطورة جالوجي في رواية

الثيمات الفكرية التي تطرحها هذه النّصوص.‏ وعليه

للمسائلة النقدية.‏

الموظفة.‏

‏"هاء وأسفار عشتار"‏

سنخضع

ومن ثمة نتدرج على نحو أعمق إلى أنثروبولوجيا

فوردت

وسيطا فنيا قادرا

على استيعاب

البعد األسطوري لعنوان ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

الدالالت الفكرية التي حملتها

األساطير

األسطورة هي إحدى إجابات عن تلك اإلشكاالت التي شغلت اإلنسان القديم فهي ترجمة ‏"التحاد

الذات والموضوع فمثال عندما كانوا يشاهدون غروب الشمس وشروقها كانت تجري في نفوسهم عملية تستند

إلى نوع التوحيد بين الذات والموضوع وينتهي هذا التوحد ببروز شيء

تسقطه في الخارج في هيئة اإلله أو ما شابه

هائل عجيب ال تلبث النفس البشرية ان

ذلك،‏ وهكذا كان ظهور األساطير ‏"تعبيرا عن مجريات األمور في

1 ‏)بيير(‏ زيما،‏ النّص والمجتمع آفاق علم اجتماع النّقد،‏ تر:‏ أنطوان أبو زيد،‏ ‏)د.‏ ط(،‏

المنظمة العربية للترجمة،‏

القاهرة،‏ مصر،‏

0227، ص‎02‎‏.‏

125


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

أعماق النفس البشرية في مقابل أحداث الطبيعة الخارجية".‏ 1 فلم يجد اإلنسان تفسيرا آخر مقنع ، سوى حياكة

األساطير وربطها بقوى أكبر منه كاآللهة مثال.‏

إن هذا االرتباط بين األسطورة واآللهة جعل مضمون األسطورة على عالقة وطيدة بالجانب الرّوحي

من هذا المنطلق حظيت األسطورة

لإلنسان.‏ وأصبحت ‏"تمثل نصوصها الجانب الكالمي للطّقوس الدينية".‏ 2

بالتقديس لدى الشعوب،‏ حتى أن

التّشكيك في صحتها يجلب غضب اآللهة والعقابات،‏ ألنها كالم

منزه عن الخطإ،‏ فقد استعملتها الشعوب"‏ ليحثوا الشمس على اإلشراق والحيوانات على التكاثر

وفواكه األرض على النمو"‏ 3

العتقادهم في قدرة مفراداتها على التأثير في المصائر واألقدار.‏

نذكر في هذا المقام من التحليل أن اشتغالنا في المبحث التالي على الرواية المنتخبة للمعالجة وهي:‏

‏"هاء وأسفار وعشتار"‏ سيتأسس على الخامات التي شكلتها يد جالوجي في تطويعها للنسق األسطوري.‏ وما

أكسبته الرموز األسطورية الموظفة في النص من جمالية فنية،‏ على اعتبار أن الرواية عمل فني في المقام األول.‏

البعد األسطوري

للعتبة العنوانية لرواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

1.2

تأتي العتبة العنوانية للنص الروائي بالصيغة اللغوية:"‏ هاء وأسفار عشتار"‏ حيث تحتل ‏"عشتار"‏ في

األسطورة األصلية مركز النبض وهي رمز أساسي يُحكم الترابط النّسجي لهذه األسطورة.‏ أما ورود ‏"عشتار " في

عنوان نصنا إنما للتأشير إلى المكانة التي تحظى بها المرأة في نص الرواية.‏ وهي مكانة عظيمة،‏ نفس المكانة

1

الحجازي ‏)سمير(،‏ قضايا النقد األدبي المعاصر ‏-دراسة تحليلية نقدية-‏ ج‎2‎‏،‏ ‏)د.ط(،‏ الدار البيضاء،‏

المغرب،‏ دار الفكر الحديث،‏

بورايو ‏)عبد الحميد(،‏ الثقافة الشعبية الجزائرية التاريخ والقضايا والتجليات مقاالت وحوارات،‏ ‏)د.ط(،‏

‏)د.ب(،‏ فسير للنشر،‏ 0222، ص‎270‎‏.‏

3 فريزر ‏)جيمس(،‏ الغصن الذهبي،‏ ص‎25‎‏.‏

2127، ص‎222‎‏.‏

2

126


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

التي حظيت بها في أساطير بالد ما بين النهرين"‏ فالمرأة في سن معينة كانت تحظى باحترام وتقدير المجتمع،‏

مثل نينسون والدة جلجامش،‏ وإذا بلغت المرأة مرحلة األمومة،‏ كانت ترتفع في نظر المجتمع إلى درجة

اآللهة"‏ . 1 ومن هذا المنطلق استحضر الروائي اسم ‏"عشتار"‏ تعضيدا للحمولة الرمزية التي ينطوي عليها النّص

األصلي لألسطورة،‏ وإعالنا منه على تبدد مكانة الرجل وقدرته أمام إصرار المرأة وقوة الحكمة التي تمتلكها.‏

يتجسد هذا الطرح في متن الرواية في صورة أمه التي فرضت أفكارها في استحضار الساحر إليجاد الخواتم،‏ ولم

يبد األب اعتراضا على ذلك.‏ ويتجسد أيضا في صورة حبيبة السارد التي سيطرت عليه وملكت قلبه.‏ ويتجسد

من خالل المهالك التي تسببت فيها اآللهة ‏"عشتار"‏ للبطل.‏

نزع ‏"جالوجي"‏ نحو الكشف عن المرجعية التي

هذا النّزوع يمنح النّص هامشا قرائيا وظال دالليا أسطوريا،‏

تمتح من هذه األسطورة وتتميز عنها.‏

ينبني

عليها نصه،‏ وهي

مرجعية

فالنّص ال يكرر األسطورة بعينها،‏

والقارئ يدرك داللية األجواء في النص

أسطورة ‏"جلجامش".‏

بل ينش حكاية

بفعل التجلي الصريح إلحدى

بنيات أسطورة ‏"جلجماش"‏ في العنوان.‏ وهنا كان العنصر مشعا ساطعا وذلك بفعل التشابه بين الخطابين شكال

والتناقض المضموني.‏

0.2

الدالالت األنثروبولوجية

لألسطورة في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

انطوى نص ‏"هاء وأسفار عشتار"‏ على دالالت وجودية عميقة

السارد في بث تلك الدّالالت بأساطير عربية ويونانية.‏

تخفت في النسيج السردي،‏ واستعان

دالالت 1.0.2

تداخل الواقعي واألسطوري في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

يعيش البطل انفصاال عن واقعه ويهيم في العالم األسطوري بعد أن تأتيه اآللهة عشتار في الحلم الذي

سيتحول إلى حقيقة وتمسخه إلى ذئب.‏ وهنا يبدأ رحلته ضدها التي تنطلق عند مدخل الغابة.‏ يقول السارد في

حوار مونولوجي:‏ " وأنا أتذكر أسطورة النافاجو ، تبا إن هؤالء إال ساحرات ماكرات،‏ وإال ما الذي جعلها

تنتظرني بهذا الشكل على مدخل الغابة؟"‏ ، 2 يتداخل الواقعي باألسطوري في حياة البطل خالل الحلم بتحويره

1

المقداد ‏)قاسم(،‏ هندسة المعنى في السّرد األسطوري الملحمي،‏ جلجماش،‏ إشراف:‏ كاسامي ‏)جورج(،‏

أطروحة دكتوراه،‏ جامعة السربون،‏ كلية اآلداب،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎205‎‏.‏

2122. ص‎77‎‏.‏

127


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

ألسطورة النافاجو.‏ وجعل نفسه مكان البطل الحقيقي في األسطورة،‏ فالنص ال يشير إلى المعطى األسطوري

فحسب،‏ بل يعزز ذلك ويعلي من شأن حضوره.‏

معهم

يبدو البطل في الرواية قلقا مأزوما،‏ لكنه يتقبل واقعه وينضم إلى قطيع الذئاب الممسوخة.‏ ويبدأ رحلته

للبحث عن ‏"اآللهة عشتار"‏ لالنتقام منها،‏ ولكنه يتذكر ضعفه وقوتها محدثا نفسه:‏

" اإللهة عشتار لن

يهزمها إال قلقامش"‏ . 1 تمكن النص من تحوير األسطورة األصلية لصنع أسطورة نصه الجديدة التي تمتح منها

لكنها تنفصل عنها في صنع عوالمها.‏ وتتناسل األسئلة في ذهن البطل عن

قدرة جلجماش في مساعدته:‏ ‏"هل

يستحضر السارد الحدث

يمكن أن يفعل هذه المرة؟ هل يمكن أن ينجو من كيدها هذه المرة وينجيني معه؟"‏ 2

األصلي وهو قدرة جلجماش على النجاة بأهل قريته من غضب ‏"اإللهة عشتار".‏ ويريد أن يعيد هذا الحدث

لتعلقه بجلجماش،‏ ألنه هو المخلص.‏ ولعل حضور

السارد هو ما عبر عنهكارل يونج ‏)‏‎0884‎م

* جلجماش

– ‎0190‎م(‏Jung Carl Gustav

بهذا الشكل وحمله هذه الدالالت في ذات

بالالشعور الجمعي الذي يحوي

‏"جماع التجارب اإلنسانية التي انحدرت إلى النفس اإلنسانية عن طريق األسالف البدائيين عبر نفوس األجداد

واآلباء.‏

وهذا يعني أن مضمون الالشعور الجمعي يتضمن أساسا عناصر من رواسب باقية في النفس

ترجع إلى آالف السنين.‏

يطلق عليها

اسم"النماذج البدائية"‏

اإلنسانية

3 التي تبقى مختزنة في الالوعي.‏ وتتمظهر في

أشكال األدب والفن وبوجود محفزات خارجية كالمواقف اإلشكالية والطروحات الفكرية والمشاكل التي يعاني

منها مجتمع الفنان تتشابه في عمقها مع الحدث األصلي لألسطورة.‏

تظل رواية ‏"هاء وأسفار وعشتار"‏ أسيرة البنية العامة ألسطورة ‏"جلجامش"‏ لكنها تستلهم بنياتها على

نحو منزاح،‏ إذ يسرد النّص الحرب الضروس التي قامت بين اآللهة عشتار وجلجامش والبطل.‏ وهي حرب تشبه

إلى حد كبير الحرب التي دارت بين جلجماش واإللهة عشتار في النص األصلي،‏ لكن التحوير يقع في مشاركة

أسطورة جلجامش:‏ يجمع أغلب الباحثون أن زمن هويتها يرقى إلى مطلع القرن الثاني ق.م أي العهد

البابلي األول القديم الذي تميز هذا األخير بحركة كبرى في التصنيف والترجمة.‏ ينظر:‏ باقر)طه(،‏ ملحمة

جمجامش أوديسة العراق الخالدة،‏ ‏)د.ط(،‏ ؟؟؟؟؟ص،‏‎00‎‏،‏ ‏"تتضمن إشارات كتابية تحدد على وجه التقريب

الزمن الذي نشأت فيه،‏ فقد ورد في بدايتها أنّ‏ هذه المخطوطات قد نسخت وجمعت من مخطوط قديم وأنها

تقع في حوزة الملك آشور بانيبال"‏ ابراهيم ‏)نبيلة(،‏ أشكال التعبير في األدب الشعبي،‏ ص‎00‎‏.‏

22 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎277‎‏.‏

3 حجازي ‏)سمير سعيد(،‏ قضايا النقد المعاصر،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ القاهرة،‏ دار اآلفاق العربية،‏ 0223 ص.‏‎200‎

128


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

البطل لجلجامش هذه الحرب:"‏ وتحركت اإللهة عشتار في عرشها وقد ضاق بها،‏ وبدت لي أصغر مما خيل

إلي،‏ وكأن كل من حولي نطق قلقامش،‏ وكأن كل شيء راح يردد،‏ مقولته المشهورة لإللهة عشتار:‏

ما أنت إال موقد سرعان ما تخمد ناره في البرد

أنت باب في صد ريح عاصفة

أنت قصر يتحطم في داخله األبطال

أنت بئر تبتلع غطاءها

أنت حفنة قبر تلوث حاملها."‏ 1

سمح النّص الروائي باختراق العناصر الخارج نصية الممثلة في مستنسخ من نص األسطورة المترجم لداللة

على موقف جلجامش ضدّ‏ ‏"اإللهة عشتار".‏ وهنا قد بلغت أسطرة النّص لعالمه التخييلي ذروة امتالئها لتداخل

العالمين الواقعي واألسطوري إلى حد يكاد يتماهى أحدهما باآلخر.‏

يمزج المتخيل الفني الواقعي باألسطوري،‏ فاالنطالق من الواقع إلى األسطورة ليس مجرد

شطحات

تخيلية ال تحمل دالالت ضمنية لها عالقة بالواقع،‏ ألن األسطوري يعلو على الواقع الفعليّ‏ وال يندمج فيه.‏

يتماهى معه دون أن يكوّنه،‏ بل ليعمق تشخيصه ويهجو فوضويته التي تصدع المعنى اإلنساني فيه.‏ ومن جهة

أخرى ينماز بتدميره ألحادية المعنى ما يجعل المتلقي يبذل

المقفلة للنص.‏

جهدا من أجل إنتاج قراءة ممكنة تخترق األلغاز

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎222‎‏.‏

129


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

0.0.2

دّالالت المسخ في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

تحضر أسطورة ‏"عشتار"‏ في نص ‏"هاء وأسفار عشتار"‏ كما دكرنا آنفا.‏ وقد أخضع عليها السارد

تحويرات تخدم مقصديته.‏ حيث أدى غضب ‏"اإللهة عشتار"‏ على السارد إلى مسخه ذئبا بعدم رفضه الزواج

منها:"‏

وهنا يتذكر

ذئب،‏ أجل أنا ذئب وليس من قبل،‏ أنا بشر في حقيقتي،‏ ولكني تحولت وهذا يسعدني."‏ 1

السارد األساطير التي تمّ‏ فيها المسخ 2

:Metamorphosis

1

‏"لقد دهنت الساحرة بامفيلة نفسها بمرهم

فتحولت بومة...‏ وكان سبيلها إلى أن تعود إلى طبيعتها البشرية أن تستحم بماء نقعت فيه نبات الشبت...وكان

لكن ما هو سبيله كي يعود إلى آدميته؟ لم يجد

سبيل لوكيوس كي يعود إلى بشريته من حماريته أن يلتهم الورد"‏ 3

حال لذلك فتحتّم عليه تقبل الوضع،‏ خاصة بعد لقائه بالرعاة الذين مسختهم اآللهة أيضا:‏ ‏"وانكشف المكان

وقد مسخ الرعاة ذئابا لم تجد مندوحة من أن تدخل معركة شرسة ضد الكالب"‏ . 4 يرسم المسخ في المقطع

السردي الصورة البدائية األولى للطبيعة البشرية باختزاله الفواصل بين اإلنسان والحيوان وتجاوز المعقول فتصبح

الشخصية تتأرجح بين الثنائيات الضدية يفكر كإنسان ولكن جسده تحول إلى كائن حيواني.‏

م س،‏ ص‎205‎‏.‏

جاء في اللّسان مفهوم المسخ هو ‏"تحويل صورة إلى صورة أقبح منها ‏"وفي التهذيب:‏ ‏"تحويل خلق إلى

صورة أخرى " لسان الدّين ‏)ابن منظور(،‏ لسان العرب،‏ مجلد 22 ص‎32‎‏،‏ مادة مسخ أما اصطالحا فهو

‏"االنتقال من حال إلى حال ال يشترط فيها حال دنيا وال حال عليا ‏"أي انها التحول من صورة إلى صورة

أخرى وهو أنواع ‏"فالنسخ هو نقل الروح إلى أرفع،‏ والمسخ هو نقل الروح إلى ذوات األربع،‏ والفسخ هو

نقل الروح إلى الحشرات،‏ والرّ‏ سخ هو نقل الروح إلى النبات والجماد ‏"وهذا يحيل الى تشوه الذات

وتحولها الى كيانات أقل من كيانها األول بسبب العقابات المسلطة عليها من طرف قوى أعظم منها.‏ أوفيد،‏

‏"وكان العرب

مسخ الكائنات،‏ تر،‏ عكاشة ‏)ثروت(،‏ الهيئة المصرية العامة للكتب

يعتبرون أن المسخ والتناسخ هما العقاب والثواب فالمسخ هو عقاب ويعني عندهم انتقال الروح إلى أجساد

البهائم المسخرة لألعمال الشاقة أو المعدّة للذبح ‏"فيفقد ذلك الكائن خصائصه البيولوجية والسيكولوجية

الطبيعية ويكتسب أخرى بعيدة عن جنسه.‏ عناني ‏)محمد(،‏ المصطلحات األدبية الحديثة،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏

مكتبة لبنان ناشرون،‏ 2112، ص‎22‎‏.‏ جاء توظيف المسخ في الرواية العالمية على يد أدباء كبار مثل

فرانز كافكا في روايته ‏"المسخ".‏

3 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎202‎‏.‏

4 م س،‏ ص‎272‎‏.‏

2110، ص‎02‎

130


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

يأتي توظيف المسخ استجابة لعوامل تتعلق ب السارد و ‏"الدّاخل النفسي والذهني وعالم الالوعي المظلم،‏

وما يفرزه من استيهامات"‏ 1

وتراكمات شعورية راسبة منذ الصغر،‏

تقبع في تموجات وجدان السارد،‏ منها مشاعر الخوف اتجاه واقعه ومستقبله

خاصة تلك

العالقة

القوية التي كانت تجمعه مع جده ‏"مصباح"‏ وموته

المفاج وبذلك فقد كل معاني الحياة وحادثة ذبح الخروف الذي كان يظن أنه سيبقى معه إلى األبد.‏ فقد

تملكه الحزن الشديد أدى به إلى رفض األكل منه حتى ال يكون مشاركا في جريمة ذبحه.‏ وغيرها من الحوادث

التي انتهت فعليا لكن مفعولها على سيكولوجية البطل لم ينته،‏ فأدى به إلى هذا الحلم الرهيب.‏

تأتي الكتابة المتشبعة بروح المسخ الستجالء"‏ البقايا والهوامش والمقصي من كينونتنا المحاصرة بضغط

القوانين والمحرمات وشتى أنواع الرقابة"‏ 2

الممارسة على الكاتب من طرف السلطة.‏ فوجود المسخ هو حيلة

للهروب ونقد ضمني موجه للسلطة.‏ فالعالم األسطوري يعزز فكرة اإليهام الختراق قيود الواقع المعيش بمنحى

ترميزي حين يكون السارد ‏"ناقم على أوضاع عصره،‏ هارب من زيفه وتصنعه وتعقيده،‏ وهو إذ يفعل هذا البدّ‏ أن

يمتلك قدرة على الفهم،‏ والتمثيل،‏ وفهم الموقف المعاصر،‏ وإذابته في شبيهه األسطوري"‏ 3

الممسوخ فاإلنسان

ملغى من مؤسسة المجتمع اإلنساني كفرد فعّال،‏ ليضاف قصريا إلى مؤسسة المجتمع الحيواني.‏ وعلى الصعيد

الجمالي للنّص يشكل المسخ مبعث للمتعة واللذة لما يثيره من دهشة من األمور غير المعقولة وغير الممكنة.‏

2.0.2

دّالالت العبودية

في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار":‏

تنطلق أسطورة ‏"جلجامش"‏ من طرح تساؤالت جوهرية عن الحياة والوجود:‏ كيف ينبغي للفرد أن يعيش

هذه الحياة؟ هل يتمتع بها أم أنه مطالب بتخليد اسمه؟ ماذا تعني الحرية؟ فهي تكشف عن مضمون عميق

يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة اإلنسان،‏ لذلك فهي تتأرجح بين ثنائية:‏ الحرية/‏ العبودية إنها

األزمة التي يسبر السرد في نص ‏"هاء وأسفار عشتار"‏ تداعيتها على الشخصية/‏ البطل وعلى تحبيك ما يعيشه

2

1 غيوب ‏)باية(،‏ الشخصية األنثروبولوجية العجائبية،‏ ص‎022‎‏.‏

تدوروف ‏)تزيفتان(‏ مدخل إلى األدّب العجائبي،‏ تر:‏ الصديق ‏)بوعالم(،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ ‏)د.ب(،‏ دار شرقيات،‏

2112، ص‎2‎‏.‏

3

الموساوي ‏)عبد السالم(،‏ الموت المتخيل في شعر أدونيس،‏

والتوزيع،‏‎0227‎‏،‏ ص‎000‎‏.‏

‏)د.ط(،‏

دمشق،‏ مجلد‎2‎‏،‏ النايا للنشر

131


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

من تهميش وتحويل لألحداث إلى قصة لها منطق ومعقولية جديرة بأن تروى.‏ وتمنح الشخصية هوية سردية

دينامية تترسخ بفعل النقش التخييلي.‏

يطرح النّص األصلي ألسطورة ‏"جلجامش"‏ ثيمة الحرية.‏ فجلجامش عاش حرية مطلقة،‏ أما البطل في

الرواية فقد عانى من العبودية.‏ ويلجأ السارد في نصه إلى هذه األسطورة يتلمس منها أنسب شكل للتعبير عن

وتوظيف هذه الخبرة/‏ الرموز

رؤيته،‏ ألنه"‏ يتعامل مع مواد مستغلة،‏ فالخبرة البدئية هي مصدر قدرته المبدعة..."‏ 1

األسطورية ساعده على موضعة تجربته االنفعالية مع الكون والنفس الداخلية بهدف إنتاج بنية أدبية تمتح

الطاقات الداللية للرمز األسطوري،‏ كون أن األسطورة نظام سيميائي له رموزه التي عبر من خاللها اإلنسان عن

عالقته بالعالم.‏

يرافق البطل جلجامش ويعيش معه رحلة المجهول للبحث عن واقع جديد وحياة ينبعث منها األمل من

رحم الضياع ليرتقي إلى عوالم الحرية.‏ شكل هذا التوظيف بؤرة مركزية للتعبير عن واقع التجربة المريرة التي تعاني

منها الذات الساردة.‏ ومن خالله يحاول تعميق اإلحساس بهذه المعاناة.‏ فيتم تحوير النص األصلي كي يلتصق

بالواقع المراد كشفه،‏ بآليات فردية لخلق أسطورة النص.‏ فنكون أمام أسطورة جديدة إنها األسطورة األدبية التي

تمتد بجذورها إلى األسطورة األصلية،‏ ما يجعل القارئ يقرأ التوظيف برؤى جديدة تحيل إلى السياق الخارج

نصي.‏

تشمل عملية تحوير األسطورة األصلية جعل البطل في ‏"هاء وأسفار وعشتار"‏ مكان ‏"أنكيدو"‏ صديق

جلجامش في األسطورة األصلية وجعل جلجماش يعامله على هذا األساس.‏ يقول السارد عن جلجماش:‏

‏"دعاني أن أحفر بحرا وأجري إليه سواقي من ينابيع بكرا،‏ تتدفق من أعمق أعماق األرض

حيث ثلوج القمم

الذاهبة في السماء،‏ حتى إذا امتالْ‏ البحر وأشرقت الشمس وتبخرت المياه،‏ وتنزلت أمطارا غزيرة غسلت األرض

واإلنسان"‏ . 2 من خالل هذا الملفوظ يعيش السارد حرية مطلقة تجعله يتحكم في ظواهر الكون وكأن جلجماش

قد زوده ببعض القدرات الخارقة التي يمتلكها،‏ ينم هذا التوظيف عن توق السارد إلى الحرية ورغبته في التحكم

في بعض مجريات حياته.‏ يؤشر التحوير لألسطورة األصلية إلى الوجود النصي/‏ الرمزي إلى رغبة السارد في

1 يونغ ‏)كارل(،‏ علم النفس التحليلي،‏ تر:‏ نهاد

والتوزيع،‏ 2113، ص‎221‎‏.‏

خياطة،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ الالذقية،‏ سوريا،‏ دار الحوار للنشر

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎225‎‏.‏

132


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

توظيفها وصهرها مع ‏"ورؤيته الفنية والفكرية الحديثة،‏ لتصبح أسطورة ‏"عشتار"‏ رمزا لإلنسان العاجز أمام

ومغرياته وفتنه هذه المغريات تجعله بتخلى عن مبادئه ويصبح مجرد تابع ذليل لمبادئ اآلخر

تحديات العصر"‏ 1

ولكنه يدخل دوامة التيه والفراغ وال يشعر بالسعادة إال إذا عاد إلى مبادئ قومه.‏

تتشابك خيوط التشابه بين السارد وبين ‏"جلجامش"‏ الذي رفض سيطرة الجان وملك غابة األرز ‏"خمبابا"‏

ورفض إغراءات ‏"اإللهة عشتار".‏ فالبطل أيضا رفض العبودية التي دفع ثمنها بدخوله السجن وفقده

لحبيبته.‏

يقول في نفسه بعد أن شاهدها ترتدي خاتما:‏ ‏"يعني أنها تزوجت"‏ ، 2 كما أنه فقد قطه الذي مات في غيابه،‏

يصف قبره متحدثا:‏ ‏"كان القبر ممتدا تحت شجر...هنا يرقد مصباح"‏ 3

إذ

مثل الخروج انفتاحا خائبا على

العالم مبعثه اإلحساس بالضياع عن االندماج في العالم الخارجي،‏ يصف نفسه لحظة الخروج من السجن:‏

‏"أخطو من السجن وقد انفتحت البوابة على مصراعيها،‏ لتفتح أمامي سجون دهاليز العبودية"‏ . 4 فالخروج لم

يكن يبشر بالخير،‏ ألنه فقد المكان وليس المقصود بالفقدان المادي،‏ بل فقدان المأوى الوجودي كالمالذ

المتجسد في قطه وحبيبته.‏

يتجلى الخراب الروحي والخواء النفسي للشخصية،‏ فتتجرد من أي قيمة أو مثال يشدها إلى الحياة

بسبب افتقادها"‏ إلى محور تماسكي تؤلفه الفعالية التي تنشأ في قلب الشخصية.‏ وفي الوقت نفسه تحرك

اإلنسان بأسره بشكل مستمر".‏ 5

تجرده من كل قيمه المعنوية والرمزية في سياق اجتماعي ال يحفظ لإلنسان

حقوقه ‏"الحرية".‏ هذه المسافة المجازية بينه وبين الواقع السياسي الذي يريد نقده باألسطورة التي تشكل في

جوهرها ‏"خطاب مقنع يخفي معنى واقعي تحت معنى متخيّل"‏ . 6 فالواقعي هو العبودية والمتخيل هو الرحلة التي

قام بها البطل رفقة جلجماش في طيف أحالمه والتي أكسبته حرية كان يتوق إليها في حياته العادية.‏ فالحاجات

السيكولوجية غير المشبعة تحفر نفسها في الالوعي الفردي وتترجم في صورة األحالم واالستيهامات.‏

كل هذه الدّالالت الفكرية شكلت مالمح هذا العمل الفني/‏ أسطورة عشتار الذي صور رحلة الخلود

وسر الحياة األبدية الذي شكل هاجسا شغل االنسان.‏ وقوّض طمأنينته منذ األزل وإلى األبد،‏ فقد شكل هذه

1 حنون ‏)عبد المجيد(،‏ األسطورة في األدب العربي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ ‏)د.ب(،‏ دار ميم للنشر،‏

2 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎21‎‏.‏

جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار،‏ ص‎17‎‏.‏

م س،‏ ص‎220‎‏.‏

5 لوكاتش)جورج(،‏ غوته وعصره،‏ تر:‏ بديع ‏)عمر(‏ نظمي،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ بيروت،‏ دار الطليعة،‏

نجمي)حسن(‏ شعرية الفضاء السردي،‏ ‏)د.ط(،‏ المغرب،‏ المركز الثقافي العربي،‏‎0222‎‏،‏ ص‎225‎‏.‏

0221، ص‎222‎‏.‏

2122، ص‎21‎‏.‏

3

4

6

133


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

األسطورة اإلرهاصات األولى لهذا التفكير الرمزي المرتبط بحقيقة وجود اإلنسان وماهيته.‏ والهدف والمسؤولية

التي يتحملها اتجاه نفسه وبنو قبيلته.‏ والكاتب ‏"جالوجي"‏ بعودته إلى هذه الدالالت إنما ليؤكد التّواشج

واالمتداد بين هموم حاضره بهموم الماضيين السابقين.‏ ومثلما أن األسطورة شكلت تاريخ القدماء فإن النصوص

الروائية تكتب التاريخ المعاصر،‏ كون أن الهموم التي يشكو منها اإلنسان واحدة في األزمنة واألمكنة.‏

سيطر الت شكيل الميثولوجي السحري على المتخيل،‏ فمن لوكيوس أبوليوس في روايته ‏"الحمار الذهبي"‏

إلى عشتار نجد أيضا ‏"سيزيف"‏ الذي يحمل طاقة داللية تؤشر إلى سجالت رمزية وثنائيات متقاطبة:‏ الفشل/‏

التحدي،‏ األمل/‏ الموت.‏ يحضر ‏"سيزيف"‏ إلى ‏"نص هاء وأسفار عشتار"‏ محمال بثقل هذه الدّالالت يقول

البطل:"‏ ما كنت أفعل إال ما فعله سيزيف،‏ وقد حكمت عليه اآللهة بالشقاء األبدي"‏ . 1 فالسارد ال يملك

مخرجا سوى أن يرضى بالعذاب األبدي المسلط عليه.‏ فمثلما كان سيزيف معاقبا بالصخرة يحملها إلى أعلى

الجبل وتتدحرج ويعيد الكرة،‏ فإن السارد شقي بسجن العبودية الذي وجد نفسه داخله.‏ ومن هنا تحضر أسطورة

سيزيف بوصفها

شكلت

"

نظام اتصال"‏ 2

األسطورة

نسقا بنائيا

بين الماضي السحيق والحاضر التعيس المتشاكل معه.‏

رواية ف ي

‏"هاء وأسفار عشتار"‏

‏"األساطير التي تناقلتها األجيال على مدى سنوات طويلة.‏

األمة بأسرها"‏ . 3 لقد أدرك جالوجي هذه القيم

ومحورا معيدا صياغة المادة الحكائية األصلية،‏ فغدت روايته هي رواية

وحدات خرق أفق توقع المتلقي ودعوته طواعية للقراءة والتأويل.‏

يمكن قراءة هذا التوظيف ألسطّورة ‏"الحمار الذهبي"‏ في أنّه

التي يعتمد الكاتب في بنائها على إحدى

وأصبحت بذلك جزء من التراث الفكري للشعب أو

فاتجه إلى هذا المعين يغرف منه ما يتوافق مع رؤيته معدال

تعلن الوالء للتجريب وتشحذ لذلك

التعبير عن بعد حضاري يسعى

تأكيده.‏ أمّا حضور أسطورة ‏"عشتار وجلجماش"‏ وأسطورة ‏"سيزيف"‏ يمكن قراءته على أنّه

إلى النّص

جزء من مثاقفة

حضارية واسعة االمتداد والشمول في التراث العالمي.‏ إنّه شرعنة لنوافذ االبداع على الفكر والتراث ودعوة إلى

التوحد ولم الشمل وتواصل روحي وفكري وحضاري لجالوجي الباحث في التراث اإلنساني عن تجارب تكسب

1 جالوجي ‏)عز الدين(،‏ هاء وأسفار عشتار،‏ ص‎225‎‏.‏

2 المقداد ‏)قاسم(،‏ هندسة المعنى في السرد األسطوري الملحمي،‏ جلجامش،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ دمشق،‏ دار السؤال

للطباعة والنشر،‏

3 السيد ‏)شفيع(،‏ اتجاهات الرواية العربية في مصر منذ الحرب العالمية الثانية،‏ ‏)د.ط(،‏ دار الفكر العربي،‏

القاهرة،‏

2122، ص‎31‎‏.‏

2112، ص‎55‎‏.‏

134


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

النّص خصوصيته وفرادته.كما طرح ميشال و فكو ‏"الخاصية العبقرية المميزة للعقل اإلنساني،‏ على الدوام هي

ملكة الحكمة الشعرية التي تظهر ذاتها باعتبارها قدرة وضرورة على إنتاج األساطير،‏

واستعمال اللغة استعاريا،‏

لذلك ينظر فيكو إلى إنتاج األساطير والحكايات والرموز عند اإلنسان القديم باعتبارها نسقا لمعرفة العالم وترميزه

وتنسيقه من أجل فهمه وتغييره".‏ 1 فالنصان يتعالقان نسقيا ويتقاربان سياقيا حيث سيطرت مقامات على إنتاج

العالقة الحوارية بين المرجعي واإلبداعي ليتأكد أن النص يكتب بوعي الذاكرة والرّاهن.‏

على سبيل التركيب:‏

توخينا من خالل مباحث هذا الفصل إلى دراسة البنيات المؤسسة للمخيال الشعبي من خالل تلك

التمظهرات السلوكية للطقس الشّعبي في روايات عز الدين جالوجي المنتخبة للدراسة.‏ سعى صاحبها إلى

استثمار المعتقدات الشعبية/األنثروبولوجية وتوظيفها،‏ عبر فعل الكتابة،‏ حقق الكاتب هدفه في اصطناع سردية

بديلة لتوظيف األنثروبولوجي تتخطى سكونية السائد وجبورته،‏ بل قد وصل إلى مطية لممارسة فعل أعمق وأبعد

من التوظيف وهو التحليل األنثروبولوجي للمجتمع الخارج النصي،‏ وعليه وقفنا على أعتاب عمل سردي مفكر

في تاريخ مجتمعه وهويته.‏ وقد كان الهدف هو تخليص الذات من األوهام.‏

تمث ل الطق وس الش عبية الق يم الروحي ة والوجداني ة الت ي ينط وي عليه ا النس ق الثق افي ألي مجتم ع،‏ وم ن هن ا

تمثل ت الكتاب ة الجالوجي ة جمالي ات ه ذه المعطي ات األنثروبولوجي ة ض من س ياقات لغوي ة جمالي ة،‏ منطلق ة م ن

ال وعي واإليم ان ب أن ج وهر الثقاف ة الش عبية والم وروث الش عبي ه و ال ذي يشكل خصوص ية ووج دان ك ل ش عب

حيّ،‏ هذا الموروث يختزل قيم وحضارة المجتمع وبالغتها وحكمتها.‏

تظه ر الش بكة اإلثنوغرافي ة المش كلة لنص وص الرواي ات عل ى مس توى متوالي ات س ردية منتظم ة ومحكم ة

زماني ا ومنطقي ا حي ث يجع ل جالوج ي الح دث حي ا وحيوي ا.‏ فالمس توى المعجم ي م رتبط بالمس توى ال داللي

للح دث،‏ والوص ف اإلتث وغرافي والتحلي ل اإلثنول وجي لك ل طق س خض ع لش روطه حت ى ال يش عر المتلق ي بالنش از

ب ين لغ ة الرواي ة وطقوس ية الح دث،‏ إض افة إل ى الت زاوج المرك ب اإلثن وغرافي بالمرك ب األدب ي الجم الي ال ذي هي أ

1 بوعزة ‏)محمد(،‏ تأويل النص من الشعرية إلى ما بعد الكولونيالية،‏ ‏)ط‎2‎‏(،‏ قطر،‏ المركز العربي لألبحاث

ودراسة السياسات،‏

0222، ص‎72-73‎‏.‏

135


الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في روايات ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

انف الت الكتاب ة وجريانه ا ص وب الخي ال،‏ محقق ة ب ذلك تش كيال أدبي ا ومعرفي ا مفتوح ا عل ى الرؤي ة المنهجي ة

األنثروبولوجي ة.‏

136


خاتمة


تشكلت هذه األطروحة في مسار اشتغالنا المنهجي وفق تصور نظري ينتمي إلى

خاتمة

أنثروبولوجيا األدب.‏

الموروث الثقافي في روايات ‏"حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار

عشتار"‏

طاغيا على البنية السطحية،‏ ومستفزا على البنية الداللية،‏ مما ولد لدينا قلقا قرائيا فأسلمنا مجبرين إلى

محاورته وقراءته.‏ فقد

لجأت روايات جالوجي إلى الموروث الثقافي واستطاعت أن تغتني بمضامين جديدة

لتغدو أدق تمثيال للماضي والحاضر واستشرافا للمستقبل،‏ فالموروث الثقافي ليس وهما أو شيئا ال لزوم له،‏ إنما

هو تجربة وجودية تعكس شكال من أشكال الحياة في المجتمع.‏

فمن خالل البحث في التوصيفات الهندسية

للموروث الثقافي داخل النصوص الروائية محل الدراسة واآلليات الجمالية المتحكمة في توزع أشكالها

ومقاصده المعرفية والجمالية فإننا نبلور نتائج البحث في:‏

التعبيرية

التقاطع اإلبستمولوجي بين الخطاب األنثروبولوجي والخطاب األدبي في عدة نقاط منها الوصف

والسرد والحوار

أدى

إلى تحول الكتابة األنثروبولوجية

الفراغات التي اعترت بعض المعلومات اإلثنوغرافية،‏ تميز بعض

فريزر وكليفورد غيرتز وغيرهما

األدبية.‏

بالموهبة األدبية،‏

فاصطبغت

إذ أصبحت تستند

من

كتابتهما

إلى الخيال األدبي لردم

األنثروبولوجيين على غرار جيمس

األنثروبولوجية

بالغموض والجمالية

تقوم مقاربة أنثروبولوجيا األدب على المثقافة المنهجية بغية الوصول إلى قراءة تحفر النسيج الروائي

وتستنطق الدالالت العميقة.‏

فالمقاربات النقدية المجزئة والمنفصلة ال تفضي إلى نتائج شاملة.‏ ومن

هنا فقد عدنا إلى عدة مقاربات نقدية وهي:‏ المقاربة التأويلية

النفسية والمقاربة السيميائية لخلق فضاء إجرائي نقدي.‏

الرمزية والمقاربة االجتماعية والمقاربة

اشتغلنا على المتون الروائية لمقاربة المعطى اإلشكالي لمختلف المعطيات األنثروبو ثقافية من الخفاء

النصي إلى التجلي،‏ وهي معطيات حضرت في شكل بنيات نصية

متماهية مع الخطاب

بفعل الروائي

األفعال الثالثة للتخييل:‏ التخييل واالنتقاء والتركيب التي صممها ما ايزر لدى اشتغاله على ثالثية الواقعي

والتخييلي والخيالي،‏ حتى تبقى هذه المعطيات متصلة بالواقع الخارج نصي،‏ بوصف الثقافة نصا يستمد

منه كال من األنثروبولوجي والروائي هذه المعطيات.‏

شكلت عودة جالوجي إلى البناء األنثرو االجتماعي لنظم القرابة للمجتمع الجزائري إلبراز مكانة الرجل

في تكوين المجتمع والحفاظ على نسب العرش ومواصلة مناقب اآلباء واألجداد.‏ شكل تدخل الحماة

138


خاتمة

في الزواج إبرازا لسلطتها في التسيير وإيمان عائلتها في رجاحة عقلها،‏ فسلمت الشخصية إلى أوامر

والدتها رغم تعارض الرغبات.‏

التمثيل السردي للبيئة المحلية بوصفها فضاء اجتماعي بكر جاء لتأصيل الهوية الجزائرية في بعدها

العميق،‏ خاصة أن القرى في زمن السرد كانت ال تزال تحافظ على جينات نقية لم تتفسخ بفعل

االختالط االجتماعي أو التقارب الثقافي.‏

تأصيل

لكتابة

المدينة الجزائرية من خالل العودة إلى التاريخ واستنطاقه وإعادة تدبيجه في أتون السرد الروائي

جينالوجية الهوية المدينية الجزائرية.‏ وتسريد الهويات المختلفة في محاولة لدمقرطة النص

واالعتراف بثقافة اآلخر وأثرها في صنع ‏"ثقافة المكان".‏

في إطار التجليات األنثروبولوجية لبنيات المخيال الشعبي،‏

يأتي

تأثير المعتقدات الشعبية المتوارثة في

تشكيل المخيال الشعبي اتجاه األولياء أحد أبرز األبنية المهندسة لهذا المخيال،‏ وعملت الطقوس على

تجسيد تلك البنيات الفكرية،‏ ودالالتها تمحورت حول تقديس السلف الصالح واإليمان بكل ما يصدر

عن الذاكرة الشعبية خوفا من العقبات ورجاء في تحقق الدعوات.‏

تمثلت داللة األولياء في الحكايات الشعبية الخرافية

الجمعي وهو الدافع السوسيو ثقافي

امتصاص النّص الروائي لهذه القصص بعدا جماليا،‏

حكايات تتناسب مع المواقف السردية.‏

في إبراز قديستها في المخيال الشعبي والالوعي

المؤدي إلى إنتاج هذه القصص وتداولها وانتشارها،‏ وقد شكل

وتمثلت بها الرواية اغتنت

قدرة النص على ابتداع

شكل السحر ‏ّسردية بارزة في روايتي ‏"حوبه ورحلة المهدي المنتظر"‏ و ‏"هاء وأسفار عشتار"‏ فمن

خالل التمائم والحروز استطاعت المرأة النيل من جبروت الرجل وهيمنة المجتمع واستخدمه الرجل ليبرز

حضوره االجتماعي ويحقق رغباته في الزواج.‏ ومن خالل طقوس السّحر تتمظهر قيم العبودية التي

سيطرت على الشخصيات،‏ تلك العبودية النابعة من الذات والناتجة عن سجن الرغبات.‏

" انطوى نص

هاء وأسفار عشتار"‏ على دالالت فكرية عميقة تخفت في بنيته العميقة،‏ وهي دالالت

العبودية واالستعباد،‏ تمكنا من الكشف عنها من خالل النقد األسطوري،‏ فمحاولة جالوجي المزج بين

خطابيين ثقافيين وهما األسطورة والرواية وهي محاولة إلحداث ثورة سردية في مسار الخطاب الروائي،‏

من خالل استدعاء األسطورة البابلية والخرافة الشعبية لتشكل خطابا أنثروبولوجيا يفتح باب التجريب

الروائي.‏

139


خاتمة

في األخير لقد سعينا حثيثا في البحث إلى مقاربة النص الروائي في إطار األنثروبولوجيا األدبية رغبة منا في

الكشف عن دالالت عميقة،‏ وقراءة هذا النص من جانب يختلف نوعا ما عن القراءات السابقة وذلك

باالستفادة من منجزات الحقول النقدية مجتمعة في إطار نقدي واحد.‏ إننا نتطلع إلى استحدث دراسات نقدية

أخرى في مجال أنثروبولوجيا األدب على المستوى المفاهيمي النظري لتقديم وبلورة األدوات النقدية،‏ كما نتطلع

إلى طرق هذا الباب البحثي بدراسات إجرائية توسع دائرة البحث وتكشف عن دالالت أحرى لم يتمكن بحثنا

من التوصل إليها.‏

140


المالحق


الملحق‎20‎‏:‏ التعريف باألنثروبولوجيين

يرد الملحق األول للتعريف ببعض األنثروبولوجيين وأعمالمهم

سير إدوارد تايلور ‎1011-1820(Sirم(‏ Edward Burnet Tylor

لندن،‏ بريطانيا.‏

.1

يعدّ‏ شخصية بارزة في تطوير األنثروبولوجيا الثقافية ومشهور بأعماله حول الثقافة وتطور الديانة.‏ نشر كتابه

‏"الثقافة البدائية"‏ عام ‎0880‎م الذي تظهر فيه آثار نظرية داروين في النشوء واالرتقاء البيولوجي،‏ أثر كبير في

تطوير النظرية القائلة بالعالقة االرتقائية من الثقافات البدائية إلى الحديثة

صدّر له كتابه ‏"الثقافة البدائية"‏ في مجلدين.‏ في المجلد األول ‏"الثقافة"‏ أنها ‏»عقدة تتك على المعرفة

والمعتقدات والفن واألخالق والقوانين وأي ترتيبات وأعراف أخرى اكتسبها اإلنسان«‏ يشكل هذا التعريف قطيعة

جذرية مع المفهوم السابق للكلمة.‏ بقي هذا التعريف يحتفظ ببريقه إلى اليوم في الدراسات األنثروبولوجية.‏

في المجلد الثاني يرجع بالكامل إلى أصول وتطور الدين،‏ الذي كان تايلور قد نظر فيه بالفعل في

‏»أديان المتوحشين«،‏ الذي نشرته مجلة Fortnightly Review في عام 0899. يقترح أن مبدأ فصل الروح

عن اللحم،‏ الصورة من الواقع،‏ تقدم ازدواجية يتم حلها من خالل فكرة الروح المفهومة على أنها مزدوجة خيالية،‏

كرد فعل إنساني شامل لظواهر مثل الموت،‏ األحالم والرؤى والصور المرآة.‏ ‏»المتوحشون«،‏ الذين يتسمون

بالخيال مثل األطفال،‏ غير قادرين على التمييز بوضوح بين الحقيقي والخيالي.‏ 1

1 Tylor was Born in Camberwell near London with the success iono fvarious

cultures, some of which must ‘degenerate’ (‘which explains ..Gérald Gaillard

The Routledge Dictionary of Anthropologists translated by peter james bowman

p17

In the two volumes of his Primitive Culture (1871), Tylor takes up the

word‘culture’ asused by German historians, and definesit as ‘a complex who

leen compassing knowledge, beliefs, art, morality, laws and any other

arrangements and customs acquired by man’. This constitutes a radical break

with the more restricted use of the word and generates the first definition of

anthropology as the ‘science of culture’. The accent is place don the study of

folklore legends, superstitions and myths as the most precious repositories of the

past. The second volume isdevoted entirely to the origins and evolution of

religion, which Tylor had already considered in ‘The Religions of Savages’,

142


الملحق‎20‎‏:‏ التعريف باألنثروبولوجيين

0. سير جيمس فريزر ‎1020-1842(Sirم(‏ James George Frazer

ولد في غالسكو في بريطانيا،‏ كتب فريزر العديد من المقاالت،‏ بما في ذلك ‏"الطابو ‏"و ‏"نظام

0884

العشيرة"،‏ في الطبعة التاسعة من موسوعة بريتانيكا المكونة من 04

مجلدًا ‏)التي بدأت في عام

واكتملت في عام 0888(. قضى سبعة أشهر في كتابة هذه المقاالت،‏ التي أصبحت أطول بكثير مما كان

متوقعًا.‏

نشر كتاب فريزر ‏"نظام العشيرة واالعتزال"‏ عام

1 من خالل مزج اإلثنوغرافيا مع الفولكلور األوروبي

"The Golden

واألساطير مع التاريخ الكالسيكي والشرقية مع الرواية الكتابية،‏

جمع

‏"‏Boughمجمل المعرفة المعاصرة.‏ يقدم فريزر هذا التركيب بشكل سهل 2

الغصن الذهبي

published by The Fortnightly Review in 1866. He suggests that the principle of

separating spirit from flesh, image from reality, introduces a duality which is

resolved by the notion of the soul understood as a phantasmagorical double, as a

universal human reaction to such phenomena as death, dreams, visions and

mirror images. ‘Savages’, who are as imaginative as children, are unable to

distinguish clearly between the real and the imaginary..Voir Ibid p18

1

.At Smith’srequest Frazer wrote a number of entries, including ‘Taboo’ and

‘Totemism’, for then in the dition of the 24-volume Encyclopaedia Britannica

(begun in 1875 and completed in 1888). He spentseven months on these articles,

which became far too long for their purpose. On Frazer’s behalf Smith asked for

a dispensation from the publisher Black, who then suggested publishing the

articles in book form, and so Frazer’sTotemism and Exogamy.Gérald Gaillard

The Routledge Dictionary of Anthropologists translated by peter james bowman

(p22

2 Frazer’sgeneral schema follows A. Comte’s threestages. The firs to Thesis the

magical stage, in which man believes he is able to dominate nature through

empathy. This givesway (albeitin completely) to the religious stage, in which

man recognizes his weakness and putshimself in the hand so fthe gods. Finally,

in the stageof civilization, man effects a separation between science and those

areas where he is powerless. Mixing ethnography with European folklore, mythology

with classical history, Orientalism with biblical narrative.Gérald Gaillard

The Routledge Dictionary of Anthropologists translated by peter james

bowman,p22

143


الملحق‎20‎‏:‏ التعريف باألنثروبولوجيين

فرانز بواس Franz Boas

‏)‏‎1020-1848‎م(‏

.2

0848

يوليو وُلد في 1

في بلدة ميندن األلمانية في عائلة يهودية علمانية مشبعة بأفكار الثورة األلمانية

لعام 1 0848. انطلق في رحلة دراسات جغرافية في شمال كندا في عام 0883

بهدف إعداد خرائط للمنطقة.‏

قضى بواس عدة أشهر في القطب الشمالي في ظروف صعبة للغاية.‏ وخالل إقامته هناك،‏ التقى بسكان

اإلينويت.‏ كانت هذه أول فترة ميدانية لبواس.‏ اتجه إلى علم اإلنسان.‏ بعد أن أصبح أبرز خبير فيما يتعلق

بالسكان األصليين األمريكيين في كولومبيا البريطانية،‏ بحث عن عمل في نيويورك خالل شتاء عام -1884

‎1885‎وكتب كتبًا مثل ‏"بافين الند:‏ نتائج جغرافية لرحلة بحثية أُجريت في سنوات 0883

و‎0884‎‏"‏ و "The

Eskimo" Centralبعد لقاء مع مجموعة من سكان بيال كوال الهنود من كولومبيا البريطانية تم نقلهم إلى

متحف برلين،‏ اقترح بواس على باستيان فكرة دراسة األنثروبولوجيا 2

1 . Gérald Gaillard The Routledge Dictionary of Anthropologists translated by

peter james bowman p60

2

He performed his military service as an officer and the nset off in 1883 on a

voyage of geographical study in Northern Canada with the aim of drawing up

map so ftheregion. Boas spentseveral months in the Arctic in extremely difficult

conditions (he tells thes tory in ‘A Journey in Cumberland Sound and on the

West shore of David Strait in 1883 and 1884’, Journal of the American

Geographical Society of New York, vol.14, 1884: 242–272). It was during this

stay that he came across the Inuit. G.W. Stocking has pointed out that this,

Boas’s first period in the field, and that his last fieldwork was carried out

which givesus a good yard stickby which to situate Boas historically. Fascinated

by the human capacity to adapt and keen to under- stand whathe saw as a

common human nature with geographical lydetermined variants, heturned to

anthropology. Having become the fore mosts pecialist on the American Indians

of British Columbia, he un successfully sought employment in New York during

the winterof 1884–1885, and American anthropology 60. In 1886 he began to

teach geography at the University of Berlin and wrote Baffin- land:

Geographische Ergebnisse einer in den Jahren 1833 und 1884 ausgeführten

Forsc- hungsreise (Petermanns Mitteilungen, 1885) and The Central Eskimo

(1888). After a meeting with a group of Bella Coola Indians from British

Columbia who had been brought to the Museum of Berlin, Boas suggested to

Bastian.Gérald Gaillard The Routledge Dictionary of Anthropologists translated

by peter james bowman p61

144


الملحق‎20‎‏:‏ التعريف باألنثروبولوجيين

برونسيالف

.2 مالينوفسكي (1942-1884)Bronislaw Malinowski

‏"ارتبط اسمه بالدراسات الميدانية الواسعة التي أجراها في شعوب أوقيانيا،...‏ اهتم بداية بالنصوص

المرتبطة بسكان أستراليا األصليين،‏ ثم توجه عام

0104

توجه إلى جزر تروبرياند حيث أمضى أوقاتا طويلة بين عامي ‎0104‎و

إلى غينيا الجديدية للقيام بأبحاث ميدانية جديدة...ثم

0109

ثم ‎0108‎و‎0108‎ وأقام في خيمة

مع سكان البالد يتكلم لغتهم بطالقة ويسجل مالحظاته ويجري مقابالت منهجية،‏ ويراقب تفاعالت السكان

مع األحداث اليومية،....تركزت مالحظاته على نواح متعددة من حياة السكان:‏ االحتفاالت والزراعة واالقتصاد

والجنس والزواج والحياة العائلية...رفض الممارسات التجريدية التي كانت شائعة في المدارس

األنثروبولوجية...ركز على ‏...أن يكون لكل عادة أو شيء مادي أو فكرة أو إيمان وظيفة حيوية ما ومهمة ما"‏ 1

صلب النظرية الوظيفية.‏ كما ساهم في إدخال نظريات التحليل النفسي إلى الدراسة الثقافية 2

.4 كلود ليفي ستراوس (2009-1908)Claude Levi Strauss

‏"تقوم بنيويته على تحليل األنظمة الثقافية مثل النسب واألساطير،‏ بالنظر إلى العالقة البنيوية

بينها....إيجاد صيغة موجزة للكم الكبير من المعلومات حول األنظمة الثقافية باختزالها إلى ما كان يراه في

األساسيات...‏ ومان ينظر إلى الثقافات المختلفة على أنها أنظمة للتواصل،‏ حاول تأويلها بإنشاء نماذج مبنية

على األلسنية البنيوية ونظرية المعلوماتية والحركية العصبية"‏ 3

قام بأبحاث ميدانية بين قبائل الهنود في البرازيل التي ترتب عنها نشر أول عمل أنثروبولوجي له هو البنى

األساسية للقرابة عام ‎0141‎م ومنذ عام

0190

نشر مؤلفه ‏"العقل البدائي"‏ ومؤلفه الضخم ‏"األسطوريات"‏

و"النيء المطبوخ"‏ و ‏"من العسل إلى الرماد"‏ و"االنسان العاري"‏ . 4 وأصدر كتابه األسطوريات عام

طبق فيه المنهج البنيوي على دراسة األساطير 5

الذي 0180

1

كليفورد غيرتز،‏ تأويل الثقافات،‏ تر:‏ محمد بدوي،‏ المنظمة العربية للترجمة،‏

ص‎03‎‏.‏

2 م س،‏ ص‎251‎‏.‏

م‎3‎ س،‏ ص‎22‎

4 م س،‏ ص‎22‎‏.‏

5 ينظر،‏ م،‏ س،‏ ص‎252‎‏.‏

0222، بيروت،‏ لبنان،‏

145


م‎2‎

الملحق‎20‎‏:‏ التعريف باألنثروبولوجيين

.6 كليفورد غيرتز 2006-1926)Clifford Geertz (

أبرز العلماء األنثروبولوجيين األمريكيين في القرن العشرين،‏ ومؤسس المدرسة التأويلية الرمزية،‏ تحصل على

الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفد األمريكية،‏ قام بأول رحلة ميدانية وكانت رفقة زوجته إلى جزر جاوة

األندونيسية،‏ حيث درس الدين ودرست هي النسب والعالقات العائلية،‏ تمخضت هذه الرحلة إصدار كتاب

‏"الدين في جاوة

اإلسالم،‏ وفي سنة

0192

"، انتقل بعدها إلى المغرب بين

0193

0183

أصدر كتابه تأويل الثقافات.‏

و‎0180‎وكانت نتيجة أبحاثه كتابه مالحظة

أهم األفكار التي جاء بها غيرتز هي إعطاء أكبر عناية لدور الرموز في المجتمع في هي التي توجه

لهذا

سلوكيات الفرد،‏ وانطلق في مفهومه للثقافة على أنها مجموعة من التصورات الموروثة المعبر عن بالرموز 1

تتأسس نظرته التأويلية التطبيقية في كتابه ‏"تأويل الثقافات"‏ على تأويل الرموز،‏ فهو ينطلق من اعتبار الثقافة نصا

ف ‏"الثقافة هي التي تضفي المعنى على العالم في أعين أصحابه،‏ فالثقافة تُقرأ كما يقر النص،‏ والثقافة بما هي

وهذه هي التي تسير سلوكات الناس،‏ وعلى الباحث تأويل هذه

نص،‏ تتألف من الرموز،‏ التي نواقل للمعنى"‏ 2

الرموز للوصول إلى فهم أعمق للثقافة ومعطياته،‏ وبهذا يكون غيرتز قد ابتعد التفسيرات التجريدية والوظيفية التي

كانت سائدة في عصره،‏ ونحى نحو التأويل الرمزي،‏ وقد ساعده في ذلك معرفته الموسوعية فمختلف العلوم

كعلم االجتماع والفلسفة والنقد األدبي.‏

1 ينظر،‏

كليفورد غيرتز،‏ تأويل الثقافات،‏ تر:‏ محمد بدوي،‏ ص‎22‎

س،‏ ص‎21‎‏.‏

.22-

146


الملحق : 20 ملخص الروايات

1. ملخص رواية ‏"عناق األفاعي":‏

تنتمي رواية ‏"عناق األفاعي"‏ للروائي الجزائري عز الدين جالوجي إلى ثالثية ‏"األرض والريح"،‏ وتتموقع

في المركز األول وتليها " رواية حوبه،‏ رحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏ وتليهما رواية " الحب ليال في

حضرة األعور الدّجال"،‏ والمفارقة هنا أن رواية ‏"عناق األفاعي"‏ كتب في صفحتها األولى رقم

مركزها في نهاية الثالثية في الوقت الذي كان يجب أن يُكتب

3

0

إشارة إلى

بالنظر إلى مركزها داخل النسق التاريخي الذي

اضطلعت الرواية بسرده،‏ فرواية عناق األفاعي تبدأ تاريخيا مع آخر سنوات الحكم العثماني للجزائر واحتالل

فرنسا للجزائر وقيام الثورات الشعبية لتنتهي أحداثها بفشل هذه المقاومات.‏ وتتابع الروايتين ‏"حوبه"‏ و ‏"الحب

ليال"‏ الوقائع التاريخية للجزائر المحتلة إلى حين استقاللها.‏

جاءت الرواية مقسمة إلى ثالثة أجزاء اصطلح الروائي على كلّ‏ جزء منها مصطلح " القسم"‏ فكان العنوان

الرئيس للقسم األول ‏"الصقر الذي خانته براثنه"‏ والعنوان الجزئي:‏ آيةقرآنية وشغل 004 صفحة،‏ في هذا القسم

يعود جالوجي إلى الماضي فينفخ الروح فيه،‏ يأخذنا الجزائر المحروسة في آخر سنوات الحكم العثماني،‏ يبدأ

نسق األحداث بتصوير الخيانات التي يتعرض لها الداي حسين والمؤمرات التي يعقدها المقربون منه رغبة في

إزاحته مما يسهل الطريق أمام الغزو الفرنسي فيترجل الداي حسين عن جواده،‏ ويُرحل إلى منفاه،‏ ويظهر الجنرال

الفرنسي ‏"دي بورمون"‏ مزوداً‏ بعلم االستعمار وغطرسته وأحقاد الصليب على اإلسالم،‏ فيغتصب وجيشه

المساجد والبيوت واألراضي والمزارع ويروع اآلمنين.‏

أمّا القسم الثاني فقد جاء بعنوان"‏ الصقر الذي خانته براثنه"‏ والعنوان الجزئي:‏ آية قرآنية " واحتل

323

صفحة من صفحات الرواية،‏ خالل هذا القسم يشق الصراع طرفيه بين إرادتيتن متنافرتين الشعب الجزائري يريد

االستقالل وفرنسا تحطم هذه اإلرادة،‏ فنشاهد فيه عن كثب المجازر الدموية ويشهد فيه التاريخ على جرائم ضد

اإلنسانية ويقلب السرد صفحات الماضي بين تمجيد لصناع التاريخ فيظهر لنا األمير عبد القادر بحنكته وذكائه

ورباطة جأشه وهو يُسقط الجنراالت الفرنسية الخمسة التي فشلت في محاربته وعجزت عن مجاراته إلى أن

تراوغه أيادي الخيانة لتخمد مقاومته.‏

هيمن القسم الثالث الموسوم ‏"الدرب الذي اكتشف سبيله"على المساحة المتبقية من سواد السرد والبالغة

004

صفحة،‏ يأخذنا السرد إلى الشرق الجزائري ‏)قسنطينة(‏ فنعيش مع أحمد باي وجيشه استماتة جيشه في


الملحق 20: ملخص الروايات

الذود عن مدينتهم لكن جحافل المحتل تجتاح المدينة وتسيطر عليها وتنهار سيرتا في يد مغتصبها ونرتحل إلى

الجنوب الجزائري ونعيش مقاومة الشيخ بوزيان ف وهي آخر المقاومات الشعبية وبفشلها أُعدمت آمال الشعب

الجزائري في االستقالل.‏

0. ملخص رواية ‏"حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر":‏

تشتغل رواية ‏"حوبه،‏ رحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏ للكاتب الجزائري عز الدين جالوجي عبر

‎449‎صفحة من القطع المتوسط على توظيف أحداث التاريخ المتعلق باالستعمار الفرنسي للجزائر خالل فترة

ما بعد الحرب العالمية األولى،‏ قسم النص إلى أجزاء ثالثة معنونة بالبوح،‏ أمّا األول:‏ ‏"أنات الناي الحزين":‏

انبسط الحكي فيه عن المجتمع الجزائري في األرياف ووصف أوضاعه االقتصادية واالجتماعية والثقافية.‏

ثم يتسع مجال القص في البوح الثاني:‏ ‏"عبق الدم والبارود"‏ بانتقال شخصية ‏"العربي الموستاش وزوجته

حمامه من قرية ‏"تل الغربان ‏"الواقعة بضواحي مدينة ‏"سطيف"‏ نحو مركزها هربا من بطش ‏"القايد عباس"‏ الذي

جند رجاله للبحث عنهما بعدما قوبل طلبه بالزواج من ‏"حمامة"‏ بالرفض،‏ وتم عقد قرانها على ‏"العربي

الموسطاش".‏ وفي البوح الثالث:‏ ‏"النهر المقدس ‏"ينطلق الحكي نحو الخطاب اإليديولوجي ومساراته السياسية

أي نحو االتجاهات السياسية التي أسهمت في نشر الوعي الديني والسياسي بين جموع الجزائريين،‏ فعرض

النص بين تضاريس حبكته ظروف قيام جمعية العلماء المسلمين وجهود أقطابها في الرّفع من شأن التعليم وبناء

المدارس والمساجد إلى غيرها من األحداث المصاحبة لمساعي هذه الجمعية.‏ ونشاط ‏"فرحات عباس"‏ المنطلق

من مدينة ‏"سطيف"،‏

واستحوذ االتجاه الثوري الذي مثله حزب الشعب في مقامات السرد على الكثير من قناعات الشخصيات

الروائية ‏)العربي وسي رابح ويوسف الروج وحسان بلخيرد وحتى النسوة من قبيل حمامه واللة تركية زوجة سي رابح

وسالفة الرومية أم يوسف الروج(،‏ بل وتوافق مع برامجها السردية.‏ وينكف الحكي منغلقا على نفسه مع تصوير

السرد مشهدي ة مجازر الثامن ماي ‎0144‎م.‏

148


الملحق 20: ملخص الروايات

2. ملخص رواية هاء وأسفار عشتار:‏

تتكون رواية هاء وأسفار عشتار"‏ من حوالي

082

صفحة من القطع المتوسط،‏ وتتحدد أطروحتها حول

طرح فلسفي وجودي وهو العبودية بجميع أشكالها وتمظهراته،‏ عبودية العادات،‏ وعبودية العمل،‏ وعبودية النفس

وأهوءها.‏ يسيطر المنحى االسترجاعي على الرواية،‏ فالرواية كلها استرجاعات واستذكارات يسردها البطل الذي لم

يذكر اسمه.‏ تنقسم الرواية إلى فصلين،‏ الفصل األول موسوم أسفار التيه وفيه يسترجع السارد ذكريات طفولته

عند سرقته لخواتم زواج والديه وغضب األم وحيرتها التي دفعتها إلى استقدام ساحر إلى البيت.‏ كما يسترجع

ذكرياته مع جده ‏"مصباح"‏ واأليام التي كان يقضيها بصحبته.‏ يتنقل السارد بين فصول حياته فيروي لنا دخوله

السجن بتهمة التحريض عندما ألف كتابه ‏"االنسان الحر"‏ دعى فيه إلى الحرية ونبذ العبودية السياسية،‏ يحكي

السارد مرارة السجن وعذاباته طوال مدة خمس سنوات وخروجه أخيرا إلى سجن أوسع وهو حياته التي لم يجد

فيها ال قطه وال حبيبته التي تزوجت من بعده مرغمة من والده وهي بذلك سجنت نفسها طوال حياتها.‏

يأتي الفصل الثاني معنونا ‏"أسفار المسخ"‏ وفيه يروي السارد الحلم الذي رواده وفيه قد مسخ ذئبا والتقى

جلجامش وحارب إلى جانبه ‏"اآللهة عشتار"‏ الوجودية صاغها بطريقة أسطورية يتمازج فيها الواقع بالمتخيل،‏ مما

نتج عنه تشكيل لغوي مغاير نظرا لتعدد الرواة في هذا العمل،‏ واعتماده على آليات التجريب الحديثة من تناص

وتاريخ وأسطورة ومحظورات،‏ فجاءت أحداث الرواية.‏ متداخلة مع األسطورة،‏ حيث يحلم البطل أن الزمن قد

عاد به إلى الوراء أيام حكم ‏"اآللهة عشتار"‏ وأنه بصحبة جلجماش يحاربان جنبا إلى جنب ‏"اآللهة عشتار"‏

وبعد صراع طويل معها يتم القضاء عليها وفي ذات اللحظة يستفيق من حلمه.‏

149


مكتبة البحث


ط)‏

قائمة المصادر والمراجع

.1

مؤلفات عز الدين جالوجي الروائية:‏

حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر،‏ دار المنتهى،‏

عناق األفاعي،‏ دار المنتهى،‏ الجزائر،‏

هاء وأسفار عشتار،‏ دار المنتهى،‏ الجزائر

الجزائر،‏ 0202.

.0202

.0200،

.0

المراجع باللغة العربية:‏

إبراهيم ‏)نبيلة(:‏

أشكال التعبير في األدب الشعبي،‏ دار نهضة مصر،‏ القاهرة،‏ ‏)د.ط(،‏ ‏)د.ت(.‏

إبراهيم ‏)عبد الله(:‏

مكتبة البحث

السردية العربية الحديثة:‏ تفكيك الخطاب االستعماري وإعادة تفسير النّشأة،‏ ج‎0‎‏،‏ مكتبة الفكر الجديد،‏

.0203 ،)0

إبراهيم ‏)أنيس(:‏

في اللهجات العربية،‏ مكتبة األنجلو المصرية،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎8‎‏(،‏

.0119

أبالل ‏)عياد(:‏

أنثروبولوجيا األدب،‏ دراسات في أنثروبولوجيا السرد العربي روافد للنشر والتوزيع،‏ القاهرة،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0200.

ابن فضالن ‏)أحمد(:‏

رسالة ابن فضالن في وصف الرحلة إلى بالد الترك والخزر والروس والصقالبة،‏ تح سامي الدّهان،‏ المجمع العلمي

بدمشق.‏

البازغي ‏)سعد(:‏

سرد المدن في الرواية والسينما/‏ منشورات االختالف،‏ الجزائر،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0221

باقار ‏)أبو بكر(‏ ورشيق ‏)حسن(:‏

األنثروبولوجيا في الوطن العربي،‏ دار الفكر دمشق،‏ ‏)د.ط(،‏ سوريا.‏

البستاني ‏)محمد(:‏

مناهج البحث االجتماعي،‏ دار الثقافة،‏ بيروت،‏ ‏)د.ط(،‏ 0180.

بحراوي ‏)حسين(:‏

بنية الشّكل الروائي،‏ المركز الثقافي العربي،‏ بيروت،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0112

بشر ‏)كمال(:‏

علم اللغة االجتماعي،‏ دار غريب،‏ القاهرة،‏ ‏)د.ط(،‏

.0114

151


د)‏

د)‏

ط)‏

بن سكا)عمر(:‏

نقد األديان عند أبي الريحان البيروني،‏ مركز نماء للبحوث والدراسات،‏ بيروت،‏ لبنان،‏

مكتبة البحث

‏)د.ط(،‏ 0200.

بنكراد ‏)سعيد(:‏

السيميائيات السردية،‏ مدخل نظري،‏ منشورات الزمن،‏ الرباط المغرب،‏

0220. ‏.ط(،‏

بورايو ‏)عبد الحميد(:‏

الثقافة الشعبية الجزائرية التاريخ والقضايا والتجليات مقاالت وحوارات،‏ فسير للنشر،‏

منطق السرد:‏ دراسة في القصة الجزائرية الحديثة،‏ ديوان المطبوعات الجامعية،‏ الجزائر،‏

‏)د.ط(،‏ 0200.

‏.ط(،‏ 0184.

بوعزة ‏)محمد(:‏

تأويل النص من الشعرية إلى ما بعد الكولونيالية،‏ المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات،‏ قطر،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0208

سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات االختالف،‏ دار األمان،‏ الرباط،‏ المغرب،‏

.0204،)0

استراتيجية التأويل من النصية إلى التفكيكية،‏ منشورات االختالف،‏ دار األمان،‏ الرباط،‏ ‏)د.ط(،‏ 0200.

عثماني ‏)بولرباح(:‏

دراسات نقدية في األدّب الشعبي،‏ الرابطة الوطنية لألدب الشعبي،‏ الجزائر،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0221

الجزيري ‏)مجدي(:‏

البنيوية والتنوع البشري وكلود ليفي ستراوس،‏ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0220.

الجوهري ‏)محمد(:‏

علم الفلكلور دراسة في المعتقدات الشعبية،‏ دار المعارف،‏ القاهرة،‏ مصر،‏ ‏)د.ط(،‏ 0182.

حجازي ‏)سمير سعيد(:‏

قضايا النقد المعاصر،‏ دار اآلفاق العربية،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎0‎‏(‏ ‏،‏‎0228‎م.‏

حميد لحمداني:‏

النقد الروائي واإليديولوجيا،‏ من سوسيولوجيا الرّواية إلى سوسيولوجيا النصّ‏ الرّوائي،‏ المركز الثقافي العربي،‏ الدار

البيضاء،‏ المغرب،‏ ‏)ط‎0‎‏(‏

.0112،

أسلوبية الرواية،‏ مدخل نظري،‏ منشورات دراسات سال،‏ الدار البيضاء،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0181

حنون ‏)عبد المجيد(:‏

األسطورة في األدب العربي،‏ دار ميم للنشر،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0201

152


ط)‏

د)‏

حافظ األسود ‏)محمد(:‏

مكتبة البحث

األنثروبولوجيا الرمزية دراسة نقدية مقاربة في فهم االتجاهات الحديثة في فهم الثقافة وتأويلها،‏ المعارف،‏

اإلسكندرية،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0222

حبيدة ‏)محمد(وآخرون:‏

من األنثروبولوجيا من البنيوية إلى التأويلية،‏ إفريقيا الشرق،‏ المغرب،‏

.0204

خزعل)الماجدي(:‏

بخور اآللهة،‏ دراسة في الطب والسحر واألسطورة والدين،‏ شركة الطبع والنشر اللبنانية،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ ‏)د.ت(.‏

الخضراوي ‏)إدريس(:‏

األدب موضوعا للدّراسات الثقافية،‏ جذور للنشر،‏ الرباط،‏

.0228 ،)0

الخطيب ‏)محمد(:‏

األنثروبولوجيا دراسة في المجتمعات البدائية،‏ منشورات دار عالء الدين،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ ‏)د.ط(،‏ 0222.

دودين)رفقة(:‏

توظيف الموروث في الرواية األردنية المعاصرة،‏ وزارة الثقافة واإلعالم،‏ عمان،‏ 0118.

الدّيوب ‏)سمر(:‏

الثنائيات الضدّية بحث في المصطلح ودالالته،‏ العتبة العباسية المقدسة،‏ ‏)ط‎0208،)0‎‏.‏

زغب ‏)أحمد(:‏

الفلكلور،‏ المنهج بين النظرية والتطبيق،‏

السواح)فراس(:‏

دين اإلنسان بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الدّيني،‏ منشورات دار عالء الدين للنشر والتوزيع،‏ دمشق،‏

سوريا،‏ ‏)ط‎4‎‏(،‏

.0220

السيد ‏)شفيع(:‏

اتجاهات الرواية العربية في مصر منذ الحرب العالمية الثانية،‏ دار الفكر العربي،‏ القاهرة،‏ ‏)د.ط(،‏ 0119.

سليمان ‏)حسن(:‏

مضمرات النص والخطاب دراسة في عالم حبرا إبراهيم جبرا،‏ سوريا،‏ منشورات اتحاد الكتاب العرب،‏ ‏)د.ط(،‏

.0111

شقروش ‏)شادية(:‏

الخطاب السردي في أدب إبراهيم الدرغوثي،‏ دار سحر للنشر،‏ ‏)د.ط(،‏

‏.ت(.‏

153


د)‏

ط)‏

د)‏

شاهين)محمد(:‏

آفاق الرواية...البنية والمؤثرات،‏ اتحاد الكتاب العرب،‏ دمشق،‏ ‏)د.ط(،‏ 0220.

الشماس ‏)عيسى(:‏

تاريخ االنثروبولوجيا،‏ دراسة،‏ اتحادكتاب العرب،‏ ‏)د.ط(،‏

صابر عبيد)محمد(:‏

‏.ت(.‏

مكتبة البحث

البياتي ‏)سوسن(،‏ معمارية النص الروائي التعدد الداللي وتكامل البنيات،‏ االن ناشرون وموزعون،‏ عمان،‏ األردن،‏

.0200 ،)0

صالح ‏)إبراهيم(:‏

أزمة الحضارة العربية في أدب عبد الرحمن منيف،‏ المركز الثقافي العربي،‏ بيروت ‏)د.ط(،‏

.0224

فضل ‏)صالح(:‏

مناهج النّقد المعاصر،‏ إفريقيا الشرق،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ ‏)د.ط(،‏ ‏)د.ت(.‏

الكبيسي ‏)طراد(:‏

مدخل في النقد األدبي،‏ دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع،‏ عمان،‏ األردن،‏ ‏)د.ط(،‏ 0221.

عباس ‏)فيصل(:‏

التحليل النفسي واالتجاهات الفرويدية المقارنة العيادية،‏ دار الفكر العربي،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0119.

عبد ‏)ميخائيل(:‏

أسئلة الحداثة بين الواقع والشطح،‏ منشورات اتحاد كتاب العرب،‏ دمشق،‏ سوريا،‏

‏)د.ط(،‏ 0118.

تيرماسين ‏)عبد الرحمن(‏ وآخرون:‏

السرد وهاجس التمرد في روايات فضيلة فاروق،‏ الدار العربية للعلوم،‏ ناشرون،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0200.

كليطو ‏)عبد الفتاح(‏ وآخرون:‏

المنهجية في األدب والعلوم اإلنسانية،‏ دار توبقال للنشر،‏ الدار البيضاء،‏ المغرب،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0189.

عبده محجوب ‏)محمد(:‏

االتجاه السوسيو أنثروبولوجي في دراسة المجتمع،‏ وكالة المطبوعات،‏ الكويت.‏ ‏)د.ط(،‏ ‏)د.ت(.‏

عبود ‏)حنا(:‏

النظرية األدبية الحديثة والنقد األسطوري دراسة،‏ منشورات اتحادكتاب العرب،‏ دمشق،‏

العجيلي)شهال(:‏

الخصوصية الثقافية في الرواية العربية،‏ الدّار المصرية اللبناية،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0200.

‏.ط(،‏‎0111‎‏.‏

154


د)‏

د)‏

عزيز ماضي)‏ شكري(:‏

من إشكاليات النقد العربي الحديث،‏ دار ورد األردنية للنشر والتوزيع،‏ ‏)ط‎3‎‏(،‏

في نظرية األدب،‏ المؤسسة العربية للدراسات والنشر،‏ بيروت،‏ لبنان.‏

.0228

العشماوي ‏)مرفت(:‏

دورة الحياة دراسة العادات والتقاليد الشعبية،‏ دار المعرفة الجامعية،‏ مصر‎0200‎‏.‏

عمر حمادة)‏ مصطفى(:‏

مكتبة البحث

دراسات أنثروبولوجية في المجتمع والثقافة،‏ دار المعرفة الجامعية،‏ اإلسكندرية،‏ مصر،‏ ‏)د.ط(،‏ 0200.

عناني ‏)محمد(:‏

المصطلحات األدبية الحديثة،‏ مكتبة لبنان ناشرون،‏ بيروت،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0119.

العنتيل ‏)فوزي(:‏

الفلكلور ماهو؟ دراسات في التراث الشعبي،‏ دار المعارف،‏ مصر،‏ ‏)د.ط(،‏

.0194

عياد ‏)أبالل(:‏

أنثروبولوجيا األدب دراسة أنثروبولوجية

غيوب ‏)باية(:‏

للس رد العربي،‏ ر وافد للنشر،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0202.

الشخصية األنثروبولوجية العجائبية في رواية مائة عام من العزلة،‏ دار األمل للنشر والطباعة،‏

.0200

فخر الدين ‏)محمد(:‏

الحكاية الشعبية المغربية بنيات السرد والمتخيل،‏ دار نشر المعرفة،‏ ‏)د.ط(،‏

فهيم ‏)حسين(:‏

‏.ت(.‏

قصة األنثروبولوجيا فصول في تاريخ علم اإلنسان،‏ عالم المعرفة،‏ الكويت،‏ ‏)د.ط(،‏

قريطم ‏)عبير(:‏

األنثروبولوجيا والفنون الشعبية،‏ المجلس األعلى للثقافة،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0202.

الكبيسي ‏)طراد(:‏

‏.ت(.‏

مدخل في النقد األدبي،‏ دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع،‏ عمان،‏ األردن،‏ ‏)د.ط(،‏ 0221.

كردي ‏)ربيع(:‏

البنائية الجديدة في علم االجتماع واألنثروبولوجيا،‏ العربية للنشر والتوزيع،‏ مصر،‏ ‏)د.ط(،‏

.0200

محمد اسماعيل)زكي(:‏

األنثروبولوجيا والفكر اإلسالمي،‏ دار الزهراء،‏ الرياض،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0220.

الجزائر،‏ ‏)د.ط(،‏

155


سبيال ‏)محمد(:‏

مدارات الحداثة،‏ الشبكة العربية لألبحاث والنشر،‏ بيروت،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0221.

مرتاض ‏)عبد الملك(:‏

نظرية الرواية،‏ دار المعرفة،‏ الكويت،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0118

المقداد ‏)قاسم(:‏

مكتبة البحث

هندسة المعنى في السرد األسطوري الملحمي،‏ جلجامش،‏ دار السؤال للطباعة والنشر،‏ دمشق،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0180

الموساوي ‏)عبد السالم(:‏

الموت المتخيل في شعر أدونيس،‏ مج‎0‎‏،‏ النايا للنشر والتوزيع،‏ دمشق،‏ ‏)د.ط(،‏ 0203.

النصير)ياسين(:‏

المساحة المختفية قراءات في الحكاية الشعبيّة،‏ المركز الثقافي العربي،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0114

نادر)كاظم(:‏

تمثيالت اآلخر صورة السود في المتخيل العربي الوسيط،‏ المؤسسة العربية للدراسة والنشر،‏ البحرين،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0224

نجمي ‏)حسن(:‏

شعرية الفضاء السردي،‏ المركز الثقافي العربي،‏ المغرب،‏

‏)دط(،‏ 0222.

واعراب ‏)مصطفى(:‏

المعتقدات السّحرية في المغرب،‏ منشورات األحداث المغربية،‏ الدّار البيضاء،‏ ‏)د.ط(،‏

0223

ولد خليفة ‏)محمد العربي(،‏

المسالة الثقافية وقضايا اللسان والهوية،‏ ديوان المطبوعات الجامعية،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ الجزائر،‏ 0223.

يقطين،‏ ‏)سعيد(:‏

.2

الرواية والتراث السردي،‏ من أجل وعي جديد بالتراث،‏ المركز الثقافي العربي،‏ بيروت،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0110.

المعاجم والموسوعات:‏

إحسان ‏)محمد حسن(:‏

موسوعة علم االجتماع،‏ الدار العربية للموسوعات،‏ لبنان،‏ ‏)د.ت(.‏

بونت ‏)بيار(‏ ‏)ميشال(‏ إيزار:‏

معجم االنثروبولوجيا،‏ مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،‏ لبنان،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0200

156


د)‏ د)‏

ط)‏

مكتبة البحث

حجازي ‏)سمير(:‏

‏.ط(،‏

المتقن معجم المصطلحات اللغوية واألدبية الحديثة،‏ دار الراتب الجامعية للنشر والتوزيع،‏ القبة،‏ الجزائر،‏

‏.ت(.‏

شويقة ‏)عبد الجواد(‏ واَخرون:‏

الموسوعة اإلفريقية،‏ مج الرابع،‏ األنثروبولوجيا،‏ مركز البحوث والدراسات اإلفريقية،‏ القاهرة مصر،‏

.0118

.2

المراجع المترجمة:‏

أبوليوس ‏)لوكيوس(:‏

الحمار الذهبي،‏ تر،‏ أبو العيد ‏)دودو(،‏ الدّار العربية للعلوم،‏ منشورات االختالف،‏ بيروت،‏

‏)ط‎3‎‏(،‏ 0224.

باختين ‏)ميخائيل(:‏

الخطاب الروائي،‏ تر،‏ برادة ‏)محمد(،‏ دار األمان،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0188

الكلمة في الرواية،‏ ترجمة:‏ حالق)يوسف(،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ دمشق،‏ منشورات وزارة الثقافة،‏

.0188

شعرية دوستويفسكي،‏ تر،‏ جميل نصيف التكريتي،‏ دار التويقال،‏ الدار البيضاء،‏ المغرب،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0189.

بارث ‏)فريدريك(‏ وآخرون:‏

حقل علمي وأربع مدارس أنثروبولوجية،‏ تر

السياسات،‏ قطر،‏

.0208 ،)0

ببليوس ‏)أوفيدوس ناسو(:‏

مسخ الكائنات،‏ تر،‏ عكاشة ‏)ثروت(،‏ الهيئة المصرية العامة للكتب)ط‎3‎‏(،‏

‏)د.ط(،‏

أبو بكر أحمد قادر وإيمان الوكيلي،‏ المركز العربي لألبحاث ودراسة

.0110

بيرتي جي)‏ بيلتو(:‏

دراسة األنثروبولوجيا المفهوم والتاريخ تر ‏،كاظم سعد الدين،‏ دار الحكمة،‏ بغداد،‏ العراق،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0202.

بوتور ‏)ميشال(:‏

بحوث في الرواية الجديدة،‏ تر:‏ أنطونيوس ‏)فريد(،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ منشورات عويدات،‏ ‏)ط‎3‎‏(،‏

.0180

جيرار ‏)رينيه(:‏

العنف والمقدس،‏ تر،‏ سميرة ريشا،‏ المنظمة العربية للترجمة،‏ بيروت،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0221.

زيما ‏)بيير(:‏

النص والمجتمع،‏ تر،‏ أنطوان أبوزيد،‏ مركز دراسات الوحدة العربية،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0203.

تدوروف)تزيفتان(‏

مدخل إلى األدّب العجائبي،‏ تر،‏ الصديق ‏)بوعالم(،‏ دار شرقيات،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0114.

157


د)‏

مكتبة البحث

فرويد ‏)سيغموند(:‏

الطوطم والتابو،‏ تر بو علي ياسين،‏ راجعه،‏ محمد كبيبو،‏ دار الحوار للنسر،‏ دمشق،‏ سوريا،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0183

فوفغانغ ‏)أيزر(:‏

فعل القراءة نظرية االستجابة الجمالية،‏ تر،‏ عبد الوهاب علوب،‏ المجلس األعلى للثقافة،‏ القاهرة،‏ ‏)د.ط(،‏

.0222

التّخييلي والخيالي من منظور األنطروبولوجية األدبية،‏ تر،‏ حميد لحميداني والجاللي الكدية،‏ مطبعة النجاح

الجديدة،‏ ‏)د.ب(،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0118.

فريزر ‏)روبرت(:‏

سير جيمس فريزر والخيال األدبي مقاالت في التأثير والتأثر،‏ تر أحمد صديق الواحي،‏ مراجعة رمسيس عوض،‏

المركز القومي للترجمة،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0201.

فريزر ‏)جيمس(:‏

الغصن الذهبي دراسة في السحر والدين،‏ تر،‏ الخوص ‏)نايف(،‏ دار الفرقد،‏ سوريا،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0204

.

ليتش ‏)فينست(:‏

النقد األمريكي من الثالثينات إلى األربعينات،‏ تر،‏ محمد يحي،‏ المجلس األعلى للثقافة،‏

‏)د.ط(،‏ 0222.

ريفيير ‏)كلود(:‏

األنثروبولوجيا-االجتماعية لألديان-،‏ تر،‏ أسامة نبيل،‏ المركز القومي للترجمة،‏ القاهرة،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0204.

كليفورد ‏)غيرتز(:‏

تأويل الثقافات،‏ تر،‏ محمد بدوي،‏ المؤسسة العربية للترجمة،‏ بيروت،‏ لبنان،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏ 0221.

لوكاتش ‏)جورج(:‏

غوته وعصره،‏ تر،‏ بديع ‏)عمر(‏ نظمي،‏ بيروت،‏ دار الطليعة،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0184.

ليفي شتراوس ‏)كلود(:‏

األنثروبولوجيا البنيوية تر،‏ مصطفى صالح،‏ منشورات وزارة الثقافة واإلرشاد القومي،‏ دمشق،‏ سوريا،‏

‏.ط(،‏‎0188‎‏.‏

مافيزيولي،‏ ‏)ميشيل(:‏

تأمل العالم الصورة واألسلوب في الحياة االجتماعية،‏ تر:‏ الزاهي ‏)فريد(،‏ القاهرة،‏ المجلس األعلى للثقافة،‏

‏)ط‎0‎‏(،‏ 0224.

ميرسيا ‏)إلياد(:‏

158


ط)‏

مكتبة البحث

المقدس والدنيوي رمزية الطقس واألسطورة،‏ تر،‏ خياطة ‏)نهاد(،‏ العربي للطباعة والنشر والتوزيع،‏ دمشق،‏ ‏)ط‎0‎‏(،‏

.0118،)0

يونغ ‏)كارل(:‏

.0188

علم النفس التحليلي،‏ تر،‏ خياطة ‏)نهاد )، دار الحوار للنشر والتوزيع،‏ الالذقية،‏ سوريا،‏

المراجع باللغات األجنبية:‏

Alain bruno et christaine lle boode, dictionnaire d’economie et de

science sociales, Rev ellipses édition, Paris, 2010

Alan Bernard and Jonthan Spencer, encyclopdia of social and

cultural anthropology, routledge ,London, 2002

.4

Bolokavaski, the commun , habits, eds new view, london ,1985

. Jean Dubois et autres, dictionnaire de linguistique, éd larousse,

paris, 2002.

Gérald Gaillard Translated by Peter James Bowman, The

Routledge Dictionary of Anthropologists This edition published

in the Taylor & Francis e-Library.

Mircea Eliad aspects du mythe- Gallimard 1963

Jean Pierre Gerfaud & Jean Paul Tourrel ; La Littérature Au

Pluriel (Enjeux Et Méthode D’une Lecture Anthropologique), De

Boeck & Larcier, Bruxelles 2004

6. المقاالت:‏

خالد موسى الحسيني سالم كناوي عباس:‏

أثر القربان الوثني في العشاء الرباني المسيحي ‏)المجلد 40(. العراق:‏ مجلة مركز دراسات الكوفة،‏ 0209.

،41 المجلد .0202 ،04

المحواشي،‏ ‏)منصف(:‏

الطقوس وجبروت الرموز:‏ قراءة في الوظائف والتّحوالت،‏ مجلة إنسانيات،‏ العدد

عبد الرحمن ‏)يتيم(:‏

سعيا وراء المعلومات االثنوغرافية،‏ مجلة ثقافات،‏ خريف 0220.

159


إميل دوركايم ملمح من حياته وفكره األنثروبولوجي،‏ مجلةَ‏ اضافات العدد:‏

مكتبة البحث

04، شتاء 0204، كلية اآلداب،‏

قسم العلوم االجتماعية،‏ جامعة البحرين.‏

األطروحات:‏ 1.

المقداد ‏)قاسم(:‏

هندسة المعنى في السّرد األسطوري الملحمي،‏ جلجماش،‏ إشراف:‏ جورج كاسامي،‏ أطروحة دكتوراه،‏ جامعة

السربون،‏ كلية اآلداب،‏ 0189.

زندري ‏)عبد النبي(:‏

الخلفية االجتماعية وبناء الموروث الثقافي الالمادي-دراسة مونوغرافية لبعض التعابير الشعبية في آهڤار

وطاسيلي ناجاز،‏ ‏-مذكرة لنيل شهادة دكتوراه،‏ تخصص:‏ علم االجتماع الثقافي،‏ كلية العلوم االنسانية

واالجتماعية،‏ جامعة الجزائر‎0‎‏،‏

.0203-0200

عطا ‏)أحمد(:‏

التناص القرآني في شعر ‏)جمال الدين(‏ بن نباتة المصّري،‏ بحث مقدم للمؤتمر الرابع لكلية األلسن،‏ جامعة

المينا،‏ مصر،‏ أبريل

.0228

عمار)مهدي(:‏

المرجعيات التراثية في الرواية الجزائرية ‏-فترة التسعينات وما بعدها-،‏ أطروحة دكتوراه،‏ جامعة المسيلة،‏

.0208_0208

160


161

مكتبة البحث


الفهرس

الفهرس

162


الفهرس

العنوان

االهداء

الشكر والعرفان

قبل البدء

مقدمة

مدخل:‏ قراءة في المسار التاريخي لألنثروبولوجيا

الصفحة

أ

20 إلى 02

20

20

22

26

21

12

14

18

18

10

02

02

06 ألى 42

01

08

08

08

00

00

22

.1

.0

المعارف ذات الصبغة األنثروبولوجية

المعارف ذات الصبغة األنثروبولوجية في الرحلة الغربية

المعارف ذات الصّبغة األنثروبولوجية المدونات الرحلية العربية

بوادر الفكر األنثروبولوجي في عصر النّهضة الغربية

نحو تأسيس دعائم النظرية األنثروبولوجية

.2

بدايات العمل الميداني األنثروبولوجي‎12‎

تبلور العمل الميداني

.2

.1

أسس المنهج األنثروبولوجي

الميدان

االستبيان

المختبر

الكتابة

الفصل األول:‏ آليات المقاربة األنتروبولوجية

تمهيد

مفهوم مصطلح األنتروبولوجية وفروعه

اإلطار المفاهيمي لمصطلح األنثروبولوجيا

المفهوم االشتقاقي

فروع األنثروبولوجيا

اإلثنوغرافيا

اإلثنولوجيا

163


الفهرس

21

20

20

22

24

24

22

21

22

26

21

20

42

40

من 42 إلى 80

44

44

41

48

48

62

62

60

61

68

12

األنثروبولوجيا االجتماعية

األنثروبولوجيا الثقافية

.0

.2

.4

.1

.0

عالقة األنتروبولوجية بالسرد الروائي

الجمالية األدبية للمعطى األنتروبولوجي في السرد الروائي

آليات المقاربة األنتروبولوجية

المفهوم اإلبستمولوجي للمقاربة األنثروبولوجية لألدب

األنثروبولوجية الرمزية التأويلية

المقاربة االجتماعية

المقاربة البوليفونية/‏ الحوارية

المقاربة النفسية

المقاربة الميثو نقدية

أعالم النقد األسطوري

آليات النقد األسطوري

خطوات المقاربة األنثروبولوجية

الفصل الثاني:‏ أنترولوجية التأصيل والهوية في الرواية

تمهيد

حدود مفهوم الهوية

أنثروبولوجيا القرابة في رواية ‏"حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"‏

التّمثيل السوسيو نصي لنظم القرابة في رواية ‏"حوبه"‏

أنثروبولوجيا تّشكل العروش في رواية ‏"حوبه"‏

الدالالت الثقافية لطقوس الزواج في رواية ‏"حوبه"‏

أنثروبولوجيا طقس الخطبة في رواية ‏"حوبه"‏

طقوس حفل الزواج في رواية ‏"حوبه"‏

التَّقصي األنثروبولوجي للمكان في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

األبعاد األنثروبولوجية للمكان القروي في رواية ‏"حوبه"‏

المعمار التقليدي للبيت القروي في رواية ‏"حوبه"‏

164


الفهرس

11

األبعاد الحضارية

للمدينة في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

.3

11

82

80

من 88 إلى 120

88

80

80

06

00

122

124

1

البعد التاريخي

البعد التجاري

البعد الثقافي

تركيب

الفصل الثالث:‏ هندسة المخيال الشعبي في رواية حوبه وعناق األفاعي وهاء

وأسفار عشتار

تمهيد

أنتروبولوجية الولي في المخيال الشعبي في رواية ‏"حوبه"‏ و ‏"عناق

األفاعي"‏

الدالالت األنثروبولوجية لظروف إقامة األضرحة في رواية ‏"حوبه " و ‏"عناق

األفاعي"‏

الدَّالالت األنثروبولوجية لطقوس زيارة األضرحة في رواية ‏"حوبه"‏

أنثروبولوجيا وظيفة االستمطار في المخيال الشعبي في رواية ‏"حوبه"‏

الدّراويش في المعتقد الشعبي في رواية ‏"حوبه"‏

رمزية الولي في الحكايات الخرافية في روايتي ‏"حوبه"‏ و"عناق األفاعي"‏

111

0 أنثروبولوجيا السّحر في روايتي ‏"حوبه"‏ و"هاء وأسفار عشتار"‏

110

111

100

102

102

100

106

2

الرمزية األنثروبولوجية للتمائم والحروز في رواية ‏"حوبه"‏

أنثروبولوجيا الممارسات السّحرية في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

أنثروبولوجيا األسطورة في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

البعد األسطوري للعتبة العنوانية لرواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

الدالالت األنثروبولوجية لألسطورة في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

دالالت تداخل الواقعي واألسطوري في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

دّالالت المسخ في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

165


الفهرس

108

122

121

126

124

146

دالالت العبودية في رواية ‏"هاء وأسفار عشتار"‏

على سبيل التركيب

خاتمة

المالحق

قائمة المصادر والمراجع

الفهرس

166


الملخص

تحاول هذه الدراسة مساءلة الموروث الثقافي المبثوث في نصوص جالوجي الروائية ‏"حوبه ورحلة

البحث عن المهدي المنتظر"‏ و"عناق األفاعي"‏ و"هاء وأسفار عشتار"،‏ استنادا إلى آليات المقاربة

األنثروبولوجية لألدب.‏ تضمنت الدّراسة ثالث فصول ومدخل.‏ اهتم المدخل بتتبع األنثروبولوجيا تاريخيا مذ

إرهاصاتها األولى إلى تطورها العلمي والمنهجي كما تضمن تعريفا بأدوات المنهج األنثروبولوجي.‏ أما الفصل

األول فقد سعى إلى إبراز آليات المقاربة األنثروبولوجية لألدب التي تم االشتغال عليها إجرائيا في الفصلين

التطبيقين.‏

وقف الفصل الثاني إجرائيا عند أهم مباحث األنثروبولوجيا الثقافية المتمثل في مبحث التأصيل والهوية،‏

تمت فيه قراءة المعطيات الهوياتية للبيئة المحلية واألبعاد الحضارية للمدينة الجزائرية وتأويل دالالتها األنثرو

ثقافية.‏ واستوقف الفصل الثالث أنثروبولوجيا البنيات الثقافية المشكلة للمخيال الشعبي المجسدة في ممارسات

طقسية وحكايات خرافية تقدس ‏"الولي"‏ ثم تحول الفصل صوب قراءة أدوات السحر التي تم تسريدها وأخيرا

وفي ضوء النقد األسطوري توصلنا إلى دالالت األساطير.‏

الكلمات المفتاحية

الموروث الثقافي،‏ أنثروبولوجيا األدب،‏ الهوية،‏ المخيال الشعبي،‏ الرواية،‏ عز الدين جالوجي.‏

Abstract

This study scrutinizes the cultural heritage encapsulated in Jalawji's narratives: "Huba

and the Journey in Search of the Awaited Mahdi," "The Embrace of Snakes," and "Ha and the

Journeys of Ishtar," through an anthropological lens applied to literary analysis. Organized

into an introduction and three substantive chapters, the work begins with an exploration of the

evolution of anthropology from its initial conjectures to its contemporary scientific and

methodological framework, succinctly outlining the discipline's analytical methodologies. The

first chapter elucidates the anthropological approach to literature, setting the stage for its

practical application in the analysis chapters that follow.

The second chapter conducts a detailed exploration of key themes in cultural

anthropology, focusing on the interplay between roots and identity. It analyzes the identity

markers within local settings and the civilizational attributes of the Algerian urban context,

interpreting these through an anthropo-cultural lens. The third chapter investigates the

anthropology of cultural constructs that shape collective imaginations, focusing on rituals,

mythic narratives that revere "the saint," and the analysis of magical elements within these

narratives. This exploration concludes with a discussion on the significance of mythological

motifs.

Keywords Cultural heritage, literary anthropology, identity, collective imagination, novel,

Azzedin Jalawji.

167


168

Hooray! Your file is uploaded and ready to be published.

Saved successfully!

Ooh no, something went wrong!